الحَمدُ للهِ وَعَدَ الصَّابِرينَ بِالأَجرِ من غَيرِ حِسابٍ، وَأَثَابَ الشَّاكِرِينَ على نِعَمِهِ فَنِعمَ الثَّوَابُ، نَشهدُ أنْ لا إلهَ إلاَّ اللهُ وَحدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، لهُ الحُكمُ وإليهِ المَآبُ، ونَشهدُ أنَّ مُحمدًا عبدُ اللهِ وَرَسُولُهُ خيرُ مَن صَبَرَ وصَابَرَ بِلا تَشَكٍّ ولا ارتياب، الَّلهمَّ صَلِّ وَسَلِّم وبارِك على مُحمَّدٍ وعلى آلِهِ والأصحاب، الَّذِينَ صَبَرُواْ وَصَابَرُواْ وَرَابَطُواْ رجاء يوم الحساب، وَاتَّقُواْ رَبَّهم فانفَتَحَ لَهم من الخَيرِ كُلُّ بابٍ.
أمَّا بَعدُ:
فاتَّقُوا اللهَ وأَطِيعُوهُ؛ فَإنَّ طَاعَتَهُ أَقوَمُ وأَقْوى، وَتَزَوَّدُوا لآخِرَتِكُم واستَعِينوا على دُنياكُم بالصَّبر والتَّقوَى، فقد قالَ اللهُ في كِتَابِهِ الكَرِيمِ: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ ۚ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ ﴾ [البقرة:153].
أَيُّهَا المُسلِمُونَ: إنَّ العبدَ في حَيَاتِهِ مُحتَاجٌ إِلى التَّحَلِّي بِالصَّبرِ في جَوَانِبِ حَيَاتِهِ كُلِّها، فإنَّهُ لا استِقَامَةَ وَلا إِمَامَةَ، وَلا فَوزَ وَلا فَلاحَ إِلاَّ بِالتَّحَلِّي بِالصَّبرِ الجَمِيلِ، إِذْ هُوَ وَقُودٌ وَزَادٌ، وَقُوَّةٌ وَعَتَادٌ، يَحتَاجُهُ المَرِيضُ في شَكوَاهُ، والمُبتَلى في بَلوَاهُ، وطَالِبُ العِلمِ مَعَ كُتُبِهِ وَدُرُوسِهِ، وَالدَّاعِيَةُ لا يَشُدُّ عَزمَهُ مِثلُ الصَّبرِ، والآمِرُ بالمَعرُوفِ والنَّاهي عن المُنكَرِ أعظَمُ وصِيَّةٍ لَهُ من اللهِ تعالى: ﴿ وَاصْبِرْ عَلَىٰ مَا أَصَابَكَ ۖ إِنَّ ذَٰلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ ﴾ [لقمان:17] وَلَن تَجِدَ أَبًا في بَيتِهِ، وَلا مُعَلِّمًا في مَدرَسَتِهِ ولا موظفًا في مُؤَسَّسَتِهِ، وَلا خَادِمًا ولا عَامِلًا، إِلاَّ وَهُم بِحَاجَةٍ مَاسَّةٍ إِلى الصَّبرِ الجَمِيلِ.
| إِنِّي رَأَيْتُ وفي الأَيَّامِ تَجْرِبَةٌ |
| للصَّبْرِ عاقِبَةً مَحْمُودَةَ الأَثَرِ |
| وقَلَّ مَنْ جَدَّ في أَمْرٍ يُطالِبُهُ |
| فاستَصْحَبَ الصَّبْرَ إِلاَّ فَازَ بالظَّفَرِ |
فَلَولا الصَّبرُ لَغَرِقَ المَهمُومُ في بُحُورِ هُمُومِهِ، وَلَغَشَتِ المَحزُونَ سَحَائِبُ غُمُومِهِ، ولكِنَّ اللهَ تعالى ما أَعطَى المُؤمِنَ عَطَاءً خَيرًا وَلا أَوسَعَ مِنَ الصَّبرِ، قَالَ رَسُولُ اللهِ: «وَمَا أُعطِيَ أَحَدٌ عَطَاءً خَيرًا وَأَوسَعَ مِنَ الصَّبرِ»[1].
