حجم الخط:

الحياء من الله

الخطبة الأولى:

الحمد لله الكريم الرزاق، الذي جعل الحياء من أعظم الأخلاق، أحمده سبحانه حمدا يليق بجلال وجهه وعظيم سلطانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له أهل الثناء والمحامد والأمجاد، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدا عبد الله ورسوله، أشرف الخلق وخير العباد، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أهل الحياء والرشاد، وعلى من تبعهم بإحسان إلى يوم التناد.

أَمَّا بَعْدُ:

عِبَادَ اللهِ: اتَّقُوا اللهَ تَعَالَى حَقَّ تَقْوَاهُ، وَرَاقِبُوهُ سُبْحَانَهُ مُرَاقَبَةَ مَنْ يَعْلَمُ أَنَّ رَبَّهُ يَسْمَعُهُ وَيَرَاهُ، فإنه مَنِ اتَّقَى اللهَ وَقَاهُ، وَأَرْشَدَهُ إِلَى خَيْرِ أُمُورِ دِينِهِ وَدُنْيَاهُ.

أَيُّهَا الْـمُؤْمِنُونَ: إِنَّ مِنْ أَعْظَمِ خِلَالِ الدِّينِ وَمِنْ أَعْظَمِ أَوْصَافِ عِبَادِ اللهِ الْـمُؤْمِنِينَ وَمِنْ أَجَلِّ شُعَبِ الْإِيمَانِ: الْـحَيَاء، وَهُوَ خَصْلَةٌ عَظِيمَةٌ، وَخَلَّةٌ كَرِيمَة، تَبْعَثُ عَلَى التَّحَلِّي بِالْفَضَائِلِ وَالتَّخَلِّي من الرَّذَائِلِ.

وَالْـحَيَاءُ مَعْدنُ الْأَخْلَاقِ الْفَاضِلَةِ، وَمَنْبَعُ الْـمُعَامَلَاتِ الْكَرِيمَةِ، وَهُوَ خَيْرٌ كُلُّهُ؛ كَمَا أَخْبَرَ بِذَلِكَ النَّبِيُّ ، وَالحياء لَا يَأْتِي إِلَّا بِخَيْرِ، ولا ينتج إلا عن إيمان.

ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ عِمْرَانَ بن حُصَيْن رضي الله عنه أَنَّ النَّبِيَّ قَالَ: «الْـحَيَاءُ لَا يَأْتِي إِلَّا بِخَيْرٍ»[1]، وفِي الصَّحِيحَيْنِ أيضًا مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما قَالَ: «مَرَّ رَسُولَ اللهِ عَلَى رَجُلٍ مِنْ الْأَنْصَارِ وَهُوَ يَعِظُ أَخَاهُ فِي الْـحَيَاءِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ : دَعْهُ؛ فَإِنَّ الْـحَيَاءَ مِنْ الْإِيمَانِ»[2]، وَثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّ النَّبِيَّ قَالَ: «الْإِيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ شُعْبَةً، أَعْلَاهَا قَوْلُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَدْنَاهَا إِمَاطَةُ الْأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ، وَالْـحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنْ شُعَبِ الْإِيمَانِ»[3].

وَالْـحَيَاءُ -أَيُّهَا الْـمُؤْمِنُونَ- مُشْتَقٌّ فِي أَصْلِهِ مِنَ الْـحَيَاةِ؛ فَكُلَّمَا عَظُمَتِ الْـحَيَاةُ فِي الْقَلْبِ عَظُمَ الْـحَيَاءُ، وَكُلَّمَا ضَعُفَتِ الْـحَيَاةُ فِي الْقَلْبِ وَالرُّوحِ ضَعُفَ الْـحَيَاءُ، قَالَ عُمَرُ بن الْـخَطَّابِ رضي الله عنه: «مَنْ قَلَّ حَيَاؤُهُ قَلَّ وَرَعُهُ، وَمَنْ قَلَّ وَرَعُهُ مَاتَ قَلْبُهُ».

