الحمد لله؛ بَوَّأ لخليله إبراهيم عليه السلام مكان البيت العتيق، وجمع لمن قصده خالصًا مخلصًا أسباب التوفيق، أحمده سبحانه وأشكره، وأتوب إليه وأستغفره، يسَّر السبيل لبيته المحرم؛ فجاءوا حُجاجًا وعُمارًا من كل فجٍ عميقٍ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادةً بها المخرج من كل ضيق، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدًا عبد الله ورسوله، ذو المجد المؤثَّل والنسب العريق، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه، والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وسلَّم تسليمًا كثيرًا.
أما بعد:
فأوصيكم -أيها الناس- ونفسـي بتقوى الله عز وجل، فتقوى الله سبيل النجاة، وطريق الفلاح، فاتقوه رحمكم الله لعلكم تفلحون، ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ﴾ [آل عمران:102].
أيها الإخوة! في هذه الأيام المباركة يتجه المسلمون إلى بيت الله الحرام؛ لأداء فريضة من فرائض الله، تاركين في سبيل ذلك أوطانهم، وأولادهم، وأموالهم، متجهين إلى مكان واحد، في زمن واحد؛ قاصدين ربًا واحدًا، وهدفًا واحدًا؛ فإذا وصلوا إلى الميقات، خلعوا ثيابهم المألوفة، ولبس كل واحد منهم إزارًا ورداءً شبيهة بأكفان الموتى، وكأنهم مسافرون إلى الدار الآخرة، واقفون في عرصات القيامة، لا فرق في ذلك بين الصغير والكبير، والغني والفقير، والمأمور والأمير، والأبيض والأسود، والعربي والعجمي، فالكل جاء جوًا وبرًا وبحرًا؛ لحضور هذا التجمع الإسلامي الكبير؛ استجابة لنداء الله عز وجل على لسان خليله: ﴿ وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَىٰ كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ ﴿٢٧﴾ لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ ﴾ [الحج:27-28]. ويدخلون في حرم الله مُحرمين خاضعين خاشعين متذللين، قد تركوا ما فاتهم، واتجهوا إلى الله بقلوبهم وأبدانهم، ويترقبون في تلك المشاعر العظيمة من الطواف بالبيت، والسعي بين الصفا والمروة، والوقوف بعرفة، والمبيت بمزدلفة ومنى، ورمي الجمار، وذبح الهدي على اسم الله، والحلق أو التقصير وغيرها من أعمال الحج... إلى أن يُودعوا البيت، كل ذلك بقلوبٍ خاشعة، وأعينٍ دامعة، وألسنةٍ مكبرة مهللة ملبية داعية.
يالها من مواقف عظيمة! تُسكب فيها العبرات، ويُتاب فيها من السيئات، ويُكثر فيها من الصالحات؛ لتقال العثرات، وتُغفر الخطيئات، وتُستر الزلات بعفو الله ولطفه.
إنها أرضٌ مباركة ضمَّت أروع حوادث التاريخ، وأعظم ملاحم الإنسانية، أرض تروي أوديتها وجبالها ووهادها ورمالها تاريخًا عريقًا، زاخرًا بالبطولات، وألوان الجهاد والانتصارات.
أرضٌ تغيرت بسيرتها ومسيرتها معالم التاريخ، وقفزت بالإنسانية إلى أبعد الآفاق وأسمى المراتب.
كم وقف بساحاتها من الجموع؟! وكم سالت على ثراها من الدموع؟! وكم ذابت في عرصاتها فوارق الأجناس واللغات؟! وزالت عندها حواجز العنصريات والعصبيات؟!
كم تآلفت فوقها قلوب! وفُرِّجت على ثراها كروب! وحُطت فيها من أوزار وغُفرت ذنوب؟!
كم امتزجت فيها دموع المذنبين! وتعانقت أصوات المستغفرين! وتوحدت رغبات الراغبين؟!