قَالَ الشَّيخُ السَّعدِيُّ رحمه الله: (وَإِنَّمَا كَانَ الصَّبرُ أَعظَمَ العَطَايَا؛ لأَنَّهُ يَتَعَلَّقُ بِجَمِيعِ أُمُورِ العَبدِ وَكَمَالاتِهِ، كُلُّ حَالَةٍ مِن أَحوَالِهِ تَحتَاجُ إِلى صَبرٍ، فَإِنَّ المُؤمِنَ يَحتَاجُ إِلى الصَّبرِ عَلَى طَاعَةِ اللهِ حَتى يَقُومَ بها وَيُؤَدِّيَهَا، وَإِلى صَبرٍ عَن مَعصِيَةِ اللهِ حَتى يَترُكَهَا للهِ، وَإِلى صَبرٍ عَلَى أَقدَارِ اللهِ المُؤلِمَةِ فَلا يَتَسَخَّطُهَا، بَل إِلى صَبرٍ عَلَى نِعَمِ اللهِ وَمَحبُوبَاتِ النَّفسِ، فَلا يَدَعُ النَّفسَ تَمرَحُ وَتَفرَحُ الفَرَحَ المَذمُومَ، بَل يَشتَغِلُ بِشُكرِ اللهِ، فَهُوَ في كُلِّ أَحوَالِهِ يَحتَاجُ إِلى الصَّبرِ وَبِالصَّبرِ يَنَالُ الفَلاحَ) اهـ.
عبادَ اللهِ: وَلأَهَمِّيَّةِ الصَّبرِ وَعُلُوِّ مَنزِلَتِهِ فَقَد ذَكَرَهُ اللهُ في كِتَابِهِ في تِسعِينَ مَوضِعًا، فَأَمَرَ بِهِ فَقَالَ: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا ﴾ [آل عمران:200]، وَقَالَ: ﴿ وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ ﴾ [البقرة:45]، وَجَعَلَ الإِمَامَةَ في الدِّينِ مَورُوثَةً عَنِ الصَّبرِ وَاليَقِينِ بِقَولِهِ: ﴿ وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا ۖ وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ ﴾ [السجدة:24]، وَحَتَّى في الخُصُوماتِ وأَخذِ الحقِّ الذي لكَ، نُدِبْتَ إِلى الصَّبرِ وَجُعِلَ هو الخَيرَ قَالَ تَعَالى: ﴿ وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ ۖ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ ﴾ [النحل:126].
| إِذَا مَا أَتَاكَ الدَّهْرُ يَوْمًا بِنَكْبَةٍ |
| فَأَفْرِغْ لَهَا صَبْرًا وَأَوْسِعْ لَهَا صَدْرًا |
| فَإِنَّ تَصَارِيفَ الزَّمَانِ عَجِيبَةٌ |
| فَيَوْمًا تَرَى يُسْـرًا ويَوْمًا تَرَى عُسْـرا |
يا من يحاول أمرًا صعب عليه بلوغه، وتعسّر عليه حصوله، صبرًا قليلًا، لا تيأس ولا تقنط، واستعن بالله ولا تعجز، فإنه ما نال من نال إلا بالصبر والمثابرة، ورُب فشلٍ استحوذ على النفس وقد أوشكت أن تبلغ المقصود، اصنع من المحن منحًا بإذن الله، واعلم بأن الصعوبات والعقبات تقوّيك وتصقلك.
