حجم الخط:

الرفق والتيسير في التعامل

الخطبة الأولى:

الحمد لله بارئ البريات، وعالم الخفيات، المطلع على الضمائر والنيات، أحمده سبحانه وأشكره وسع كل شيء رحمة وعلما، وقهر كل مخلوق عزةً وحُكما، ﴿ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا [طه:110]، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادةً أرجو بها الفوز بالجنات، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدًا عبد الله ورسوله المؤيد بالمعجزات، المسدد بالبراهين الواضحات، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله السادات، وأصحابه ذوي الفضل والمكرمات، والتابعين ومن تبعهم بإحسان ما دامت الأرض والسموات، وسلم عليهم كثير التسليمات، أما بعد:

فيا عباد الله اتقوا الله كما أمركم في محكم كتابه: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102].

أيها المؤمنون: إن حُسن الخلق من كمال الإيمان، وإن الله قد بعث نبيه محمدا رحمة وهدى، وسع خلقه الناس سهولة ورفقا، ونضحت يداه بالعطايا كرما وجودا، أبر الناس قلبا، وأصدقهم لهجة، وأقربهم رحما. وإن من أخص خصائصه وأكرم سجاياه عليه الصلاة والسلام: رفقه ولينه مع الناس، وليس ذلك في حال الرخاء والرضى فحسب، بل لازمته تلك الفضائل الزاكية والأخلاق العالية في أشد الأوقات وأحلك الظروف، شُج رأسه وكسرت رباعيته في غزوة أحد، فقيل له في هذا الحال العصيب: ألا تدعوا على المشركين؟ فما هو إلا أن تدفق رفقه، وظهرت رحمته، وفاضت طبيعته العالية، وسجيته الكريمة، بما يلتمس فيه العذر لهؤلاء، فكان مما قال: «إنما بعثت رحمة ولم أبعث لعانا»[1] وصدق الله العظيم: ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ [الأنبياء:107].

قال ابن القيم: (من رَفَقَ بعبادِ الله رَفَقَ الله به، ومن رحمهم رحمه، ومن أحسن إليهم أحسن إليه، ومن جاد عليهم جاد الله عليه، ومن نفعهم نفعه، ومن سترهم ستره، ومن منعهم خيره منعه خيره، ومن عامل خلقه بصفةٍ عامله الله بتلك الصِّفة بعينها في الدنيا والآخرة، فالله تعالى لعبده حسب ما يكون العبد لخلقه)[2]. وقال ابن حجر: (لا يتعمق أحد في الأعمال الدينية ويترك الرفق إلا عجز وانقطع فيغلب)[3].

قال تعالى لنبيه : ﴿ وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ [الشعراء:215]. وقال سبحانه: ﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ ۖ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ۖ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ ۖ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ [آل عمران:159]. والرفق ضد العنف، قال ابن حجر: (هو لين الجانب بالقول والفعل والأخذ بالأسهل وهو ضد العنف)[4]. وقال القاري: (هو المداراة مع الرفقاء ولين الجانب واللطف في أخذ الأمر بأحسن الوجوه وأيسرها)[5].

خذ الأمور برفقٍ واتّئد أبدًا

إياك من عجلٍ يدعو إلى نصبِ

الرفق أحسن ما تُؤتى الأمور به

يصيب ذو الرفق أو ينجو من العطبِ

أيها المسلمون: إنها القلوب الكبيرة قلما تستجيشها دوافع القسوة عن التعقل والحلم، إنها إلى العفو والصفح أقرب منها إلى الانتقام والبطش.

ها هو نوح عليه السلام يقول في مجادلته لقومه: ﴿ قَالَ يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلَالَةٌ وَلَٰكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴿٦١﴾ أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَأَنْصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ ﴿٦٢﴾ أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلَىٰ رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ وَلِتَتَّقُوا وَلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ [الأعراف:61-63]. إنه جواب ملؤه الرحمة والشفقة، والصدق في النصح، واللطف في الخطاب. وكذا خطابه مع ابنه الذي لم يؤمن به، فناداه حين نزل العذاب: ﴿ يَا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنَا وَلَا تَكُنْ مَعَ الْكَافِرِينَ [هود:42]، إنه خطاب الأب الحاني، والناصح المشفق.