عِبَادَ اللهِ: الْـحَيَاءُ مِنْ أَفْضَلِ الْـخِصَالِ، وَأَكْمَلِ الْـخِلَالِ، وَأَعْظَمِهَا فائدةً، وَأَكْبَرِهَا عَائِدَةً، وَكُلَّمَّا كَانَ الْعَبْدُ مُتَحَلِّيًّا بِالْـحَيَاءِ كَانَ ذَلِكَ دَافِعًا لَهُ إلى البر، وَسَائِقًا إِلَى فِعْلِ الْـخَيْرَاتِ وَاجْتِنَابِ الْـمُنْكَرَاتِ، فَمَنْ كَانَ ذَا حَيَاءٍ حَجَزَهُ حَيَاؤُهُ عَنِ الرَّذَائِلِ، وَمَنَعَهُ مِنَ التَّقْصِيرِ فِي الْـحُقُوقِ وَالْوَاجِبَاتِ.

وَأَمَّا من قلَّ حياؤهُ فَهُوَ وَالْعِيَاذُ بِاللهِ لَا يُبَالِي أَيَّ رَذِيلَةٍ اَرْتَكَبَ وَأَيَّ كَبِيرَةً اقْتَرَفَ وَأَيَّ مَعْصِيَةٍ اجْتَرَحَ؛ عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الْبَدْرِيِّ رضي الله عنه أَنَّ النَّبِيَّ قَالَ: «إِنَّ مِمَّا أَدْرَكَ النَّاسُ مِنْ كَلَامِ النُّبُوَّةِ الْأُولَى: إِذَا لَمْ تَسْتَحْي فَاصْنَعْ مَا شِئْتَ»[4].

مَنْزُوعُ الْـحَيَاءِ -عِبَادَ اللهِ- لَا يُبَالِي بأَعْمَالِهِ وأقواله، وَلَاَ يَتَوَقَّى فِيما يأتي ويذر من أُمُورِهِ؛ فَهُوَ لَا يَسْتَحِي مِنْ اللهِ، وَلَا يَسْتَحِي مِنْ عِبَادِ اللهِ، فَمِنَ النَّاسِ مَن بلغَ مِنْ قِلَّةِ حَيَائِهِ أنه لَا يُبَالِي بِارْتِكَابِ الْـمَعْصِيَةِ فِي أَيِّ مَكَانٍ، فيكون قدوة في الشر ومثلًا في السوء، وَمِنْهُمْ مَنْ يُشِيعُهَا وَيُشْهِرُ نَفْسَهُ بِهَا وَيَتَحَدَّثُ بِهَا عَنْ نَفْسِهِ وَكَأَنَّهُ يَتَحَدَّثُ عَنْ أَفْضَلِ الْـخِصَالِ وَأَطْيَبِ الْـخِلَالِ، والله تعالى يقول: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ۚ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ [النور:19].

وَإنَّ أفضلَ الْـحَيَاءِ وَأَوْجَبَهُ، وَأَجَلَّهُ قَدْرًا وأعظمَه أجرًا: الْـحَيَاءُ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ وَخَالِقِ الْـخَلْقِ أَجْمَعِينَ، الاستحياء مِمَّنْ أَوْجَدَكَ أَيُّهَا الْإِنْسَانُ، وَمَنَّ عَلَيْكَ بِصُنُوفِ النِّعَمِ وَأَلْوَانِ الْـمِنَنِ، الْـحَيَاءُ مِنَ اللهِ جل وعلا رَبِّ الْعَالَمِينَ. رَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي الزُّهْدِ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ: «أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِلنَّبِيِّ أَوْصِنِي. قَالَ: أُوصِيكَ أَنْ تَسْتَحِيَ مِنَ اللهِ كَمَا تَسْتَحِي رَجُلًا صَالِحًا مِنْ قَوْمِكَ»[5].