| إني رأيتُ وفي الأيامِ تجربةً |
| للصبر عاقبة مَحْمُودَةَ الأثَرِ |
| وَقَلَّ مَنْ جَدَّ فِي أَمْرٍ يُحاولُهُ |
| وَاسْتَصْحَبَ الصَّبْرَ إِلا فَازَ بِالظَّفَرِ |
أيُّها المُؤمِنُ: وَإِنَّ أَعظَمَ الخَيرِ في الصَّبرِ أَنَّ أَجرَهُ لا يُقَدَّرُ وَلا يُحَدُّ، ف﴿ إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴾ [الزمر:10] وَإِذَا وَجَدَ المُؤمِنُونُ مَشَقَّةً وَعَنَتًا، أَتَت مَحَبَّةُ اللهِ لِلصَّابِرِينَ، وَمَعِيَّتُهُ لَهُم لِتُخَفِّفَ عَنهُم وَطأَةَ ما يلاقون، وَتُهَوِّنَ عَلَيهِم صُعُوبَة ما يعانون، قَالَ تَعَالى: ﴿ وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ ﴾ [آل عمران:146] وَحِينَ يَفرَحُ أُناسٌ بمَا نَالُوهُ مِن مَتَاعٍ دُنيَوِيٍّ زَائِلٍ، أَوِ تَحقَّقَ لَهُم مَا تَمَنَّوهُ، يَأتي فَلاحُ الصَّابِرِينَ، بِأَنَّ العَاقِبَةَ الحَسَنَةَ، والفَوزَ بِالجَنَّةِ سَيَكُونُ لَهُم في الآخِرَةِ؛ لِئَلاَّ يَيأَسُوا مِن رَوحِ اللهِ، فقد قَالَ اللهُ عنهم: ﴿ وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ ﴿٢٣﴾ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ ۚ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ ﴾ [الرعد:23‑24]، وَقَالَ ابنُ عَبَّاسٍ لعَطَاءِ بن أَبي رَبَاحٍ ╚: أَلا أُرِيكَ امرَأَةً مِن أَهلِ الجَنَّةِ؟ فَقُلتُ: بَلَى، قَالَ: هَذِهِ المَرأَةُ السَّودَاءُ، أَتَتِ النَّبيَّ فَقَالَت: إِنِّي أُصرَعُ وَإِنِّي أَتَكَشَّفُ فَادعُ الله لي، قَالَ: «إِنْ شِئتِ صَبَرتِ وَلَكِ الجَنَّةُ، وَإِنْ شِئتِ دَعَوتُ اللهَ أَن يُعَافِيَكِ»، فَقَالَت: أَصبِرُ، فَادعُ اللهَ لي أَن لاَّ أَتَكَشَّفَ، فَدَعَا لَهَا[2]!
وَأمَّا حِينَ يَكبُرُ مَكرُ الأَعدَاءِ وَيَعظُمُ كَيدُهُم وَيَشتَدُّ أَذَاهُم، فَإِنَّ الصَّبرَ وَالتَّقوَى هُمَا خَيرُ عِلاجٍ وَأَنجَعُ وَسِيلَةٍ لإِبطَالِ كَيدِهِم وَإِخمَادِ عَدَاوَتِهِم، قَالَ تَعَالى: ﴿ وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا ۗ إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ ﴾ [آل عمران:120]، فلا تَظُنُّوا يا مؤمِنُونَ أنَّ من ابتُلي بفقر أو هم أو غمّ أو مرض أو ظلم؛ أنَّ اللهَ سَيَخذُلُه، كلاَّ ورَبِّي، قال الله عن يوسف: ﴿ إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ ﴾ [يوسف:90].
قال ابن القيم رحمه الله: (ولما كان الإيمان نصفين نصف صبر ونصف شكر كان حقيقا على من نصح نفسه وأحب نجاتها وآثر سعادتها أن لا يهمل هذين الأصلين العظيمين ولا يعدل عن هذين الطريقين القاصدين وأن يجعل سيره إلى الله بين هذين الطريقين ليجعله الله يوم لقائه مع خير الفريقين).
