إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبدُه ورسولُه، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلّم تسليمًا كثيرًا.
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ﴾ [آل عمران:102].
﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا ﴾ [النساء:1].
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا ﴿٧٠﴾ يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا ﴾ [الأحزاب:70-71].
أما بعد:
| لبس الشتاء من الجليد جلودا |
| فالبس فقد بَرَد الزمان بُرودا |
| كم مؤمن قرصته أظفار الشتا |
| فغدا لسكان الجحيم حسودا |
| وترى طيور الماء في وكناتها |
| تختار حر النار والسّفّودا |
| وإذا رميت بفضل كأسك في الهوا |
| عادت عليك من العقيق عقودا |
| يا صاحب العودين لا تهملهما |
| حرك لنا عودًا وحرّق عودا |
إن الله تعالى هو الذي خلق السماء والأرض، وهو الذي أوجد اليابس والماء، وهو الذي يكور الليل على النهار ومكور النهار على الليل.
وهو الذي يأتي بالصيف الحار، وبالشتاء البارد، لا إله إلا هو العزيز الحكيم.
ولنا مع قدوم قليل من البرد هذه الأيام بعض تأملات، وذكر بعض الأحكام:
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «اشْتَكَتْ النَّارُ إِلَى رَبِّهَا فَقَالَتْ: يَا رَبِّ أَكَلَ بَعْضِي بَعْضًا فَأَذِنَ لَهَا بِنَفَسَيْنِ نَفَسٍ فِي الشِّتَاءِ وَنَفَسٍ فِي الصَّيْفِ، فَهُوَ أَشَدُّ مَا تَجِدُونَ مِنْ الْـحَرِّ وَأَشَدُّ مَا تَجِدُونَ مِنْ الزَّمْهَرِيرِ»[1]. وهذا من أمور الغيب الذي يؤمن به المسلم. قال ابن عبد البر رحمه الله: (هذه الشكوى بلسان المقال).
وقال القاضي عياض رحمه الله: (إنه الأظهر). وقال القرطبي رحمه الله: (لا إحالة في حمل اللفظ على حقيقته). قال: (وإذا أخبر الصادق بأمر جائز لم يحتج إلى تأويله، فحمله على حقيقته أولى).
وقال النووي رحمه الله نحو ذلك، ثم قال: (حمله على حقيقته هو الصواب، وتنفسها على الحقيقة، والمراد بالزمهرير شدة البرد، ولا إشكال من وجوده في النار، ففيها طبقة زمهريرية) نسأل الله العافية.
فهذه النار اشتكت إلى خالقها، فكيف بالذي في داخلها؟ وكيف بمن يعذب فيها؟ وكيف بمن حكم الله عليه بالخلود فيها؟ نسأل الله العفو والعافية.
فشفقةً من الله بهذه النار التي خلقها لإحراق الكفار والمنافقين والعصاة، ومن يستحق دخولها أذن لها بنفسين، نفس في كل موسم فأشد ما نجد من الحر ما هو إلاّ نفس من أنفاس جهنم، وأشد ما نجد من البرد أيضًا ما هو إلاّ نفس من أنفاس جهنم، قال رسول الله ﷺ: «اشتكت النار إلى ربها، وقالت: أكل بعضي بعضًا؟ فجعل لها نفسين: نفسا في الشتاء، ونفسا في الصيف، فأما نفسها في الشتاء فزمهرير، وأما نفسها في الصيف فسَمُوم»[2].
وهذا سؤال وجه لفضيلة الشيخ ابن عثيمين رحمه الله: هناك من ينسب شدة البرد أو الحر للعوامل المناخية أو لطبقة الأوزون أو لدوران الكرة الأرضية، فهل يصح هذا التأويل؟
فأجاب بقوله: لا شك أن شدة الحر وشدة البرد لها أسباب طبيعية معلومة، ووجودها بأسبابها من تمام حكمة الله عز وجل، وبيان أنه سبحانه وتعالى خلق الخلق على أكمل نظام، وهناك أسباب مجهولة لا نعلمها نحن، مثل قول الرسول ﷺ: «اشْتَكَتْ النَّارُ إِلَى رَبِّهَا، فَقَالَتْ: يَا رَبِّ أَكَلَ بَعْضِي بَعْضًا، فَأَذِنَ لَهَا بِنَفَسَيْنِ، نَفَسٍ فِي الشِّتَاءِ وَنَفَسٍ فِي الصَّيْفِ، فَهُوَ أَشَدُّ مَا تَجِدُونَ مِنْ الْـحَرِّ وَأَشَدُّ مَا تَجِدُونَ مِنْ الزَّمْهَرِيرِ». وهذا سبب غير معلوم، لا يُعلم إلا بطريق الوحي، ولا حرج على الإنسان أن يضيف الشيء إلى سبب معلوم حسًا أو شرعًا، لكن بعد ثبوت أنه سبب حقيقي.