عِبَادَ اللهِ.. وَمما يُحَرِّكُ فِي الْقَلْبِ الْـحَيَاءَ مِنَ اللهِ: تَعْظِيمُ اللهِ جل وعلا ، وَحُبُّهُ سُبْحَانَهُ، وَالْعِلْمُ بِرُؤْيَتِهِ وَاطِّلَاعِهِ؛ فَهَذِهِ الثَّلَاثُ مُحَرِّكَاتٌ لِلْقُلُوبِ، باعثةٌ للحياء، فمَتَى كَانَ الْقَلْبُ مُعَظِّمًا لِرَبِّهِ غز وجل، مُحِبًّا لَهُ سُبْحَانَهُ، عَالِمًا بِاطِّلَاعِهِ مستحضرًا لرُؤْيَتِهِ مؤمنًا أَنَّهُ لَا تَخْفَى عَلَيْهِ خَافِيَةٌ، تَحَرَّكَ في القلبِ الحياء مِنَ اللهِ جل وعلا.

قال النووي: (قَالَ العلماءُ: حَقِيقَةُ الحَيَاءِ خُلُقٌ يَبْعَثُ عَلَى تَرْكِ القَبِيحِ، وَيَمْنَعُ مِنَ التَّقْصِيرِ في حَقِّ ذِي الحَقِّ، وَرَوَيْنَا عَنْ أَبي القاسم الْـجُنَيْدِ رحمه الله قَالَ: الحَيَاءُ: رُؤيَةُ الآلاءِ - أيْ النِّعَمِ - ورُؤْيَةُ التَّقْصِيرِ، فَيَتَوَلَّدُ بَيْنَهُمَا حَالَةٌ تُسَمَّى الحياء).

رَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ وَالتِّرْمِذِيُّ فِي جَامِعِهِ عَنْ عَبْدِ اللهِ بن مَسْعُودٍ رضي الله عنه أَنَّ النَّبِيَّ قَالَ: «اسْتَحْيُوا مِنَ اللهِ حَقَّ الْـحَيَاءِ. قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّا لَنَسْتَحْيِي وَلِلَّهِ الْـحَمْدُ. قَالَ: لَيْسَ ذَاكَ؛ وَلَكِنَّ الاسْتِحْيَاءَ مِنَ اللهِ: أَنْ تَحْفَظَ الرَّأْسَ وَمَا وَعَى، وَالْبَطْنَ وَمَا حَوَى، وَأَنْ تَذْكُرَ الْـمَوْتَ وَالْبِلَى، وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ تَرَكَ زِينَةَ الْـحَيَاةِ الدُّنْيَا؛ فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَقَدِ اسْتَحْيَا مِنَ اللهِ حَقَّ الْـحَيَاءِ»[6]؛ في الحديث أُمُورٌ أَرْبَعَةٌ فِيهَا جِمَاعُ الْـخَيْرِ وأصل الحياء:

الْأَوَّلُ وَالثَّانِي: حِفْظٌ لِلرَّأْسِ، وَحِفْظٌ لِلْبَطنِ؛ وَهُمَا أَثَرُ الْـحَيَاءِ حَقًّا وَنَتِيجَتُهُ وَثَمَرَتُهُ.

فَمَنْ كَانَ قَلْبُهُ مُفْعَمًا بِالْـحَيَاءِ مِنَ اللهِ جل وعلا بَعَثَهُ حَيَاؤُهُ وَسَاقَهُ إِلَى حِفْظِ رَأْسِهِ، وَحِفْظُ الرَّأْسِ -عِبَادَ اللهِ- يَشْمَلُ حِفْظَ الْبَصَرِ مِنَ النَّظَرِ إِلَى الْـحَرَامِ، وَحِفْظَ السَّمْعَ مِنْ سَمَاعِ الْـحَرَامِ، وَحِفْظَ اللِّسَانِ مِنَ الْكَلَامِ الْـحَرَامِ، وَحِفْظَ الْوَجْهِ عُمُومًا مِنْ مُقَارَفَةِ خَطِيئَةٍ أَوِ ارْتِكَابِ مَعْصِيَةٍ.