وكَمَا امتَدَحَ اللهُ الصَّبرَ في كِتَابِهِ، فَقَد زَخُرَتَ سُنَّةُ النَّبِيِّ وسِيرَتُهُ قولًا وَعَمَلًا، وكَفَاكَ أيُّها المُسلِمُ أَنْ تَسمَعَ طَرَفًا منها لِتَشتَاقَ نَفْسُكَ أَنْ تَكُونَ مِن العِليَةِ الأَخيَارِ، الحَائِزِينَ عَلَى الصَّبرِ والمَدحِ والنَّوالِ، قالَ: «إِنَّ اللهَ عز وجل قَالَ: إِذَا ابتَلَيتُ عَبدِي بِحَبِيبَتَيهِ فَصَبَرَ عَوَّضتُهُ مِنهُمَا الجَنَّةَ»[3]، وقَالَ: «يَقُولُ اللهُ تَعَالى: مَا لِعَبدِي المُؤمِنِ عِندِي جَزَاءٌ إِذَا قَبَضتُ صَفِيَّهُ مِن أَهلِ الدُّنيَا ثُمَّ احتَسَبَهُ إِلاَّ الجَنَّةُ»[4] وَفي المُسنَدِ وغيرِهِ أَنَّهُ قَالَ: «وَاعلَمْ أَنَّ في الصَّبرِ عَلَى مَا تَكرَهُ خَيرًا كَثِيرًا، وَأَنَّ النَّصرَ مَعَ الصَّبرِ، وَأَنَّ الفَرَجَ مَعَ الكَرْبِ، وَأَنَّ مَعَ العُسـرِ يُسـرًا»[5] وَقَالَ: «المُؤمِنُ الَّذِي يُخَالِطُ النَّاسَ وَيَصبِرُ عَلَى أَذَاهُم أَعظَمُ أَجرًا مِنَ المُؤمِنِ الَّذِي لا يُخَالِطُ النَّاسَ وَلا يَصبِرُ عَلَى أَذَاهُم»[6]. وقَالَ: «الصَّبرُ ضِيَاءٌ»[7]
هكذا أَيُّهَا المُسلِمُونَ، يَظَلُّ الصَّبرُ سِرَاجًا لَنا في دُرُوبِ الحَيَاةِ، وَنُورًا في ظُلُمَاتِ الفِتَنِ، وَرَفيقًا في غُربَةِ الزَّمَنِ، حَتَّى إِذَا وَصَلَت الفِتَنُ أوجَها في مِثلِ عَصرِنا، من شُبُهَاتٍ وَشَهَوَاتٍ، وتَسَلُّطٍ من الأَعدَاءِ وَضَعفٍ من الصَّالِحِينَ والفُقَهَاءِ! فلا عِلاجَ أَنْجَعُ من صَبرٍ جَميلٍ مَعَ إِحسَانٍ في العَمَلِ، قَالَ: «إِنَّ مِن وَرَائِكُم أَيَّامَ الصَّبرِ، لِلمُتَمَسِّكِ فِيهِنَّ يَومَئِذٍ بما أَنتُم عَلَيهِ أَجرُ خَمسِينَ مِنكُم» قَالُوا: يَا نَبيَّ اللهِ، أَو مِنهُم؟ قَالَ: «بَلْ مِنكُم»[8].
أَلا فَاتَّقُوا اللهَ يا مُسلِمُونَ، وَاصبِرُوا، ﴿ قَالُوا أَإِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ ۖ قَالَ أَنَا يُوسُفُ وَهَٰذَا أَخِي ۖ قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا ۖ إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ ﴾ [يوسف:90]، وَمَن لم يَكُن مَجبُولًا عَلَى الصَّبرِ ومُعتَادًا لَهُ، فَلْيَتَصبَّرْ وَليُجَاهِدْ نَفسَهُ عَلَيهِ يُفلح، قَالَ: «إِنَّمَا العِلمُ بِالتَّعَلُّمِ، وَإِنَّمَا الحِلمُ بِالتَّحَلُّمِ، وَمَن يَتَحَرَّ الخَيرَ يُعطَهُ، وَمَن يَتَّقِ الشَّرَّ يُوقَهُ»[9].