وإن كان سببًا وهميًا، أو كان سببًا مبنيًا على نظريات لا أساس لها، فإنه لا يجوز اعتمادها؛ لأن إثبات الوقائع أو الحوادث إلى أسباب غير معلومة، لا عن طريق الشرع، ولا عن طريق الحس، يدخل في ما نهى الله عنه في قوله: ﴿ وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ۚ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا ﴾ [الإسراء:36].
أيها المسلمون: وقد ينزعج بعض الناس من برودة الشتاء، كما يتضايق البعض من حر الصيف، وفي كلٍ منهما، وتقلب الأحوال عمومًا مصالح وحكم، قال العلامة ابن القيم رحمه الله: (ثم تأمل بعد ذلك أحوال هذه الشمس في انخفاضها وارتفاعها لإقامة هذه الأزمنة والفصول، وما فيها من المصالح والحكم، إذ لو كان الزمان كله فصلًا واحدًا لفاتت مصالح الفصول الباقية فيه، فلو كان صيفًا كله لفاتت منافع مصالح الشتاء، ولو كان شتاء لفاتت مصالح الصيف، وكذلك لو كان ربيعًا كله أو خريفًا كله).
ولشيخ ابن القيم، وهو شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله كلام نفيس كان يتحدث فيه رحمه الله على هروب الشيء من ضده، وأن كثيرًا من الأشياء يمكن أن تقاوم بأضدادها، وهذه قاعدة مهمة يحتاجها الجميع عامة والمصلحون خاصة، فمَثّل لقاعدته بكلام يناسب موضوعنا، فقال رحمه الله: (ويسخن جوف الإنسان في الشتاء، ويبرد في الصيف؛ لأنه في الشتاء يكون الهواء باردًا، فيبرد ظاهر البدن، فتهرب الحرارة إلى باطن البدن؛ لأن الضد يهرب من الضد والشبيه ينجذب إلى شبيهه، فتظهر البرودة إلى الظاهر، ولهذا يسخن جوف الأرض في الشتاء، وجوف الحيوان كله، وتبرد الأجواف في الصيف لسخونة الظواهر فتهرب البرودة إلى الأجواف) انتهى كلامه رحمه الله.
ومن الوقفات التربوية هنا: أنك إذا عرفت بأن الضد يهرب من الضد، والشبيه ينجذب إلى شبيهه، أدركت وعرفت بأنه لا طريق للتخلص من رقّ المعصية إلاّ بضدها، وهي الطاعة، وأنه إذا ارتاحت نفسك بالجلوس مع العصاة، فهذا من انجذاب الشبيه إلى شبيهه -والله المستعان-.
أيها المسلمون: ومن الأحكام أن السنة قد جاءت بالإبراد بصلاة الظهر في حر الصيف تخفيفًا على الناس؛ فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِذَا اشْتَدَّ الْـحَرُّ فَأَبْرِدُوا بِالصَّلَاةِ، فَإِنَّ شِدَّةَ الْـحَرِّ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ»[3]
وكان رسول الله ﷺ إذا اشتد البرد بكّر بالصلاة، وإذا اشتد الحر أبرد بالصلاة؛ عن أبي ذر رضي الله عنه قال: كنا مع النبي ﷺ في سفر، فأراد المؤذن أن يؤذن للظهر، فقال ﷺ: «أبرد» ثم أراد أن يؤذن، فقال له: «أبرد» حتى رأينا فيء التلول، فقال النبي ﷺ: «إن شده الحر من فيح جهنم، فإذا اشتد الحر فأبردوا بالصلاة»[4]
وهذا الحكم خاص بصلاة الظهر، وأما صلاة الجمعة، وإن كانت في وقت الظهر، فإنها تصلى في وقتها، حتى في الحر، قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: (وأما الجمعة، فالسنة أن تصلى في أول وقتها في جميع الأزمنة؛ لأن النبي ﷺ كان يصليها في أول الوقت شتاءً وصيفًا، ولم يؤخرها هو ولا أحد من أصحابه، بل ربما كانوا يصلونها قبل الزوال وذاك؛ لأن الناس يجتمعون لها إذ السنة التبكير إليها، ففي تأخيرها إضرار بهم).
ونعلم بأن السنة أن يقرأ الإمام في ركعتي الجمعة بسورة الجمعة والمنافقون، وثبت أن النبي ﷺ كان يقرأ بسبح والغاشية[5].