وَحِفْظُ الْبَطْنِ - عِبَادَ اللهِ - يَتَنَاوَلُ عَدَمَ إِدْخَالِ الحرام فِي الْـجَوْفِ، وَيَتَنَاوَلُ كَذَلِكَ حِفْظَ الْقَلْبِ بِالْأَخْلَاقِ الْفَاضِلَةِ وَتَجْنِيبَهُ رَدِيئَهَا وَسَيِّئَهَا، وَيَتَنَاوَلُ كَذَلِكَ حِفْظَ الْفَرْجِ مِنْ غِشْيانِ الْـحَرَامِ.

وَالْأَمْرَانِ الْآخَرَانِ فِي الْـحَدِيثِ وَهُمَا قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «وَأَنْ تَذْكُرَ الْـمَوْتَ وَالْبِلَى، وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ تَرَكَ زِينَةَ الْـحَيَاةِ الدُّنْيَا»؛ فِيهِمَا ذِكْرٌ لِأَمْرَيْنِ عَظِيمَيْنِ إِذَا اسْتَقَرَّا فِي الْقَلْبِ تَحَرَّكَتِ الْفَضَائِلُ فِيهِ؛ فَمَنْ تَذَكَّرَ أَنَّهُ سَيَمُوتُ وَيَبْلَى، وَأَنَّهُ سَيَقِفُ بَيْنَ يَدَيِ اللهِ جل وعلا ، وَأَنَّ اللهَ عز وجل سُيُحَاسِبُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى مَا قَدَّمَ فِي هَذِهِ الْـحَيَاةِ اسْتَحْيَا مِنَ اللهِ جل وعلا مِنْ أَنْ يَلْقَاهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِأَعْمَالٍ سَيِّئَةٍ وَخِصَالٍ مَشِينَةٍ، وَأَقْبَلَ عَلَى اللهِ عز وجل إِقْبَالًا صَادِقًا بِإِنَابَةٍ وَحُسْنِ عِبَادَةٍ وَتَمَامِ إِقْبَالٍ.

قال أبو حاتم البُستي: (إن المرء إذا اشتد حياؤه صان عرضه، ودفن مساويه، ونشـر محاسنه، ومن ذهب حياؤه ذهب سروره، ومن ذهب سروره هان على الناس ومُقت، ومن مُقت أوذي، ومن أوذي حزن، ومن حزن فقد عقله، ولا دواء لمن لا حياء له، ولا حياء لمن لا وفاء له، ولا وفاء لمن لا إخاء له، ومن قل حياؤه صنع ما شاء، وقال ما أَحَبّ).

وقال أيضًا: (فالواجب على العاقل لزوم الحياء؛ لأنه أصل العقل، وبذر الخير، وتركه أصل الجهل، وبذر الشر، وجوده يدل على العقل كما أن عدمه دال على الجهل)[7].

وَإِنِّي لَتَنْهَانِي خَلائِقُ أَرْبَعٌ

عَنِ الفُحْشِ فِيهَا لِلْكَرِيمِ رَوَادِعُ

حَيَاءٌ وَإِسْلامٌ وَشَيْبٌ وَعِفَّةٌ

وَمَا الْـمَرْءُ إِلا مَا حَبَتْهُ الطَّبَائِعُ

إن من أسماء الله: (الْـحَيِيَّ)، وَقَدْ ثَبَتَ هَذَا الاسْمُ في قوله مِنْ حَدِيثِ سَلْمَانَ رضي لله عنه: «إِنَّ اللهَ حَيِيٌّ كَرِيمٌ يَسْتَحْيِي مِنْ عَبْدِهِ إِذَا رَفَعَ إِلَيْهِ يَدَيْهِ أَنْ يَرُدَّهُمَا صِفْرًا»[8]، فَـ(الْـحَيِيُّ) اسْمٌ مِنْ أَسْمَائِهِ سبحانه، كما أنه صِفَةٌ مِنْ صِفَاتِهِ جل وعلا ، فمَنِ اسْتَحْيَا مِنَ اللهِ اسْتَحْيَا اللهُ مِنْهُ، كَمَا جَاءَ فِي الْـحَدِيثِ: «وَأَمَّا الثَّانِي، فَاسْتَحْيَا مِنَ اللهِ فَاسْتَحْيَا اللهُ مِنْهُ»[9] فِي قِصَّةِ النَّفَرِ الثَّلَاثَةِ.