وَقَالَ: «وَمَن يَتَصَبَّرْ يُصَبِّرْهُ اللهُ»[10].
فهذه الدار دار ابتلاء وصبر وأجر..
| جُبِلَتْ على كَدَرٍ وأنت تُريدُها |
| صَفْوًا مِنَ الأَقذَارِ والأَكْدَارِ؟ |
| ومُكلّفُ الأيام فوق طباعِها |
| مُتطلّبٌ في الماء جذوةَ نارِ |
يقول الحافظ أبو نعيم: (لما توفي ذر بن عمر الهمداني، جاء أبوه، فوجده قد مات، فوجد أهل بيته يبكون، فقال: ما بكم؟ قالوا: مات ذر، فقال: الحمد لله، والله ما ظلمنا ولا قهرنا ولا ذهب لنا بحق، ثم غسَّله وكفَّنه، وذهب فصلى مع المصلين، ثم ذهب به إلى المقبرة، ولما وضعه في القبر قال: رحمك الله يا بني، قد كنت بي بارًا، وكنت لك راحمًا، والله يا ذر ما ذهبت لنا بعز، وما أبقيت علينا من ذل، ولقد شغلني -والله- الحزن لك عن الحزن عليك، يا ذر -والله- لولا هول يوم المحشـر لتمنيتُ أني صِرْتُ إلى ما صرتَ إليه، يا ليت شعري ماذا قيل لك وبماذا أَجبتَ؟ ثم رفع يديه باكيًا فقال: اللهم إنك قد وعدتني الثواب إن صبرتُ، اللهم ما وهبته لي من أجر فاجعله لذر صلةً مني، وتجاوز عنه، فأنت أرحم به مني، اللهم إني قد وهبت لذر إساءته فهب له إساءته، فأنت أجود مني وأكرم، ثم انصرف ودموعه تقطر على لحيته، وهو يقول: يا ذر قد انصـرفنا وتركناك، ولو أقمنا ما نفعناك، وربنا قد استودعناك، والله يرحمنا وإياك..). قال سليمان بن عبد الملك لعمر بن عبد العزيز عندما مات ولد سليمان: (أيصبر المؤمن حتّى لا يجد لمصيبته ألمًا؟ قال يا أمير المؤمنين: لا يستوي عندك ما تحبّ وما تكره، ولكنّ الصّبر معول المؤمن).
﷽ ﴿ وَالْعَصْرِ ﴿١﴾ إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ ﴿٢﴾ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ ﴾ [العصر:1-3].
بارك الله لي ولَكم في القرآنِ العظيمِ، ونفَعني وإيّاَكم بِهدِيِ سَيِّدِ المُرسَلِينَ، وأَستَغفِرُ اللهَ لِي وَلَكُم، فَاستَغفِرُوهُ، إنَّه هُو الغَفُورُ الرَّحيمُ.
الحمدُ للهِ ربِّ العَالَمِينَ، نَشهَدُ أنْ لا إلهَ إلاَّ اللهُ وَحدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ المَلِكُ الحَقُّ المُبينُ، ونَشهَدُ أنَّ نَبيَّنا مُحمدًا عبدُ اللهِ ورَسُولُهُ الصَّادِقُ الأَمِينُ، اللهمَّ صَلِّ وسَلِّم وَبَارِك عليهِ وعلى آلِهِ وأصحَابِهِ والتَّابعينَ لَهم بإحسانٍ إلى يومِ الدِّينِ؛ أَمَّا بَعدُ:
| الصَّبْرُ مِثْلُ اسْمِهِ مُرٌّ مَذَاقَتُهُ |
| لَكِنْ عَوَاقِبَهُ أحلى من العسلِ |
أَيُّهَا المُسلِمُونَ: لقد ذَكَرَ العُلمَاءُ أنَّ الصَّبرَ هو: حَبْسُ النَّفسِ على الطَّاعَةِ، وَكَفُّها عن المَعصِيَةِ، والدَّوامُ على ذَلِكَ. وقَسَّموا الصَّبرَ، إلى أَقسَامٍ ثَلاثَةٍ: صَبْرٌ على طَاعَةِ اللهِ، وَصَبْرٌ عن مَعصِيَةِ اللهِ، وثالِثُها الصَّبرُ على أَقدَارِ اللهِ المُؤلِمَةِ.