والسنة أن يقرأ الإمام مرة بهذا ومرة بهذا؛ لئلا تهجر السنة، ولكن كما قال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله: (لو أن الإمام راعى أحوال الناس، ففي الشتاء البارد قرأ بسبح والغاشية، ولم يقرأ بالجمعة والمنافقون تيسيرًا على الناس، ومثله في أيام الحر الشديد، وذلك؛ لأن من هدي النبي ﷺ أنه ما خُيّر بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثمًا).
أيها المسلمون: بوب الإمام الترمذي رحمه الله في سننه، فقال: (باب ما جاء في الصوم في الشتاء)، ثم أخرج بسنده عَنْ عَامِرِ بن مَسْعُودٍ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «الْغَنِيمَةُ الْبَارِدَةُ الصَّوْمُ فِي الشِّتَاءِ»[6].
وكانت غنيمةً باردةً لحصول المؤمن على الثواب بلا تعب كثير، فالصوم في الشتاء البارد لا يحس فيه الصائم بالعطش لبرودة الجو، ولا بألم الجوع لقصـر النهار، فحقًا إنها لغنيمة باردة فأين أصحابها؟
أيها المسلمون: من عبر التاريخ أن الله عذّب أقوامًا بالريح الباردة في الشتاء كقوم عاد كما قد ذكر ذلك أهل التفسير، وقد كان النبي ﷺ إذا رأى مخيلة وهو السحاب الذي يخال فيه المطر، أقبل وأدبر، وتغير وجهه، فقالت له عائشة: إن الناس إذا رأوا مخيلة استبشروا، فقال يا عائشة: «وما يؤمنني قد رأى قوم عاد العذاب عارضًا مستقبل أوديتهم، فقالوا: هذا عارض ممطرنا» قال الله تعالى: ﴿ بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ ۖ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ [الأحقاف:24][7]. وهذا من شدة خشيته ﷺ وخوفه من الله تعالى، وقد أمّنه ربه من العذاب، فما عسانا نقول؟
ومن عجائب فصل الشتاء: أن من حكم الله تعالى أن نبات وفواكه الشتاء لو أُكل في الصيف، أو العكس، لربما أضر البدن وسبب له الأذى، قال ابن القيم رحمه الله: (فلو كان نبات الصيف إنما يوافي في الشتاء لصادف من الناس كراهية، واستثقالًا بوروده، مع ما كان فيه من المضرة للأبدان والأذى لها، وكذلك لو وافى ما في ربيعها في الخريف، أو ما في خريفها في الربيع، لم يقع من النفوس ذلك الموقع ولا استطابته واستلذاذه ذلك الالتذاذ، ولهذا تجد المتأخر منها عن وقته مملولًا محلول الطعم، ولا يظن أن هذا لجريان العادة المجردة بذلك، فإن العادة إنما جرت به؛ لأنه وفق الحكمة والمصلحة التي لا يخل بها الحكيم الخبير)[8].
ومن عجائب الحر والبرد والصيف والشتاء: هذا الحديث الذي رواه ابن ماجة في سننه ضمن كرامات أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه، فعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بن أَبِي لَيْلَى قَالَ: كَانَ أَبُو لَيْلَى يَسْمُرُ مَعَ عَلِيٍّ بن أبي طالب رضي الله عنه، فَكَانَ يَلْبَسُ ثِيَابَ الصَّيْفِ فِي الشِّتَاءِ وَثِيَابَ الشِّتَاءِ فِي الصَّيْفِ، فَقُلْنَا: لَوْ سَأَلْتَهُ، فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ بَعَثَ إِلَيَّ وَأَنَا أَرْمَدُ الْعَيْنِ يَوْمَ خَيْبَرَ، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنِّي أَرْمَدُ الْعَيْنِ فَتَفَلَ فِي عَيْنِي، ثُمَّ قَالَ: «اللَّهُمَّ أَذْهِبْ عَنْهُ الْـحَرَّ وَالْبَرْد» قَالَ: فَمَا وَجَدْتُ حَرًّا وَلَا بَرْدًا بَعْدَ يَوْمِئِذٍ[9].
رضي الله عن علي بن أبي طالب، وعن سائر الأصحاب والتابعين، وألحقنا بهم في عباده الصالحين.