قال يحيى بن معاذ رحمه الله: (من استحيا من الله مطيعًا استحيا الله منه وهو مذنب).

قال ابن القيم معلقًا على كلام يحيى بن معاذ: (وهذا الكلام يحتاج إلى شرح، ومعناه: أن من غلب عليه خلقُ الحياء من الله حتى في حال طاعته، فقلبه مُطرق بين يديه إطراق مُستحٍ خَجِلٍ، فإنه إذا واقع ذنبًا استحيا الله عز وجل من نظره إليه في تلك الحال؛ لكرامته عليه؛ فيستحيي أن يرى من وليه ومن يَكْرُم عليه ما يشينه عنده... وهذا غاية الكرم).

إلى أن قال: (أما حياء الرب من عبده فذاك نوع آخر، لا تدركه الأفهام، ولا تُكَيِّفُه العقول؛ فإنه حياء كرم، وبرٍّ، وجود، وجلال؛ فإنه تبارك وتعالى حييٌّ كريم، يستحيي من عبده إذا رفع إليه يديه أن يردهما صفرًا، ويستحيي أن يعذب ذا شيبة شابت في الإسلام)[10].

والحياء كذلك خلقٌ من أخلاق النبوة، فقد كان النبي عليه الصلاة والسلام أشد الناس حياءً، حتى إنه كما قال أبو سعيد الخدري: «كَانَ رسول الله أشَدَّ حَيَاءً مِنَ العَذْرَاءِ في خِدْرِهَا، فَإذَا رَأَى شَيْئًا يَكْرَهُهُ عَرَفْنَاهُ في وَجْهِه»[11].. وقال الله عنه في أمر دخول أصحابه بيته وجلوسهم بعد إطعامه إياهم: ﴿ إِنَّ ذَٰلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ ۖ وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ [الأحزاب:53]. فلم يكن عليه الصلاة والسلام صخَّابًا ولا فاحشًا ولا متفحشًا، ولا يجابه المخطئ بخطئه، أو يفضح عيبه ليحرجه، بل كان بسّامًا متواضعًا قليل الكلام كثير الحياء والإغضاء.

ولكن لا ينبغي الحياء من تعلُّم العلم، أو بيان الحق، فإن الله لا يستحيي من الحق، كما قال سبحانه: ﴿ وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ [الأحزاب:53]. وقال: ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا [البقرة:26]. وقد قالت عائشة رضي الله عنها: رحم الله نساء الأنصار لم يمنعهنَّ الحياء أن يسألن عن أمر دينهن. فإن العلم لا يناله مُستحي ولا متكبر، وإن بيان الحق وإقامة العدل لا ينبغي أن يُستحيا منه.

اللَّهُمَّ يَا ذَا الْـجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ يَا حَيُّ يَا قَيُّومُ يَا مَنَّانُ يَا جَوَادُ يَا كَرِيمُ يَا مُحْسِنُ ارْزُقْنَا أَجْمَعِينَ الْـحَيَاءَ مِنْكَ يَا حَيُّ يَا قَيُّومُ، اللَّهُمَّ ارْزُقْنَا الْـحَيَاءَ مِنْكَ يَا حَيُّ يَا قَيُّومُ، اللَّهُمَّ ارْزُقْنَا الْـحَيَاءَ مِنْكَ يَا حَيُّ يَا قَيُّومُ. اللَّهُمَّ وَأَصْلِحْ لَنَا شَأْنَنَا كُلَّهُ وَلَا تَكِلْنَا إِلَى أَنْفُسِنَا طَرْفَةَ عَيْنٍ.

أَقُولُ هَذَا الْقَوْلَ وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ لِي وَلَكُمْ وَلِسَائِرِ الْـمُسْلِمِينَ مِنْ كُلِّ ذَنْبٍ فَاسْتَغْفِرُوهُ يَغْفِرْ لَكُمْ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ.