فالنَّوعُ الأَوَّلُ: أَعظَمُها؛ لأنَّ العِبَادَاتِ شَاقَّةٌ على النُّفُوسِ؛ وتَحتاجُ إلى مُصابَرَةٍ ومُجَاهَدَةٍ، فالصلاةُ والصِّيامُ، والحَجُّ والزَّكَاةُ، والأمرُ والنَّهيُ، كُلُّها تحتاجُ إلى الصَّبرِ، قَالَ اللهُ تَعَالى: ﴿ وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا ﴾ [طه:132]، وقال: ﴿ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَىٰ مَا أَصَابَكَ ۖ إِنَّ ذَٰلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ ﴾ [لقمان:17].
والقِسمُ الثَّانِي: الصَّبرُ عن الوُقُوعِ فِيمَا حَرَّمَ اللهُ تَعالى، وَذَلِكَ بِكَفِّ النَّفسِ وكبح جماحها عن فعل ما تشتهي من الحرام، واقتراف ما تهواه من المعاصي والآثام، وآفَةُ المُنكراتِ في هذا الزَّمنِ، أنْ سَهُلَ الوُصُولُ الحرامِ فكانَ أقرَبَ إلى أحدِنا من يَدِهِ لِعينِيهِ، فالقَنواتُ والشَّبكاتُ والأجهِزَةُ الذَّكِيَّةُ، إنْ لَمْ نَصبِرِ عن الحرامِ الذي فيها، أوردتنا المهالكَ والمَضآرَّ! ذلِكَ أنَّ النَّفسَ مَيَّالَةٌ إلى الآثامِ، تَوَّاقَةٌ إلى الشَّهوَاتِ، فإنْ لم نُلجِمهَا بِتَقوى اللهِ والصَّبرِ عن مَعَاصِيهِ، أدركتنا الأخطار، وأهلكتنا الأوزار، ولقد قال الله لعباده المؤمنين: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ ﴾ [المائدة:94]، فحين حرّم الصيد على الحاج المُحْرِم، اختبره بأن يأتي الصيد إلى متناول يده، ليعلم الله من يخافه بالغيب، وإن قُرب الشهوات وسهولة الوصول إلى المعاصي هذه الأيام إنما هي ابتلاء واختبار ليعلم الله من يخافه بالغيب. وإن أعظم علاج بعد الاستعانة بالله تعالى هو قَولُ اللهِ في مُحكَمِ التَّنزِيلِ: ﴿ وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ ۖ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ﴾ [الكهف:28] فإن رُفقة الأخيار أفضل مُعين على الثبات في زمن الشهوات والشبهات.