الحمد لله، الحمد لله مُصرِّف الأحوال، ومُقدِّر الآجال، لا إله إلا هو الكبيرُ المُتعال، سبحانه وبحمده كريمٌ لا يبخَل، وحليمٌ لا يعجَل، الحُكمُ حُكمُه، والأمرُ أمرُه، تُسبِّح له السماوات والأرض ومن فيهنَّ بالغُدوِّ والآصال، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له المُتفرِّدُ بالكمال والجَمال والجلال، وأشهد أن سيِّدَنا ونبيَّنا محمدًا عبدُ الله ورسولُه عظيمُ المقام شريفُ الخِصال، صلَّى الله وسلَّم وبارَك عليه، وعلى الطيبين الطاهرين، وأصحابِه الغُرِّ الميامين خيرِ صحبٍ وأكرمِ آل، والتابعين ومن تبِعَهم بإحسانٍ إلى يوم المآل، وسلَّم تسليمًا كثيرًا. أما بعد:
| أتدري كيف قابلني الشتاءُ |
| وكيف تكون فيه القرفصاء |
| وكيف البرد يفعل بالثنايا |
| إذا اصطكت وجاوبها الفضاء |
| وكيف نبيت فيه على فراش |
| يجور عليه في الليل الغطاء |
| فإن حل الشتاء فأدفئوني |
| فإن الشيخ آفته الشتاء |
| أتدري كيف جارك يا ابن أمي |
| يهدده من الفقر العناء |
| وكيف يداه ترتجفان بؤسًا |
| وتصدمه المذلة والشقاء |
| يصب الزمهرير عليه ثلجًا |
| فتجمد في الشـرايين الدماء |
| خراف الأرض يكسوهن عِهنٌ |
| وترفل تحته نعمٌ وشاء |
| وهذا الآدمي بغير دار |
| فهل يرضيك يزعجه الشتاء |
| يجوب الأرض من حي لحي |
| ولا أرض تقيه ولا سماء |
| معاذ الله أن ترضى بهذا |
| وطفل الجيل يصـرعه الشتاء |
| أتلقاني وبي عوز وضيق |
| ولا تحنو؟ فما هذا الجفاء |
| أخي بالله لا تجرح شعوري |
| ألا يكفيك ما جرح الشتاء |
أيها الأحبة: إن للفقراء علينا حقٌ دائم، ويتأكد هذا الحق لهم في الأزمات والملمّات، وفي النكبات والصعوبات، ومن ذلك: أن نرحمهم، ونعطف عليهم، مع برد الشتاء، هل تذكرنا أحوال المشردين والمستضعفين؟ والفقراء والمحتاجين؟ هلا تفقدنا جيراننا وأرحامنا ممن قد لا يملكون ما يستدفئون به من برد الشتاء القارس؟ الله الله في إخوانكم وجيرانكم وأرحامكم، انظروا إليهم بعين الرحمة والرأفة، لعل الله أن ينظر إليكم بها، وأنفقوا يُنفق عليكم، وتراحموا تُرحموا، فإن صنائع المعروف تقي مصارع السوء.
إخواني في الله: ومن مواطِن العِبَر، وفُرص الأمل: ما أوصَى به الفارُوقُ عمرُ رضي الله عنه ابنَه بإتمام الوضوء عند البرد قائلًا: «وإسباغُ الوضوءِ في اليوم الشَّاتِي». ذلكم أن إسباغَ الوضوء على المكارِه مما تُحطُّ به الخطايا، وتُرفعُ به الدرجات؛ فعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي ﷺ قال: «ألا أدُلُّكم على ما يمحُو الله به الخطايا، ويرفعُ به الدرجات؟!». قالوا: بلى يا رسول الله. قال: «إسباغُ الوضوء على المكارِه، وكثرةُ الخُطا إلى المساجِد، وانتِظارُ الصلاة بعد الصلاة، فذلكمُ الرِّباط، فذلكمُ الرِّباط»[10]. والمكارِه: شدَّة البرد وآلام الجسم.
وإسباغُ الوضوء: تكميلُه وإيعابُه مع شدَّة البرد وألم الجسم، وما يلحَقُ ذلك من مشقَّةٍ.
على أن تعلَموا -رحمكم الله- أنه لا مانِع من الوضوء بالماء الدَّافِئ، وتسخين الماء، وتنشيف الأعضاء بعد الفراغ من الوضوء؛ بل يُباحُ التيمُّم إذا خافَ على نفسِه شدَّةَ البرد، فضلًا من الله ورحمة، وتيسيرًا ونعمة.
وفي مثل هذا جاءَت مُكاتبَةُ عُمر رضي الله عنه ووصاياه لعُمَّاله ووُلاتِه إذا حضر الشتاء، يقول لهم: «إن الشَّتاءَ قد حضَرَ وهو عدوٌّ لكم، فتأهَّبُوا له أُهبتَه من الصُّوفِ والخِفافِ والجوارِب، واتَّخِذوا الصُّوفَ شِعارًا». أي: مما يلِي الأجساد، «ودِثارًا» أي: فوق الملابِس، «فإنَّ البردَ عدوٌّ سريعٌ دخولُه، بعيدٌ خروجُه».