أيها المسلمون: يقول تعالى: ﴿ وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا ۚ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ ﴾ [آل عمران:97]. إن الحج عبادة عظيمة تتداخل فيها أنواع من العبادات لا يتيسر تداخلها في غيره: عبادة في المال، وعبادة في البدن، أعمال بالقلوب والألسنة والجوارح، جَمَعت أنواعًا من التعبد عملًا وقولًا ونيةً.
وهذه طائفة من الآداب والتوجيهات بَسَط أهل العلم ﭭ القول فيها، وحثوا مريد الحج على مراعاتها، والحفاظ عليها؛ تَلَمُّسًا للحج المبرور وسعيًا للعمل المقبول والسعي المشكور، الذي يرجع منه الحاج كيوم ولدته أمه من الذنوب.
يقول الله عز وجل: ﴿ الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ ۚ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ ﴾ [البقرة:197]، ويقول ﷺ في الحديث الصحيح: «من حجَّ فلم يرفث ولم يفسق؛ رجع كيوم ولدته أمه»[1]. وقال عليه الصلاة والسلام: «العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما، والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة»[2]. «وسئل النبي ﷺ أي العمل أفضل؟ قال: إيمان بالله ورسوله، قيل: ثم ماذا؟ قال: الجهاد في سبيل الله، قيل: ثم ماذا؟ قال: حج مبرور»[3].
وأول تلك الآداب التي ينبغي أن يتمثلها في كل عبادة لله - ومنها الحج -إخلاص العمل لله، والمتابعة لرسوله ﷺ، وعبادة الله وفق ما شرع الله، فلا رياء ولا سمعة، ولا جهل ولا إخلال بالسنة، أولئك هم الذين يرجون لقاء ربهم، وأولئك هم المخلصون الذين يتقبل الله أعمالهم، قال تعال: ﴿ فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا ﴾ [الكهف:110]. وهم المتقون الذين يرجون قبول أعمالهم: ﴿ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ ﴾ [المائدة:27]، ويدخل في هذا أن لا يتفاخر الحاج أو يكثر من ذكر كونه قد وفق لحج هذا العام، فقد كان الصالحون يُخفون ذلك لئلا يذهب عليهم ثواب حجهم.
وحري بمن عزم على السفر على الحج أن يتحرّى الحلال في نفقته، فإن الله تعالى طيب لا يقبل إلا طيبًا، ثم يوصي أهله بتقوى الله، ويكتب وصيته، وماله وما عليه، ويبادر التوبة النصوح ورد المظالم وقضاء الديون، لأنه لا يدرى ما يعرض له، كما أن عليه اختيار الرفقة الصالحة، ومعرفة أحكام السفر والحج.
فإذا وصل الميقات سُنَّ له أن يتحرى الاقتداء بالنبي ﷺ من أول شروعه بالإحرام وأداء المناسك؛ كما قال ﷺ لأصحابه في حجة الوادع: «خذوا عني مناسككم؛ فإني لا أدري لعلي لا أحج بعد حجتي هذه»[4].
فيغسل ويتنظف، ويأخذ من شعره وأظافره ما يحتاج إلى أخذ، ليس هذا من خصائص الإحرام، ولكنه مطلوب عند الحاجة، وهو سنة، ولذا قال بعض أهل العلم: أما من كانت له أضحية وعزم على الحج فإنه لا يأخذ من شعره وأظافره إذا أراد الإحرام، لأن هذا سنة، فيرجح جانب الترك المنهي عنه على جانب الأخذ المسنون، وهذا بخلاف التقصير أو الحلق للعمرة أو للحج، فإنه نسك لا بد منه، فإذا اغتسل، وتنظف، وتطيب في جسده - دون إحرامه - ولبس ثياب الإحرام؛ استحب له أن يحرم عقيب صلاة مفروضة إن كانت، وإلا فليس للإحرام صلاة تخصه كما رجح ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية.