الخطبة الثانية:

الْـحَمْدُ لِلَّهِ عَظِيمِ الْإِحْسَانِ، وَاسِعِ الْفَضْلِ وَالْـجُودِ وَالامْتِنَانِ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ؛ صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.

وبعد:

يقول ابن القيم: (من وافق الله في صفة من صفاته؛ قادته تلك الصفة إليه بزمامها، وأدخلته على ربه، وأدْنَتْهُ وقرَّبته من رحمته، وصيرته محبوبًا له؛ فإنه سبحانه رحيم يحب الرحماء، كريم يحب الكرماء، عليم يحب العلماء، قوي يحب المؤمن القوي، وهو أحب إليه من المؤمن الضعيف، حييٌ يحب أهل الحياء، جميلٌ يحب أهل الجمال، وِترٌ يحب أهل الوتر).

وَرُبَّ قَبِيحَةٍ مَا حَالَ بَيْنِي

وَبَيْنَ رُكُوبِهَا إِلا الْـحَيَاءُ

فَكَانَ هُوَ الدَّوَاءَ لَهَا وَلَكِنْ

إِذَا ذَهَبَ الْـحَيَاءُ فَلا دَوَاءُ

يَعِيشُ الْـمَرْءُ مَا اسْتَحْيَى بِخَيْرٍ

وَيَبْقَى الْعُودُ مَا بَقِيَ الْلَّحَاءُ

فَلا وَاللهِ مَا فِي الْعَيْشُ خَيْرٌ

وَلا الدُّنْيَا إِذَا ذَهَبَ الْـحَيَاءُ

إِذَا لَمْ تَخْشَ عَاقِبَةَ اللَّيَالِي

وَلَمْ تَسْتَحِي فَافْعَلْ مَا تَشَاءُ

كان الفاروق عمر يقول: من قلّ حياؤه قل ورعه، ومن قل ورعه مات قلبه. وقالت عائشة رضي الله عنها: رأس مكارم الأخلاق الحياءُ. وقال سلمان الفارسي رضي الله عنه: «إن الله إذا أراد بعبدٍ هلاكًا نزع منه الحياء». وقال ابن القيم: (الحياء أصل كل خير، وذهابه ذهاب الخير أجمعه).

وقال رحمه الله: (خُلق الحياء من أفضل الأخلاق وأجلّها وأعظمها قدرًا وأكثرها نفعًا، بل هو خاصة الإنسانية، فَمَن لا حياء فيه فليس معه من الإنسانية إلا اللحم والدم وصورتهما الظاهرة، كما أنه ليس معه من الخير شيء)[12].

ولقد جاء من أخبارهم ما يوضح شدة حيائهم من الله تعالى: فهذا أبو موسى رضي الله عنه يقول: إني لأغتسل في البيت المظلم، فأحني ظهري حياءً من ربي.

وعن عكرمة عن ابن عباس: أنه لم يكن يدخل الحمام إلا وحده وعليه ثوب صفيق، ويقول: «إني لأستحيي من الله أن يراني في الحمام متجرِّدًا». وعن الحسن قال: (كان موسى نبي الله لا يغتسل إلا مستترًا)، فقال له ابن بريدة: ممن سمعت هذا؟ قال: من أبي هريرة.

وقال أبو العباس الأزهري: سمعت خادمة محمد بن يحيى -وهو على السـرير يغسل- تقول: (خدمته ثلاثين سنة، وكنت أضع له الماء، فما رأيت ساقه قط، وأنا ملك له).

ودخل محمد بن إسماعيل البخاري على محمد بن سلام حين قدم من العراق، فأخبره بمحنة الناس، وما صنع أحمد بن حنبل وغيره من الأمور، وكان البخاري حييًّا، فلما خرج من عنده قال محمد بن سلام لمن حضـره: (أترون البكر أشد حياء من هذا؟!) لحسن أدبه وشدة حيائه رحمه الله.