وأما رفق الولد مع أبيه فها هنا مثال رائع يعلو على كل مثال، ويتجلى في موقف إبراهيم الخليل مع أبيه آزر، يقول الشنقيطي عند تفسير قوله تعالى: ﴿ قَالَ أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْرَاهِيمُ ۖ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ ۖ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا ﴿٤٦﴾ قَالَ سَلَامٌ عَلَيْكَ ۖ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي ۖ إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا ﴿٤٧﴾ [مريم:46-47]. قال: (بين الله جل وعلا في هاتين الآيتين الكريمتين أن إبراهيم لما نصح أباه النصيحة المذكورة مع ما فيها من الرفق واللين وإيضاح الحق والتحذير من عبادة ما لا يسمع ولا يبصر ومن عذاب الله تعالى وولاية الشيطان خاطبه هذا الخطاب العنيف وسماه باسمه ولم يقل له يا بني في مقابلة قوله له يا أبت وأنكر عليه أنه راغب عن عبادة الأوثان أي معرض عنها لا يريدها لأنه لا يعبد إلا الله وحده جل وعلا وهدده جل وعلا وهدده بأنه إن لم ينته عما يقوله له ليرجمنه.. ثم أمره بهجره مليًّا أي زمانا طويلا، ثم بيّن أن إبراهيم قابل أيضا جوابه العنيف بغاية الرفق واللين في قوله: ﴿ سَلَامٌ عَلَيْكَ ۖ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي ۖ [مريم:47])[6].

أيها الإخوة في الله: إن الرجل العظيم كلما ارتفع إلى آفاق الكمال؛ اتسع صدره، وامتد حلمه، وتطلب للناس الأعذار، والتمس لأغلاطهم المسوغات، وأخذهم بالأرفق من حالهم.

أخرج البخاري في صحيحه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: بال أعرابي في المسجد فقام إليه الناس ليقعوا به، فقال لهم رسول الله : «دعوه، لا تزرموه، وأهريقوا على بوله ذَنوبا من ماء -أي دلوًا من ماء- فإنما بُعثتم ميسّـرين ولم تبعثوا معسـرين، وسكنوا ولا تنفروا»[7] زاد الترمذي: ثم قال الأعرابي: اللهم ارحمني ومحمدا، ولا ترحم معنا أحدا، فقال له النبي : «لقد تحجّرت واسعًا»[8].

أولئك هم رسل الله عليهم الصلاة والسلام عنوان الرحمة والشفقة والقدوة في الصفح والمغفرة.

ومن أحسن ما وصف به الله تعالى أنبياءه ورسله قوله جل في علاه عن نبينا وحبيبنا محمد لما قال سبحانه وتعالى: ﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ [آل عمران:159]، يعني رحمك الله تعالى، وأحسن إليك، وتفضل عليك بأن أصبحت لينًا رفيقًا في تعاملك مع الناس ﴿ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ [آل عمران:159].

أيها الناس: الرفق زين، والقسوة شَين، يقول : «إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه، ولا ينزع من شيء إلا شانه»[9]. ولا يظن البعض أنه سينال بالقسوة والشدة ما لا يناله بالرفق والتؤدة والحكمة، فالعكس هو الصحيح، وإن الله يعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف، فعن أبي الدرداء رضي الله عنه عن النبي قال: «من أعطي حظه من الرفق فقد أعطي حظه من الخير، ومن حرم حظه من الرفق حرم حظه من الخير»[10].

ويقول : «من يحرم الرفق يحرم الخير»[11]. قال ابن عثيمين رحمه الله: (يعني أن الإنسان إذا حُرم الرفق في الأمور فيما يتصرف فيه لنفسه، وفيما يتصرف فيه مع غيره، فإنه يحرم الخير كله أي فيما تصرف فيه، فإذا تصرف الإنسان بالعنف والشدة فإنه يحرم الخير فيما فعل وهذا شيء مجرب ومشاهد أن الإنسان إذا صار يتعامل بالعنف والشدة؛ فإنه يحرم الخير ولا ينال الخير، وإذا كان يتعامل بالرفق والحلم والأناة وسعة الصدر؛ حصل على خيرٍ كثير، وعلى هذا فينبغي للإنسان الذي يريد الخير أن يكون دائمًا رفيقًا حتى ينال الخير)[12].