بل لقد امتنَّ الله على عبادِه بما يسَّر من وسائل استِدفاءٍ باللباس وغيرِه، فقال -عزَّ شأنُه-: ﴿ وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا ۗ لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ ﴾ [النحل:5].
فتأمَّل كيف أفردَ الدِّفءَ بالذِّكر وخصَّه بالتنويه، مع أنه من جُملة المنافِع!
وقال عزَّ شأنُه: ﴿ وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَىٰ حِينٍ ﴾ [النحل:80].
ومما تقتَضِيه المُناسَبَةُ -عباد الله-: التنبيهُ إلى أن بعضَ الناسِ يُوقِدُ النارَ للتدفِئَة، كما يستخدِمُ بعضَ أجهزة التدفِئَة، وهذا من فضلِ الله ونعمته، وتيسيره وتسخِيره، ولكن قد أرشدَ نبيُّكم محمدٌ ﷺ إلى إطفاءِ النار قبل النوم؛ فقد جاء في الخبر الصحيح في الصحيحين عنه ﷺ أنه قال: «إن هذه النار إنما هي عدوٌّ لكم، فإذا نِمتُم فأطفِئُوها عنكم». وما ذلك إلا لما تُسبِّبُه من الاحتِراق أو الاختِناق.
ومن الأحكام التي تحتاجها الناس والمتعلقة بالشتاء غالبًا: مسألة المسح على الجوربين، وهي مسألة عقدية فقهية، وقد ذكرها بعض العلماء في كتب العقائد منهم ابن أبى العز الحنفي في شرحه للعقيدة الطحاوية، وسبب ذكره لذلك أن هناك بعض الفرق الباطنية والمنحرفة ينكرون سنيّة المسح على الخفين منهم الرافضة والمعتزلة، وغيرهم، وقد تواترت السنة الصحيحة عن رسول الله ﷺ بالمسح على الخفين، يقول الإمام أحمد -رحمه الله تعالى-: (ليس في قلبي من المسح على الخفين شيء، فيه أربعون حديثًا عن رسول الله ﷺ). و قال الإمام ابن القيم -رحمه الله تعالى- في زاد المعاد: (صح عنه ﷺ أنه مسح في الحضر والسفر، ولم ينسخ ذلك حتى توفى ووقّت للمقيم يومًا وليلة وللمسافر ثلاثة أيام ولياليهن في عدة أحاديث حسان وصحاح. وكان ﷺ يمسح ظاهر الخفين، ولم يصح عنه، مسح أسفلهما، ومسح على الجوربين والنعلين، ومسح على العمامة مقتصرًا عليها ومع الناصية، وثبت عنه ذلك فعلًا وأمرًا في عدة أحاديث، ولم يكن يتكلف ضد حاله التي عليها قدماه، بل إن كانتا في الخف مسح عليهما ولم ينزعهما، وإن كانتا مكشوفتين غسل القدمين ولم يلبس الخف ليمسح عليه)[11].
وكيفية المسح: أن يبل يديه بالماء، ثم يمرّهما على ظهر الخفين من أطرافهما مما يلي الأصابع إلى الساق مرة واحدة، ولو مسح اليمنى على اليمنى واليسرى على اليسرى، فهذا حسن، ولو مسح كليهما بيده اليمنى، فلا حرج في ذلك.
ويلبسهما على طهارة، ثم يبدأ مدة المسح من أول مسحة مسحها، وليس الابتداء من الحدث بعد اللبس، كما قال به البعض، فإذا لبس الإنسان الجورب لصلاة الفجر، ولم يمسح عليهما أول مرة إلا لصلاة الظهر، فابتداء المدة من الوقت الذي مسح فيه لصلاة الظهر، فيمسح المقيم إلى مثل ذلك الوقت من الغد. وإذا تمت المدة، وهو على طهارة فطهارته باقية، حتى تنتقض، فإذا انتقضت بعد تمام المدة وجب عليه غسل رجليه إذا توضأ، ثم يلبس من جديد. ومن تمت مدته فنسى ومسح بعد تمام المدة، فعليه: أن يعيد الصلاة التي صلاها بالمسح الذي بعد تمام المدة.
اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علما، اللهم فقهنا في الدين، واجعلنا هداة مهتدين.
صاحب هذه الخطبة
الشيخ /ناصر الأحمد