واستحب له كذلك قبل الدخول في الإحرام أن يحمد الله، ويسبحه، ويكبره، لحديث أنس رضي الله عنه، وفيه: «ثم ركب رسول الله ﷺ حتى استوت به راحلته على البيداء، حمد الله، وسبّح، وكبّر، ثم أهلَّ بحج وعمرة»[5]. وهذا من السنن التي قلّ من يتفطن لها، ولذا قال الحافظ ابن حجر: (وهذا الحكم، وهو استحباب التسبيح، وما ذُكر معه قبل الإهلال قلّ من تعرّض لذكره مع ثبوته). ثم ينوي بقلبه الدخول في النُّسُك الذي يريد، فإن كان قارنًا قال: لبيك عمرة وحجًا، وإن كان متمتعًا قال: لبيك عمرة متمتعا بها إلى الحج، وإن كان مفردًا قال: لبيك حجة.
ومعنى التمتع: أن يحرم بالعمرة ثم يفرغ منها ويتحلل، ثم يحرم بالحج في عامه، وعليه هدي كما أن عليه طوافًا وسعيًا للعمرة، وطوافًا وسعيًا آخر للحج، ولكثرة أعماله أمر النبي ﷺ به أصحابه، واعتبره عدد من العلماء أفضل أنواع النسك.
أما القِران: فمعناه أن يحرم بالحج والعمرة جميعًا، وعليه هدي كالمتمتع، وليس عليه إلا سعي واحد بين الصفا والمروة، فإن سعى مع طواف القدوم كفاه عن سعي الحج مع طواف الحج أيام التشريق، لأن هذا الطواف ركن في الحج لجميع الحجاج، ولا يبدأ إلا في يوم العيد.
وأما الإفراد: فهو أن يحرم بالحج وحده، وليس عليه هدي، أما في الطواف والسعي فهو مثل القارن ليس عليه إلا سعي واحد، وأما الطواف فيلزمه طواف الحج في أيام التشـريق، ولو طاف للقدوم.
ومن الأخطاء التي يقع فيها بعض الحجاج إعلانهم النية، كأن يقول: اللهم إني نويت الإحرام بالحج متمتعًا، أو قارنًا، أو مُفرِدًا، فهذا لا ينبغي؛ لأن النية محلها القلب، والتلفظ بها بدعة، قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: (تنازع العلماء هل يستحب أن يتكلم بذلك، كما تنازعوا هل يستحب التلفظ بالنية في الصلاة؟ والصواب المقطوع به: أنه لا يستحب شيء من ذلك، فإن النبي ﷺ لم يشرع للمسلمين شيئًا من ذلك، ولا كان يتكلم قبل التكبير بشيء من ألفاظ النية، لا هو ولا أصحابه).
وهذا التلفظ بالنية المنهي عنه غير رفع الصوت بالتلبية في النسك الذي يريد - كما تقدم - فهذا مطلوب، فيكتفي الحاج المتمتع بالقول (لبيك عمرة متمتعا بها إلى الحج)، والقارن يقول: (لبيك عمرة وحجًا)، ويقول المفرد: (لبيك حجًا).
ويسن رفع الصوت بالتلبية للرجال، وتخفيها النساء، وهي من شعائر الحج، يقول النبي ﷺ «ما من مُلَبٍّ يلبي إلا لبَّى ما عن يمينه وعن شماله من شجر وحجر، حتى تنقطع الأرض من هنا وهناك»[6]. وقال عليه الصلاة والسلام: «أمرني جبريل برفع الصوت في الإهلال فإنه من شعائر الحج»[7].