قال الماوردي رحمه الله: (واعلم أن الحياء في الإنسان يكون من ثلاثة أوجه: أحدهما: حياؤه من الله تعالى ويكون بامتثال أوامره، والكفّ عن زواجره. والثاني: حياؤه من الناس ويكون بكفِّ الأذى، وترك المجاهرة بالقبيح. والثالث: حياؤه من نفسه، ويكون بالعفة، وصيانة الخلوات). وقد قيل: ذو المروءة يستحي من نفسه كما يستحي من غيره، فلا يفعل في الخلوة ما يستحي منه في العلانية.

فأين من لا يستحي من الله أن يقول الفاحش من الكلام؟ أين من إذا خلوا بمحارم الله انتهكوها؟ أين من لا يستحي من والديه ولا يخفض لهما جناح الذل من الرحمة؟ أين من لا تستحي من قول الله: ﴿ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَىٰ [الأحزاب:33]؟ أين من يخضعن بالقول لفتنة الآخرين وقد قال الله: ﴿ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ [الأحزاب:32]؟ أين من لا يستحون من قول الله: ﴿ يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ [غافر:19] فيطلعون على العورات ويسعون لهتك الحرمات؟ أين من لا يستحي من خروج بناته ونسائه بلباس غير محتشم؟ بل أين من يسعون لسلخ أبناء الجيل من الحياء، بإعلامهم وقنواتهم وطربهم ومسلسلاتهم؟ الله الله في تعظيم الله والحياء منه، وعدم تعدي حدوده وانتهاك حرماته، استحيوا من الله حق الحياء..

أَيُّهَا الْـمُؤْمِنُونَ: إن اللهَ جل وعلا حَيِيٌّ يُحِبُّ الْـحَيَاءَ والستر، وَالْوَاجِبُ عَلَى العَبْدِ الْـمُؤْمِنِ أَنْ يَسْتَحْيِيَ مِنْ رَبِّهِ جل وعلا عَلَى قَدْرِ قُرْبِهِ مِنْهُ وَعِلْمِهِ بِهِ، وَاستشعاره لاطِّلَاعِهِ عَلَيْهِ سُبْحَانَهُ، مُعَظِّمًا لِجَنَابِ الرَّبِّ سُبْحَانَهُ، مُقَدِّمًا مَحَابَّهُ عَلَى كُلِّ المحبوبات والمرغوبات، وَالْكَيِّسُ مِنْ عِبَادِ اللهِ مَنْ دَانَ نَفْسَه وَعَمِلَ لِمَا بَعْدَ الْـمَوْتِ، وَالْعَاجِزُ مَنْ أَتْبَعَ نَفْسَهُ هَوَاهَا، وَتَمَنَّى عَلَى اللهِ الْأَمَانِيَّ.

إذا ما قال لي ربي

أما استحييتَ تعصيني

وتخفي الذنب من

خلقي وبالعصيان تأتيني

فما قولي له لمّا

يعاتبني ويُقصيني

ألا وصلوا وسلموا على النبي الخاتم، وَاعْلَمُوا أَنَّ أَصْدَقَ الْـحَدِيثِ كَلَامُ اللهِ، وَخَيْرَ الْهُدَى هُدَى رَسُولِ اللهِ وَشَرَّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ، وَعَلَيْكُمْ بِالْـجَمَاعَةِ فَإِنَّ يَدَ اللهِ عَلَى الْـجَمَاعَةِ.

اللَّهُمَّ أَعِنَّا وَلَا تُعِنْ عَلَيْنَا، وَانْصُرْنَا وَلَا تَنْصُرْ عَلَيْنَا، وَامْكُرْ لَنَا وَلَا تَمْكُرْ عَلَيْنَا، وَاهْدِنَا وَيَسِّرِ الْهُدَى لَنَا، وَانْصُرْنَا عَلَى مَنْ بَغَى عَلَيْنَا.

صاحب هذه الخطبة

الشيخ /عبد الرزاق بن عبد المحسن العبّاد البدر

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة