إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، جعل الصوم جُنّة، وسببًا موصلًا للجنة، ورياضةً للنفوس المطمئنة، وأشهد أن محمدًا عبدُه ورسولُه، أعبد الخلق وأتقاهم، وأكملهم وأزكاهم، الذي كان إذا أقبلت العشـر جدَّ وشدّ المئزر، وأحيا ليلَهُ، وأيقظ أهله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلّم تسليمًا كثيرًا.
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ﴾ [آل عمران:102].
﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا ﴾ [النساء:1].
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا ﴿٧٠﴾ يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا ﴾ [الأحزاب:70-71].
أما بعد:
| جرَتِ السنونُ وقد مضـى العمر |
| والقلبُ لا شكرٌ ولا ذكرُ |
| والغفلةُ الصمّاءُ شاهرةٌ |
| سيفًا به يتصـرّمُ العمرُ |
| حتى متى يا قلب تغرق فيُ |
| لـجَجِ الهوى، إنّ الهوى بحرُ |
| ها قد حباك الله مكرمةً |
| طرقت رحابك هذه العشـرُ |
عباد الله: ها هو شهر رمضان، شهر الإحسان وتلاوة القرآن، وشهر المغفرة والعتق من النيران، يتهيأ للرحيل والزوال، تصرّمت ساعاته، وانقضت لياليه وأيامه كغيرها من الليالي والأيام التي مرت علينا وكأنها أضغاث أحلام، لم نكد نفرح بقدومه حتى صرنا نحزن لانقضائه، ولم نكد نستقبله حتى أصبحنا نودعه.
أيها المسلمون: مضت أكثر أيام شهركم، وانقضت لياليه شاهدة عليكم بما عملتم، وحافظة لما أودعتم، تدعون يوم القيامة يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا، فينادي ربكم سبحانه: «يا عبادي، إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم أوفيكم إياها، فمن وجد خيرًا فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه»[1].
عباد الله: هذا هو شهركم وهذه نهايته، ولربما يكون هذا الشهر آخر شهر يصومه بعضنا، فكم من مستقبل لرمضان لم يستكمله! وكم من مؤمل بعود إليه لم يدركه! وتلك الأيام نداولها بين الناس.
أيها المسلمون: لئن مضى من شهركم الكثير فقد بقي فيه بقية هي خير مما مضى، بقيت من شهركم العشر الأواخر، وإن من رحمة الله بعباده - وهو الغنيُّ عنهم - أن جعل أفضل أيام رمضان آخره، كما جعل أفضل الليل آخره، وكما جعل أفضل ساعات الجمعة آخرها؛ إذ النفوس تنشط عند قُرب النهايات، وتستدرك ما فاتها رغبةً في التعويض.
ولذا كان رسول الله ﷺ يحتفي بالعشر الأواخر احتفاءً عظيمًا، ويعظّمها تعظيمًا جليلًا، ويُوليها عنايةً خاصة، ويجتهد فيها ما لا يجتهد في غيرها، ويزيد فيها من العبادة ما لا يزيد فيما سواها من أيام وليالي الشهر، تقول عائشة رضي الله عنها: «كان رسول الله إذا دخل العشـر شد مئزره، وأحيا ليله، وأيقظ أهله»[2]. وكانت تقول رضي الله عنها كما عند مسلم: «كان يجتهد في العشر ما لا يجتهد في غيرها»[3].
عباد الله: ومن بعده عليه الصلاة والسلام سارت قوافل الصالحين المقربين على الطريق ذاته، تقف عند العشر وقفة جد وصرامة، تنهل من معينها، وترتوي من فيض عطاءاتها، وتعمل فيها ما لا تعمل في غيرها، فلقد كان السلف الصالح من أسرع الناس امتثالًا واتباعًا للنبي في اغتنام العشر، فكان كثير منهم يجتهدون في ليالي العشر اجتهادًا عظيمًا، قال أبو عثمان: (كانوا يعظمون ثلاث عشـرات: العشـر الأول من محرم، والعشـر الأول من ذي الحجة، والعشر الأواخر من رمضان).
وكان قتادة رحمه الله يختم القرآن في كل سبع ليال مرة، فإذا دخل رمضان ختم في كل ثلاث ليال مرة، فإذا دخلت العشر ختم في كل ليلة مرة.
ومن شدة تعظيمهم لهذه الأيام كانوا يتطيبون لها ويتزينون، وكان بعضهم يغتسل كل ليلة ليكون أنشط له في العبادة، ويتطيب ويلبس أحسن ثيابه ليخلو في محرابه يدعو الله ويعبده وهو في أكمل هيئة وأبهى صورة. قال ابن جرير: (كانوا يستحبون أن يغتسلوا كل ليلة من ليالي العشر الأواخر، وكان النخعي يغتسل كل ليلة).