فإذا وصل الحاج إلى البيت قدّم رجله اليمنى، وقال ما ورد عند دخول المسجد، ثم قصد الحجر إن تيسر له ذلك دون مزاحمة، وإيذاء الآخرين، وقبله وإلا استلمه بيده اليمنى، فإن لم يتيسر له يبدأ الطواف قائلا: (بسم الله، والله اكبر) اللهم إيمانا بك وتصديقا بكتابك ووفاء بعهدك واتباعا لسنة نبيك محمد ﷺ، ويكثر من الدعاء والذكر وتلاوة القرآن بقلب خاشع متأمل، وليس للطواف أدعية مخصوصة بكل شوط.
ومن أخطاء بعض الحجاج: أنهم يصطحبون معهم حال الطواف أدعية مكتوبة قد لا يفقهون معناها، بل ولا يحسنون نطقها، ولو أنهم دعوا الله بما يعرفونه ويحفظونه ويفقهونه من الأدعية لكان أولى لهم وأحرى باستجابة دعائهم، لأن المهم حضور القلب وصدق الدعوة، لا لفظها وصياغتها.
فإذا وصل الحاج إلى الركن اليماني استلمه من غير تقبيل إن تيسـر، ويقرأ بين الركنين: ﴿ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ﴾ [البقرة:201].
وكلما مر بالحجر الأسود كبر مرة واحدة، وأشار إليه بيده اليمنى إن لم يتيسـر تقبيله ولا استلامه، فلا يتكلف في المزاحمة لتقبيله، بل عند الزحام والمشقة يكون الأولى ترك ذلك تيسيرًا على نفسه وإخوانه.
ومما يخطئ فيه بعض الحجاج أنهم يتمسحون بجوانب من البيت أو المقام، يقول شيخ الاسلام ابن تيمية رحمه الله: (ولا يستلم من الأركان إلا الركنين اليمانيين دون الشاميين فإن النبي ﷺ استلمهما لأنهما على قواعد ابراهيم، والآخران هما في داخل البيت.. وأما سائر جوانب البيت ومقام إبراهيم، وسائر ما في الارض من المساجد وحيطانها، ومقابر الأنبياء والصالحين كحجرة نبينا ﷺ، ومغارة إبراهيم... وصخرة بيت المقدس فلا تُستلم ولا تُقبّل باتفاق الأئمة).
ويستحب في طواف القدوم الاضطباع والرَّمَل، والاضطباع: أن يجعل وسط ردائه تحت إبطه الأيمن، وطرفه على عاتقه الأيسر، فيكون المنكب الأيمن مكشوفًا إظهارا للجلادة في مقام العبادة، ويظن البعض أن الاضطباع يبقى منذ أن يُحرم إلى أن يخلع ثياب الإحرام، وهذا خطأ، فإنما محل الاضطباع الطواف فقط، قال ابن عابدين: (والمسنون الاضطباع قبيل الطواف إلى انتهائه لا غير).
أما الرَّمَل: فهو إسراع المشي مع تقارُب الخُطى من غير وثب، ويكون في الأشواط الثلاثة الأولى فقط إن تيسّر، فإذا فرغ من الطواف سوَّى رداءه وصلى ركعتي الطواف خلف المقام أو في أي مكان من البيت إن كان هناك زحام، فيقرأ في الركعة الأولى (الكافرون) وفي الثانية ﴿ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ﴾ [الإخلاص:1].
يرقى على الصفا إن تيسّر له، أو يقف عنده ويقرأ قول الله سبحانه: ﴿ إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ ﴾ [البقرة:158]، ويقول: أبدأ بما بدأ الله به، ويستحب أن يستقبل القبلة، ويحمد الله، ويكبره، ويقول: لا إله إلا الله وحده لا شريك وله الحمد يحيى ويميت وهو على كل شيء قدير، لا إله إلا الله وحده لا شريك له، أنجز وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده؛ يكرر هذا ثلاث مرات، ويدعو بين ذلك رافعًا يديه، كما ثبت ذلك من حديث جابر رضي الله عنه[8]. وهذا الذكر والدعاء قلّ من يتمسك به مع ثبوته. ثم يسعى إلى المروة، ويفعل على المروة كذلك، ماعدا قراءة الآية فإنه لا يكررها، وإنما يقرؤها في مبدأ الشوط الأول، ويسـرع بين العلمين الأخضرين، ويدعو ويذكر الله بما شاء، أو يتلو القرآن، ومن الأدعية الثابتة في السعي عن ابن عمر وابن عباس رضي الله عنهما: «رب اغفر وارحم إنك أنت الأعز الأكرم».