وعلى من ولي من أمر الناس شيئًا صغيرًا كان أو كبيرًا، حتى الأب في بيته، والمعلم في مدرسته، والمدير في إدارته، أن يتقي الله فيمن هم تحت يده، وأن يستعمل الرفق واللين، والرأفة والرحمة، والحكمة والأناة، لينال دعوة النبي له لا عليه، فقد قال : «اللهم من ولي من أمر أمتي شيئا فشق عليهم فاشقق عليه، ومن ولي من أمر أمتي شيئا فرفق بهم فارفق به»[13]. ولكن لا يظن البعض أن ذلك يعني المحاباة في الحكم، والمداهنة أو التنازل على حساب الحق، واتباع أهواء الآخرين، ليس الأمر كذلك، بل أن يسير برعيته وفق ما تقتضيه المصلحة الراجحة والمنفعة المتحققة، ولكن بسلوك أقرب السُبل، وأرفق الطرق، وأيسـر الوسائل، بشيء من الحكمة والتدرج، دون أن يشق عليهم في شيء ليس من مرضاة الله، ولا يلجأ إلى الشدة إلا حيث تُلجئه الحاجة، مع تقدير الضرورة بقدرها، ووضع الأمور في نصابها بميزان العدل والصدق، مع استحضار حجته عند الله تعالى يوم يقف بين يديه، فيكون الرفق أصل غالب، والشدة استثناء طارئ، فمن شقّ على من هم تحت يده في غير وجه حق، دخل في الطرف الثاني من الحديث، وهو دعاء النبي بأن يشق الله عليه، وذلك يشمل دنياه وآخرته، نسأل الله العافية.

أيها المؤمنون: إن القسوة في القلوب، والغلظ في الأخلاق تكون في الإنسان دليلا على قلة التوفيق، وسوء التدبير، كما أنها في تاريخ الأمم قد تكون علائم فساد خطير، فلا عجب أن قد حذر منها القرآن الكريم واعتبرها علة الفسق عن أمر الله، وسر الشرود عن صراطه المستقيم يقول سبحانه: ﴿ أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ ۖ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ [الحديد:16]. أما إذا زاد الإيمان في القلب وعمرت النفس بذكر الله، ازدادت السماحة وازداد الحلم، واتسع الصدر للناس، فلا يقابل الجاهل بمثل جهله ولكنه قول سلام وإعراض عن اللغو: ﴿ لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ [القصص:55].

نفعني الله وإياكم بهدي كتابه وبسنة نبيه محمد . أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب وخطيئة. فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية:

الحمد لله جعل لكل شيء قدرا، وأحاط بكل شيء خُبرا، وأسبل على خلقه بلطفه رحمة وسترا، وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه، والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

أما بعد:

أيها الناس: إن مما ينبغي التنويه إليه والتنبيه عليه: استعمال الرفق مع النفس، في تهذيبها وتأديبها، وتقويمها في سيرها إلى الله تعالى، فإن النفوس تحتاج إلى ترويض، وتدرج لتترقى في مراقي الكمال، سواء في العبادات، الأخلاق والمعاملات، أو حتى في تعلّم العلوم، فإن من رام أخذ العلم جملة، ذهب عنه جملة، فإنما يؤخذ الشيء بعد الشيء مع الليالي والأيام، حتى تعتاد النفس وتتقوى شيئًا فشيئًا، وقليل دائم خير من كثير منقطع، فإن المُنبَتّ لا أرضًا قطَع، ولا ظهرًا أبقى. فلا ينبغي الغلو في شيء من الطاعات والعبادات، أو الاستعجال، مما يورث السأم ويسبب الملل والكلل.