ومنهم من كان يغتسل ويتطيب في الليالي التي تكون أرجى لليلة القدر، فقد روي عن أنس بن مالك رضي الله عنه أنه إذا كان ليلة أربع وعشرين اغتسل وتطيب ولبس حلة إزار ورداء، فإذا أصبح طواهما فلم يلبسهما إلى مثلها من قابل. وكان أيوب السختياني يغتسل ليلة ثلاث وعشرين وأربع وعشرين ويلبس ثوبين جديدين ويستجمر. وكان ثابت البناني وحميد الطويل يلبسان أحسن ثيابهما ويتطيبان ويطيبان المسجد في الليلة التي ترجى فيها ليلة القدر! قال ثابت: (وكان لتميم الداري حلة اشتراها بألف درهم وكان يلبسها في الليلة التي ترجى فيها ليلة القدر).
هكذا كانوا تعظيما لهذه العشـر، وهكذا كانوا اجتهادا في العبادة وانقطاعا لها في هذه الليالي المباركات.
عباد الله: ولقد كان نبيكم ﷺ لشدة عنايته باستغلال هذه العشـر الأواخر من رمضان يحرص على الاعتكاف فيها، وهو لزوم المسجد لطاعة الله عز وجل، فاعتكف العشر الأواخر من رمضان حتى توفاه الله تعالى، ثم اعتكف أزواجه من بعده.
أيها المسلمون: الاعتكاف سُنّة متبوعة، وفضيلة مشـروعة، والمعتكف ذكر الله أنيسه، والقرآن جليسه، والصلاة راحته، ومناجاة الحبيب متعته، والدعاء والتضـرع لذته، إذا أوى الناس إلى بيوتهم وأهليهم ورجعوا إلى أموالهم وأولادهم لازم هذا المعتكف بيت ربه، وحبس من أجله نفسه، يقف عند أعتابه يرجو رحمته ويخشى عذابه، تقول عائشة رضي الله عنها: «السنة للمعتكف أن لا يخرج إلا لحاجته التي لا بد منها، ولا يعود مريضًا، ولا يمس امرأته، ولا اعتكاف إلا في مسجد جماعة، والسنة لمن اعتكف أن يصوم» اهـ. ويقول ابن القيم رحمه الله تعالى: (شرع الله الاعتكاف الذي مقصوده وروحه: عكوف القلب على الله تعالى والخلوة به والانقطاع عن الاشتغال بالخلق، والاشتغال به وحده سبحانه، فيصير أنسه بالله بدلًا من أنسه بالخلق، فيعده بذلك لأنسه يوم الوحشة في القبور حيث لا أنس له يفرح به سواه، فهذا مقصود الاعتكاف الأعظم). اللهم وفقنا لاغتنام الخيرات، وضاعف لنا الدرجات.
أقول ما تسمعون، وأستغفر الله لي ولكم من كل ذنب، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
الحمد لله رب العالمين، ولا عدوان إلا على الظالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء وأشرف المرسلين، محمد بن عبد الله الصادق الأمين، وعلى آله وأصحابه أجمعين، وبعد:
عباد الله: إن مما يزيد العشر الأواخر فضلًا وبركة أن فيها ليلة القدر، وهي ليلة عظيمة وشريفة تعدل عبادتها ثلاثًا وثمانين سنة وأربعة أشهر، هي دُرّة الليالي، وواسطة العقد، وهي خير ليالي السنة ومكانها في ليالي العشر الأواخر من رمضان كمكان يوم عرفة - الذي هو خير أيام السنة - من أيام العشر الأُوَل من ذي الحجة، ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: «من قام ليلة القدر إيمانًا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه»[4]. قال الإمام مالك رحمه الله: (بلغني أن رسول الله أُري أعمار الناس قبله، أو ما شاء الله من ذلك، فكأنه تقاصر أعمار أمته أن لا يبلغوا من العمل مثل الذي بلغه غيرهم في طول العمر، فأعطاه الله ليلة القدر خيرًا من ألف شهر).
أيها الأحبة إن من الخُذلان تضييع هذه المواسم والأزمان، وتفويت هذه الليالي والأيام، وليت شعري إن لم نغتنم هذه الأيام فأيَّ موسم نغتنم؟ وإن لم نُفرِّغ الوقت الآن للعبادة فأيَّ وقت سنفرّغه لها؟
سبحان الله! أيُّ غبنٍ وخذلان أن تُهجَرُ المساجد وتُعمر الأسواق في أعظم ليالي السنة وأفضلها، بل وفي الساعة الشريفة التي ينزل فيها ربنا تبارك وتعالى إلى السماء الدنيا ليعطي السائلين، ويغفر للمذنبين، ويتوب على التائبين المنيبين، في الثلث الأخير من الليل!