وعلى الحاج أن يتذكر بشكل عام عظمة هذه المشاعر ولا يغفل عن الحكمة من هذه المناسك، ومنها:
* أن يستشعر حاجته إلى الله وفقره إليه كحاجة وفقر أم إسماعيل عليه السلام في ذلك الكرب العظيم.
* تذكر أن من كان يطيع الله كإبراهيم فإنه لا يضيعه ولا يخيب دعاءه، وهذه حكمة بالغة.
يقول: ﴿ الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ ۚ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ ۗ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ ۗ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَىٰ ۚ وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ ﴾ [البقرة:197].
الحمد لله رب العالمين أحمده تعالى وأشكره وأثني عليه الخير كله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
إخوة الإيمان: فإذا كان يوم التروية وهو اليوم الثامن من ذي الحجة، أحرم من لم يكن محرمًا بالحج، فإذا كان فجر التاسع تحرك الحجاج إلى عرفات و «الحج عرفة» كما قال ﷺ[9]، والوقوف بها يبدأ من زوال الشمس إلى الغروب.
وينبغي استشعار عظمة هذا اليوم واستثماره بالذكر والدعاء وتلاوة القرآن مع حضور القلب وخضوعه، فما رئي الشيطان أحقر ولا أذل منه في يوم عرفة، إلا ما جاء عنه في يوم بدر.
قال عليه الصلاة والسلام: «خير الدعاء دعاء عرفة، وخير ما قلت أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير»[10].
ويخطئ بعض الحجاج في عدم استثمار هذا اليوم وإضاعته بكثرة الأحاديث التي لا قيمة لها، ويخطئ آخرون بإضاعة وقتهم في صعود جبل الرحمة، فهو لا أصل له ولا فضيلة فيه على بقية عرفة، قال الشنقيطي: (وما قاله الطبري والماوردي في استحباب ذلك لا يعوّل عليه).
فإذا تحقق الغروب سار الحجاج إلى مزدلفة ملبين بسكينة ووقار، فإذا وصلوا مزدلفة صلوا بها المغرب والعشاء جمعا وقصرا، ثم يبيتون بها، حتى إذا أصبحوا صلوا الفجر في أول وقتها، ثم يستقبلون القبلة يذكرون الله تعالى ويدعونه حتى يسفر الصبح جدا، ثم يدفعون إلى منى قبل طلوع الشمس مُلبّين وعليهم السكينة، والمبيت بمزدلفة واجب لا ينبغي التساهل فيه، وقد أذن النبي ﷺ للضعفاء أو أصحاب الأعذار بالدفع منها بعد مغيب القمر. فإذا وصل الحجاج إلى منى رموا جمرة العقبة - وهي أقرب الجمرات إلى مكة - بسبع حصيات، ولا يرمون غيرها في هذا اليوم.
أما اليوم الحادي عشر والثاني عشر والثالث عشر لمن تأخر فيرمي الجمرات الثلاث مبتدئًا بالصغرى، ثم الوسطى، ثم جمرة العقبة، وهنا عدة أمور يحسن التنبيه عليها في الرمي:
- أن الرمي كغيره من أعمال الحج لإقامة ذكر الله - كما ورد في الحديث - وهنا حكمة خاصة، ألا وهي تذكر موقف إبراهيم عليه السلام حين أتى المناسك فاعترض له الشيطان في جمرة العقبة، فرماه بسبع حصيات حتى ساخ في الارض، ثم عرض له عند الجمرة الثانية فرماه بسبع حصيات حتى ساخ في الارض، ثم عرض له في الجمرة الثالثة، قال ابن عباس رضي الله عنهما: «الشيطانَ ترجمون، وملةَ أبيكم تتبعون». ومن السنة بعد رمي الجمرة الأولى والثانية التوقف بعدهما للدعاء، فتلك من السنن المهملة عند بعض الحجاج، أما جمرة العقبة فلا دعاء عندها لا يوم للنحر ولا في أيام التشريق.
ويجوز تأخير الرمي في اليوم الحادي عشر إلى اليوم الثاني عشر أو الثالث عشـر، لأن أيام التشريق كلها وقت للرمي، فيرمي عن الحادي عشر ثم يرجع ويبدأ الرمي عن اليوم الثاني عشر، وهذا أولى من التوكيل.
كما يجوز الرمى ليلًا، قال النووي: (الرمي في الليل فيه وجهان، أصحُّهما الجواز).
وبعد رمي جمرة العقبة ينحر المتمتع والقارن هديه في الحرم، وكل أيام التشريق وقت للهدي.
وينتبه للسنن المشروعة في الهدي، ويأكل ويهدي ويتصدق منها ثم يحلق رأسه أو يقصـر، والحلق أفضل، فإذا أتم الحجاج رمي الجمار في اليوم الثاني عشر لمن تعجل، وفي الثالث عشـر لمن تأخر، وعلى من أراد التعجل أن يخرج قبل غروب الشمس. ثم يغدوا إلى البيت ليطوفوا طواف الوداع لمن طاف للحج وسعى، ومن أخر طواف الإفاضة - وهو طواف الحج - فطافه عند الخروج أجزأ عن الوداع، لكن ينويه أيضًا للحج لأنه ركن، وطواف الوداع يدخل ضمنه.
وعلى الحاج أن يسال الله ويبتهل إليه دائما بالدعاء وطلب القبول، ومغفرة الذنوب، فتلك مواطن تستجاب فيها الدعوات، وتسكب فيها العبرات، ويكفر الله بها السيئات.
وعلى الحاج كذلك أن يتعرف على إخوانه المسلمين، ويعاون المحتاج منهم، ويطعم الجائع، ويسقي الظمآن، وينصح ويعلم الجاهل، فالحج فرصة لتعارف المسلمين، وتآلفهم، وتعاونهم على البر والتقوى.
أيها المسلمون: من قدر على الحج فينبغي أن يسارع إليه ولا يحرم نفسه المبادرة إليه، فإن خير البر عاجله، ولا يدري الإنسان ما يعرض له من الشواغل والقواطع والموانع.
ثم اعلموا رحمكم الله أنه ستظلكم عما قريب أيام فاضلة عند الله، ألا وهي عشـر ذي الحجة، أقسم الله بها في كتابه فقال: ﴿ وَالْفَجْرِ ﴿١﴾ وَلَيَالٍ عَشْرٍ ﴾ [الفجر:1-2]. وأخبر ﷺ عن فضلها بقوله: «ما من أيام العمل الصالح فيهن أحب إلى الله منه في هذه الأيام العشر، قالوا: ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: ولا الجهاد في سبيل الله إلا رجل خرج بنفسه وماله، ولم يرجع من ذلك بشيء»[11]. فاغتنموا هذه الأيام بأنواع الطاعات، ولا تكن الأيام عندكم سواء، واسألوا الله التوبة والمغفرة والقبول، وألحوا على الله بإصلاح أحوال المسلمين، ونصـرة هذا الدين، فان الله سميع مجيب.
واعلموا - رحمكم الله - أنه يجب على من أراد أن يضحى أن يمسك عن الأخذ من شعره وظفره وبشرته، كما أخبر النبي ﷺ.
اللهم هيء للمسلمين من أمرهم رشدًا، وتقبل منهم عباداتهم إنك سميع الدعاء.