وأَمَّا القِسمُ الثَّالِثُ: فَهُو صَبرٌ على أَقدَارِ اللهِ المُؤلِمَةِ وعلى مَصَائِبِ الحَيَاةِ المُتَنَوِّعَةِ، فمَن مِن البشَرِ من سَلِمَ من ذالِكَ؟ُ مَن منَّا من لَم يُصبْ بِمَرَضٍ؟ مَنْ مِن البشَـرِ من لم يفقدْ مالًا؟ أو قريبًا أو عزيزًا؟
ولهذا قالَ اللهُ سُبْحَانَهُ: ﴿ وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ ۗ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ ﴾ [البقرة:155] فهذهِ سُنَّةُ اللهِ في عِبَادِهِ، وهي ابتِلاؤُهُم بِشَـيءٍ من الخَوفِ، ولَم يَقُل: بِالخَوف كُلِّهِ؛ لأنَّهُ لو قَالَ: بالخَوفِ، لأَهلَكَهُم؛ وإنَّمَا يَبتَلِيَهم بشيء منه؛ لأنَّ مَقصُودَهُ تَمْحِيصُهُم وتَطهِيرُهُم من ذُنُوبِهم ومَعَاصِيهِمْ. فَتَلَفُ الأَموَالِ، ومَوتُ الأَحبَابِ، وألمُ المَرضِ، نَقصٌ يحتاجُ إلى صَبرٍ ومُصَابَرَةٍ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ! ونَحنُ عندَ المَصَائِبِ قِسمَانِ: قِسمٌ جَازِعٌ سَاخِطٌ مُهلِكٌ نفسَهُ بالأَسى والحَسرَةِ، بل منهم من يصل إلى التسخط على الله، ولطم الخدود، وشقّ الثياب، ونتف الشعور، فهذا قد جَمَعَ على نَفسِهِ مُصِيبَتَينِ، فَواتَ المَحبُوبِ، وَفَواتَ الأَجرِ العَظِيمِ الذي رَتَّبَهُ اللهُ لِلصَّابِرِينَ، لا هو الذي سلم من المصيبة، ولا هو الذي نال ثوابها حين قد وقعت عليه.
وقِسمٌ راضٍ بقَضَاءِ اللهِ وقَدَرِهِ، فَهؤلاءِ بَشِّرهم بِبِشَارَةِ اللهِ لهم وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ، فَلَهُم أَجْرٌ غَيرُ مَعدُدٍ ولا مُقَدَّرٍ؛ جَزاءً لَهم على عَظِيمَ ما صَبَروُا وعلى رَبِّهم يَتَوكَّلونَ؛ لأنَّهم: ﴿ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ ﴾ [البقرة:156]، فَنَحنُ مَمْلُوكُونَ لِلَّه، مُدَبَّرُونَ تحت عَوْنِهِ وتَصَـرُّفَاتِهِ؛ فَكانَ جَزاؤهم: ﴿ أُولَٰئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ ۖ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ ﴾ [البقرة:157] فهم الْـمُوَفَّقُون لِلْحَقِّ والرَّحمَةِ! ولهذا عَجِبَ رَسُولُ اللهِ من حالِ المُؤمِنِ فَقَالَ: «عَجَبًا لِأَمْرِ الْـمُؤْمِنِ؛ إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ لَهُ خَيْرٌ؛ إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ، وَلَيْسَ ذَلِكَ لِأَحْدٍ غَيْرِ الْـمُؤْمِنِ»[11]. ولا يعنِي ذلِكَ أنْ يكونَ الإنسانُ فاقِدُ الرَّحمَةِ والأحاسيسِ، كلا فَتِلكَ رَحمَةٌ في قُلُوبِ العِبادِ، ولكن بدونِ تَسَخُّطٍ ولا عويلٍ ولا اعتراضٍ على قَدَرِ اللهِ تعالى، فِي الصَّحِيحَينِ: أنَّ النَّبِيَّ لَـمَّا دَخَلَ عَلَى ابنِهِ إِبرَاهِيمَ وَهُوَ في سَكَرَاتِ المَوتِ، جَعَلَت عَينَاهُ تَذرِفَانِ، فَقَالَ لَهُ عَبدُ الرَّحمَنِ بن عَوفٍ رضي الله عنه: وَأَنتَ يَا رَسُولَ اللهِ؟! فَقَالَ النَّبيُّ: «إِنَّ العَينَ تَدمَعُ وَالقَلبَ يَحزَنُ، وَلا نَقُولُ إِلاَّ مَا يُرضِي رَبَّنَا، وَإِنَّا بِفِرَاقِكَ يَا إِبرَاهِيمُ لَمَحزُونُونَ» فَقَالَ لَهُ سَعدٌ رضي الله عنه: يَا رَسُولَ اللهِ، مَا هَذَا؟! فَقَالَ: «هَذِهِ رَحمَةٌ جَعَلَهَا اللهُ في قُلُوبِ عِبَادِهِ، وَإِنَّمَا يَرحَمُ اللهُ مِن عِبَادِهِ الرُّحَمَاءَ»[12].
أحد السلف كان أقرع الرأس، أبرص البدن، أعمى العينين، مشلول القدمين واليدين، وكان يقول: (الحمد لله الذي عافاني مما ابتلى به كثيرًا ممن خلق وفضلني تفضيلًا) فَمَرّ بِهِ رجل فقال له: مِمَّ عافاك؟ أعمى وأبرص وأقرع ومشلول. فَمِمَّ عافاك؟ فقال: (ويحك يا رجل! جَعَلَ لي لسانًا ذاكرًا، وقلبًا شاكرًا، وبَدَنًا على البلاء صابرًا !).
فأين الصابرون عند المحن؟ أين الصابرون على أذى الناس؟ أين الصابرون على القيام بالطاعات، واجتناب المعاصي والمنكرات؟ أين الصابرون في زمن الفتن والشهوات؟ أين الصابرون على البلايا والرزيّات؟ روي ابن حجر في الإصابة أن عمران بن حصين رضي الله عنه أصابه مرض أقعده ثلاثين سنة، وما اشتكى حتى إلى أهله، فكانت الملائكة تصافحه وقت السَّحر.
وهذا هو الصّبر الجميل، كما في قوله تعالى على لسان يعقوب عليه السلام ﴿ فَصَبْرٌ جَمِيلٌ ﴾ [يوسف:18]، قال القرطبي: (المراد به الصّبر الّذي لا جزع فيه ولا شكوى)[13]، وقال ابن جريج عن مجاهد إنّ المعنى: (لا أشكو ذلك لأحد)[14]. وقال أبو حيّان: (المعنى: أتجمّل لكم في صبري فلا أعاشركم على كآبة الوجه، وعبوس الجبين، بل على ما كنت عليه معكم من قبل)[15].
قال ابن تيمية: (ذكر اللّه تعالى في كتابه: الصّبر الجميل، والصّفح الجميل، والهجر الجميل. الصّبر الجميل: هو الّذي لا شكوى فيه ولا معه، والصّفح الجميل: هو الّذي لا عتاب معه، والهجر الجميل: هو الّذي لا أذى معه).
فتسلّحوا عباد الله بالصبر، فإنه ضياء في الظلمة، ومُتّكأ عند المحنة، وتذكروا بأنكم في دار ممر وابتلاء، وليست دار مقر وبقاء، ومن أتته مصيبة فليذكر أن الجنة حُفّت بالمكاره، وليذكر صبر النبي وما لاقاه، وهو الأسوة الحسنة لكل مؤمن صابر، وليتذكر أعظم مصيبة حلّت على هذه الأمة، وهي موت النبي محمد ﷺ.
قال عليه الصلاة والسلام: «إذا أصاب أحدَكم مصيبةٌ، فلْيَذكُر مصيبته بي؛ فإنها من أعظم المصائب»[16].
| اصبر لِكُلِّ مُصيبةٍ وَتَجَلَّدِ |
| واعلم بِأنَّ المرءَ غَيرُ مُخَلَّدِ |
| أو مَا تَرى أنَّ المَصَائِبَ جَمَّةٌ |
| وَتَرى المَنِيَّةَ لِلعِبَادِ بِمَرصَدِ |
| مَن لَم يُصب مِمَّن تَرى بِمُصيبةٍ؟ |
| هَذا قَبِيلٌ لَستَ فِيهِ بِأوحَدِ |
| وإذا أَتتكَ مُصيبَةٌ تَشجَي بِها |
| فَاذكُر مُصابَكَ بِالنَّبِيِّ مُحمَّدِ |
اللَّهُمَّ اجعَلْنَا ممَّن إِذَا أُعطِيَ شَكَرَ، وَإِذَا ابتُلِيَ صَبَرَ، وَإِذَا أَذنَبَ استَغفَرَ، آمنَّا باللهِ وتَوكَّلنا عليه.