أيها المسلمون: إن ليلة القدر تُطلب في أوتار العشر الأواخر من رمضان، فإن ضعف العبد أو عجز عن قيام العشر كلها فلا يُغلبَنَّ على السبع الأواخر، لما روى ابن عمر رضي الله عنه قال: قال: رسول الله «التمسوها في العشر الأواخر يعني: ليلة القدر، فإن ضعف أحدكم أو عجز، فلا يُغلبن على السبع البواقي»[5].
فاجتهدوا رحمكم الله في هذه البواقي من ليالي الشهر، أحيوها بالعبادة، وأكثروا فيها من الصلاة والأذكار والدعاء والاستغفار وتلاوة القرآن، كما كان نبيكم يفعل، وقد قالت عائشة رضي الله عنها: يا رسول الله، أرأيت إن علمتُ أي ليلةٍ ليلةُ القدر ما أقول فيها؟ قال: «قولي: اللهم إنك عفو كريم تحب العفو فاعف عني»[6].
عباد الله: ليلة القدر يفتح فيها الباب، ويقرب فيها الأحباب، يسمع الخطاب، ويرد الجواب، ليلة ذاهبة عنكم بأفعالكم، وقادمة عليكم غدًا بأعمالكم، فيا ليت شعري ماذا أودعتموها؟! وبأي الأعمال ودّعتموها؟! أتراها ترحل حامدة لصنيعكم أم ذامة تضييعكم؟!
| هذا أوان السباق فأين المتسابقون؟! |
| وهذا أوان القيام فأين القائمون؟! |
| تَرَحَّلَ الشَّهْرُ وَا لهْفاهُ وانصَـرَما |
| واخْتَصَّ بالفَوْزِ في الجَنَّاتِ مَنْ خَدَما |
| وَأَصْبحَ الغافِلُ المسكينُ مُنكَسِـرًا |
| مِثْلي فيا وَيْحَهُ يا عظمَ ما حُرِمَا |
| مَن فاتَهُ الزَّرْعُ في وقْتِ البذارِ فما |
| تَراهُ يَحْصدُ إلَّا الهمَّ والنَّدَما |
أيها المسلمون: كفى تقصيرًا وغفلة واتباعًا للهوى، كفى إعراضًا عن ذكر الله وشكره، فقد انقضى الثلثان من شهر رمضان كلمح البصر، ولكن بقي الثلث، والثلث كثير أو كبير.
أخي الحبيب: إنها والله لنعمة كبرى أن تفضل الله عليك ومدَّ في عمرك حتى بلغت هذه العشر المباركة، وإن من تمام شكر هذه النعمة أن تغتنمها بالاستكثار من الأعمال الصالحة.
تذكَّر أنها عشرُ ليالٍ فقط تمرُّ كطيف خيالٍ في المنام، ثم تنقضي كلمح البصر ولا تعود إلا بعد عام، لا تدري ما الله صانعٌ فيه، ولا تدري على من تعود!
فليكن همُّك فيما بقي من ليالي هذا الشهر المبارك أن تُرِيَ الله من نفسك خيرًا، بالاجتهاد في الطاعات، وعدم تفويت هذه الساعات، استعن بالله وكن عونًا لمن حولك ومن هم تحت يدك على القيام والتلاوة وذكر الله تعالى، يقول سفيان الثوري: (أحب إليّ إذا دخل العشـر الأواخر أن يجتهد بالليل، ويُنهض أهله وولده إلى الصلاة إن أطاقوا ذلك). وقال ابن رجب رحمه الله: (لم يكن النبي ﷺ إذا بقي من رمضان عشـرة أيام يدع أحدا من أهله يطيق القيام إلا أقامه).
فأنزلوا هذه الليالي منزلتها، واقدروها حق قدرها، وأحيوها في مساجدكم وفي بيوتكم، وتهيأوا لها وفرّغوا لها أوقاتكم، لعلها أن تترك أثرًا طيبًا على ذريتكم وأهليكم، ولا تجعلوها كغيرها من سائر الليالي، فإن لها عند الله تعالى شأنًا عظيمًا، وإن التقرب إلى الله تعالى فيها بالطاعة أكبر فضلًا وأعظم أجرًا، فالمحروم من حُرِمَ خيرها وبركتها.. جعلنا الله ممن يوفق فينال ثوابها، ويحوز بركتها.
هذا وصلُّوا وسلّموا على البشير النذير، والسـراج المنير، محمد صاحب الوجه الأنور، والجبين الأزهر.