قال الحافظ ابن حجر: (لا يتعمق أحد في الأعمال الدينية ويترك الرفق إلا عجز وانقطع فيُغلب)[14]. وقال ابن القيم: (نهى النبي عن التشديد في الدين بالزيادة على المشـروع، وأخبر أن تشديد العبد، على نفسه هو السبب لتشديد الله عليه إما بالقدر وإما بالشـرع. فالتشديد بالشرع: كما يشدد على نفسه بالنذر الثقيل، فيلزمه الوفاء به، وبالقدر كفعل أهل الوسواس. فإنهم شددوا على أنفسهم فشدد عليهم القدر، حتى استحكم ذلك وصار صفة لازمة لهم)[15].

وقال أَبُو حاتم: (العاقل يلزم الرفق في الأوقات والاعتدال في الحالات؛ لأن الزيادة على المقدار في المبتغى عيب، كما أن النقصان فيما يجب من المطلب عجز، وما لم يصلحه الرفق لم يصلحه العنف، ولا دليل أمهر من رفق، كما لا ظهير أوثق من العقل، ومن الرفق يكون الاحتراز وفي الاحتراز ترجى السلامة، وفي ترك الرفق يكون الخرَق، وفي لزوم الخرق تُخاف الهلكة)[16].

أيها المؤمنون: وإن من عامل الناس بالرفق عامله الله بمثل ما يعامل به غيره، والجزاء من جنس العمل، يقول ابن القيم رحمه الله: (من رَفَقَ بعبادِ الله رَفَقَ الله به، ومن رحمهم رحمه، ومن أحسن إليهم أحسن إليه، ومن جاد عليهم جاد الله عليه، ومن نفعهم نفعه، ومن سترهم ستره، ومن منعهم خيره منعه خيره، ومن عامل خلقه بصفةٍ عامله الله بتلك الصِّفة بعينها في الدنيا والآخرة، فالله تعالى لعبده حسب ما يكون العبد لخلقه)[17].

ومن أولى من ينبغي له التخلق بالرفق الدعاة والمربون، والآباء والمعلمون، قال عبد الرحمن الميداني: (وأولى الناس بالتخلق بخلق الرفق الدعاة إلى الله والمعلمون، فالدعوة إلى الله لا تؤثر ما لم تقترن بخلق الرفق في دعوة الخلق إلى الحق، وتعليم الناس لا يؤتي ثمراته الطيبات ما لم يقترن بخلق الرفق الذي يملك القلوب بالمحبة)[18]. ولنتأمل: فإنه ليس بعد طغيان فرعون من طغيان وقد قال الله لموسى وهارون : ﴿ اذْهَبَا إِلَىٰ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَىٰ ﴿٤٣﴾ فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَىٰ [طه:43-44]. إن حقا على المسلمين أن يستصحبوا الرفق واللين في الأمر كله من غير مداهنة ولا مجاملة، ومن غير غمط ولا ظلم.

وعلى أصحاب المسئوليات أن يرفقوا بمن تحت أيديهم، لا يأخذون إلا بحق، ولا يدفعون إلا بالحسنى، ولا يأمرون إلا بما يستطاع: ﴿ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا ۚ سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا [الطلاق:7].

كما أن على الأب الشفيق والأم الرؤوم، وإن على الأزواج أن يرفقوا بزوجاتهم، فإنما هُن عُوانٍ -أي: أسيرات- عندهم، لذا أوصى بهن النبي خيرًا، وقال: «خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي»، وفي لفظ: «أكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم خلقا، وخياركم خياركم لنسائهم»[19]. فأولى الناس برفقك وخيرك هم أهل بيتك.

لذلك حرص النبي على الرفق، وكان يربي عليه أصحابه، كان يربي عليه أهله، كان يتمثله في نفسه ، فكان يقول -كما في الصحيح-: «إذا أراد الله بأهل بيت خيرًا» إذا أراد الله ببيتك أنت، بزوجتك وأبنائك، أو بأمك وأبيك وأخواتك وأخوالك، إذا أراد الله بأهل بيت خيرًا، ماذا يفعل بهم؟ أكثر أموالهم؟ أم زرع بينهم الخير والصلاح؟ قال : «إذا أراد الله بأهل بيت خيرا أدخل عليهم الرفق، وإذا أراد بأهل بيت شرا نزع منهم الرفق»[20].

وقال في الحديث الصحيح: «إن الله حرم على النار كل هيِّنٍ ليِّنٍ سهْلٍ قَريبٍ من الناس»[21]، لم يقل حرم على النار كل عابد قوّام لليل، صوام للنهار، مع فضل العبادة وارتفاع شأنها ونفعها العظيم عند رب العالمين؛ لكنه بيَّن أثر العبادة في الناس. ما كان الرفق في شيء إلا زانه، ولا نزع من شيء إلا شانه، وإن الله يعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف، بذلك صحت الأخبار عن الصادق المصدوق .

أمة الرحمة والهدى: إن العقل والحكمة والمعرفة بطبائع الأمور تقتضي تقبل الميسور من أخلاق الناس، والرضا بالظاهر من أحوالهم، وعدم التقصي على سرائرهم، أو تتبع دخائلهم، كما تقتضي قبول أعذارهم، والغض عن هفواتهم، وحملهم على السلامة وحسن النية. إذا وقعت هفوة أو حصلت زلة فليس من الأدب وليس من الخلق الحسن المسارعة إلى هتكها والتعجل في كشفها فضلا عن التحدث بها وإفشائها. بل لقد قيل: اجتهدوا في ستر العصاة فإن ظهور معاصيهم عيب في أهل الاسلام.

كيف يسوغ لمسلم أن يتشاغل بالبحث عن العيوب ورجم الناس بها؟ بل لعله قد يخفي ما يعلم من صالح القول والعمل. هل وظيفة المسلم أن يلوك أخطاء الناس ويتتبع عثراتهم، ويعمى أن يرى حسناتهم، وكأنه لا يعرف و لا يرى إلا كفة السيئات؟ أليس في عيوبه ما يشغله عن عيوب الناس؟!.

أيها المؤمنون: إن المسلم الناصح شفوق بإخوانه، رفيق بهم، يحب لهم الخير كما يحبه لنفسه، ويجتهد لهم في النصح كما يجتهد لنفسه. أما الفظ القاسي صاحب القلب الغليظ.. فقد قضت سنة الله.. نفرة الناس منه، فلا تقبل منه دعوة، ولا يسمع منه توجيه، ولا يرتاح له جليس ﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ ۖ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ۖ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ [آل عمران:159].

وعلى قدر ما يمسك الإنسان نفسه، ويكظم غيظه، ويملك لسانه تعظم منزلته عند الله وعند الناس.

وعلى قدر ما يتجاوز عن الهفوات، ويقيل من العثرات.. تدوم مودته ويأنس الناس به. إنكم لن تسعوا الناس بأموالكم ولكن تسعوهم بأخلاقكم. يسعهم منكم بسط المحيا وطلاقة الوجه.

إن المخلص في المودة الصادق في المحبة لا يري لنفسه فضلا على غيره، ولا يكون عونا للشيطان على صاحبه. روي أن أبا الدرداء رضي الله عنه مر على رجل قد أصاب ذنبا والناس يسبونه فقال: «أرأيتم لو وجدتموه في قليب -أي في بئر- ألم تكونوا مستخرجيه؟ قالوا: بلى. قال: فلا تسبوا أخاكم، واحمدوا الله الذي عافاكم».

فاتقوا الله رحمكم الله وأجلوا أقرانكم، واحترموا زملاءكم وارحموا إخوانكم. واعرفوا لأهل الفضل فضلهم، وغضوا عن المقصرين، والقلوب مجبولة على حب من أحسن إليها وتودد إليها. فاعفوا واصفحوا ألا تحبون أن يغفر الله لكم.

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿ وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ۚ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ ﴿٣٤﴾ وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ ﴿٣٥﴾ وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ ۖ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ [فصلت:34-36].

فاتقوا الله ربكم وخذوا بأحسن الأخلاق، وتواصوا بالصبر وتواصوا بالمرحمة.

Adobe Systemsهذا وصلوا وسلموا...

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة