حجم الخط:

الـمسيح الدجال

الخطبة الأولى:

الحمد لله الذي حكم بزوال هذه الدار، وأمر بأخذ العدة لدار القرار، وأشهد أن لا إله إلا الله الواحد القهار، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله المختار، صَلَّى اللهُ وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه الأبرار.

أما بعد:

فاتقوا الله -يا عباد الله- واتقوا يومًا ترجعون فيه إلى الله، وحاسبوا أنفسكم عند وداع عامكم، وتوبوا إلى ربكم توبة نصوحًا، ومن كان منكم أحسن فيما مضى من أيامه، فليحمد الله على ذلك، ويستمر عليه إلى الممات، ومن كان مفرطًا في شيءٍ من الواجبات، أو مرتكبًا لشيء من المحرمات فليتب إلى ربه، ويندم على فعله، ويقلع عن معصيته، ويعزم على ألا يعود إليها في مستقبل أيامه وأعوامه.

عباد الله: إن أهم ما ينبغي للمسلم أن يعنى به من أمور دينه: أمور العقيدة، خصوصًا الغيبيات، لأنها تدخل في قوله جل وعلا: ﴿ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ [البقرة:3]، فمن عقيدة أهل السنة والجماعة: الإيمان بأشراط الساعة الكبرى، ومن أشدها وأعظمها خروج المسيح الدجال آخر الزمان كما أشار إلى ذلك القرآن، وأخبر به المصطفى ﷺ.

والدجال هو مسيح الضلالة، يفتن الناس بما أعطاه الله من الآيات كإنزال المطر، وإحياء الأرض بالنبات وغيرها من الخوارق، وسمي المسيح الدجال بالمسيح لأنه ممسوح إحدى العينين، أو لأنه يمسح الأرض في أربعين يومًا.

وسمي بالدجال: لأنه يغطي الحق بالباطل، بتمويهه بالكذب، وهو رجل من بني آدم، له صفات كثيرة، جاءت في السنة لتعريف الناس به، وتحذيرهم من شره، حتى إذا خرج عرفه المؤمنون، فلا يفتنون به، ومن هذه الصفات أنه رجل شاب، أحمر قصير أفحج، جعد الرأس، أجلى الجبهة، عريض النحر، ممسوح العين اليمنى، وهذه العين ليست بناتئة ولا جحراء، كأنها عنبة طافية، وعينه اليسرى عليها ظفرة غليظة، مكتوب بين عينيه (ك ف ر) بالحروف المقطعة، أو (كافر) بدون تقطيع، يقرؤها كل مسلم كاتب وغير كاتب. ومن صفاته أنه عقيم لا يولد.

وهذه الكتابة التي بين عينيه حقيقية على ظاهرها، ولا إشكال في رؤية بعض الناس لهذه الكتابة دون بعض، وكذلك قراءة الأمي لها، قال ابن حجر رحمه الله: (وذلك أن الإدراك في البصر يخلقه الله للعبد كيف شاء ومتى شاء، فهذا يراه المؤمن بعين بصره، وإن كان لا يعرف الكتابة، فيخرق الله للمؤمن الإدراك دون تعلم، لأن ذلك الزمن تخرق فيه العادات).

أيها المؤمنون: إن فتنة الدجال فتنة عظيمة، أخرج مسلم في صحيحه من حديث عمران بن الحصين قال رسول الله ﷺ: «ما بين خلق آدم إلى قيام الساعة خلق أكبر من الدجال»[1].

ولقد أمر المصطفى ﷺ الناس بالاستعاذة من فتنته في دبر كل صلاة، أخرج مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة قال رسول الله ﷺ: «إذا تشهد أحدكم فليستعذ بالله من أربع؛ يقول: اللهم إني أعوذ بك من عذاب جهنم، ومن عذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات، ومن شر فتنة المسيح الدجال»[2].

ولقد حذّر المصطفى ﷺ أصحابه وأمته من فتنة الدجال، بل لقد حذّر منه كل نبي، وذلك لعظيم فتنته؛ أخرج البخاري ومسلم من حديث أنس بن مالك قال رسول الله ﷺ: «ما من نبي إلا وحذّر أمته الأعور الكذاب»[3].

وأخرج البخاري ومسلم من حديث عبد الله بن عمر قال: قام النبي ﷺ في الناس فأثنى على الله بما هو أهله، ثم ذكر الدجال فقال: «إني لأنذركموه، وما من نبي إلا وقد أنذره قومه، ولكني سأقول لكم فيه قولًا لم يقله نبي لقومه: إنه أعور، وإن ربكم ليس بأعور»[4].

ولقد كان السلف يحذرون منه ويعلمون أولادهم الاستعاذة منه، قال الإمام السفاريني رحمه الله: (مما ينبغي لكل عالم أن يبث أحاديث الدجال بين الأولاد والنساء والرجال، ولا سيما في زماننا هذا الذي اشرأبت منه الفتن وكثرت فيه المحن، واندرست فيه معالم السنة، وصارت السنة فيه كالبدع، والبدع شرع يبتع).

أيها المسلمون: إن بين يدي خروج الدجال علامات تدل على قرب خروجه، جاءت موضحة في السنة، فمن ذلك: أن تنقطع ثمرة نخل بيسان، وبيسان مدينة بالأردن.

ومنها: أن يذهب ماء بحيرة طبرية، ومنها: ذهاب ماء عين زغر، وهي عين بين الحجاز وبيت المقدس، ومنها: انتصار النبي ﷺ وظهوره على العرب، وهذه العلامات منها ما قد تم، ومنها ما بقي، وهذا يدل على أن وقت خروجه قد اقترب.

ولقد أوضحت السنة بعض أعماله ومقدار لبثه بعد خروجه، أخرج مسلم في صحيحه من حديث النواس بن سمعان رضي الله عنه أن الصحابة سألوا رسول الله ﷺ عن الدجال فقالوا: وما لبثه في الأرض؟! قال: «أربعون يومًا، يوم كسنة، ويوم كشهر، ويوم كجمعة، وسائر أيامه كأيامكم»، قالوا: وما إسراعه في الأرض؟! قال: «كالغيث إذا استدبرته الريح، فيأتي على القوم فيدعوهم فيستجيبون له، فيأمر السماء فتمطر والأرض فتنبت...». حتى قال: «ويأتي على القوم فيدعوهم فيردون عليه ما قال، فينصرف عنهم فيصبحون ممحلين ليس بأيديهم شيء من أموالهم، ويمر بالخربة فيقول: أخرجي كنوزك فتتبعه كيعاسيب النحل»[5].

أخرج مسلم في صحيحه من حديث حذيفة قال رسول الله ﷺ: «لأنا أعلم بما مع الدجال منه، معه نهران يجريان، أحدهما رأي العين ماء أبيض، والآخر رأي العين نار تتأجج».

اللهم أعذنا من فتنة المسيح الدجال، ومن جميع الفتن ما ظهر منها وما بطن.

الخطبة الثانية:

أيها المؤمنون: لقد كان الدجال حيًّا في زمن النبي ﷺ موثقًا بالحديد في إحدى جزر البحر من قبل المشـرق، كما جاء ذلك في حديث فاطمة بنت قيس في صحيح مسلم من كلام تميم الداري.

واختلف الصحابة ومن بعدهم في صافي بن صياد هل هو الدجال، والصواب أنه دجال من الدجاجلة، وليس بالدجال الأكبر المشهور.

قال ابن تيمية رحمه الله: (إن ابن صياد قد أشكل على بعض الصحابة، فظنوه الدجال، وتوقف فيه النبي ﷺ حتى تبين له فيما بعد أنه ليس هو الدجال، وإنما هو من جنس الكهان، أصحاب الأحوال الشيطانية).

وقال ابن كثير رحمه الله: (والمقصود أن ابن صياد ليس بالدجال الذي يخرج في آخر الزمان قطعًا؛ لحديث فاطمة بنت قيس الفهرية -وفي حديث الجساسة- فهو فيصل في هذا المقام).

أما مكان خروج الدجال فهو من جهة المشرق من خراسان، من يهودية أصبهان، ثم يسير في الأرض فلا يترك بلدًا إلا دخلها إلا مكة والمدينة، فتحرسها الملائكة فلا يستطيع دخولها، أخرج الترمذي من حديث أبي بكر الصديق قال حدثنا رسول الله ﷺ قال: «الدجال يخرج من أرض بالمشرق يقال لها خراسان»[6].

وأخرج الإمام أحمد من حديث أنس قال رسول الله ﷺ: «يخرج الدجال من يهودية أصبهان معه سبعون ألفًا من اليهود»[7]، قال ابن كثير: (فيكون بدء ظهوره من أصبهان من حارة يقال لها: اليهودية).

وأكثر أتباع الدجال من اليهود والعجم والترك، وأخلاط من الناس غالبهم الأعراب والنساء، أخرج مسلم في صحيحه من حديث أنس قال رسول الله ﷺ: «يتبع الدجال من يهود أصبهان سبعون ألفًا عليهم الطيالسة»[8].

ثم إنه لا يزال يعيث في الأرض فسادًا حتى ينزل عيسى ابن مريم عليه السلام فيقتله بباب لد، وهي بلدة في فلسطين قرب بيت المقدس، أخرج مسلم من حديث النواس بن سمعان الطويل في الدجال، وقال فيه: «فيطلبه حتى يدركه بباب لد فيقتله»[9].

أيها المسلمون: لقد أرشد الله النبي ﷺ أمته إلى ما يعصمها من فتنة المسيح الدجال، فما من خير إلا ودل الأمة عليه، وما من شر إلا حذرها منه، صلوات ربي وسلامه عليه.

فأول واقٍ -بإذن الله- من الدجال وفتنته: التمسك بالإسلام، والتسلح بسلاح الإيمان، ومعرفة أسماء الله وصفاته الحسنى التي لا يشاركه فيها أحد، واتباع السنة في جميع الأمور.

ومنها: التعوذ بالله من فتنة المسيح الدجال وخاصة في الصلاة، كما سبق بيانه.

ومنها: حفظ فواتح سورة الكهف، العشر الآيات الأول منها، كما روى ذلك مسلم في صحيحه من حديث النواس وفيه: «من أدركه فليقرأ عليه فواتح سورة الكهف»[10]، قال الثوري: سبب ذلك ما في أولها من العجائب والآيات التي مَنْ تدبرها لم يفتتن بالدجال.

ومنها: الفرار منه عند السماع بخروجه وعدم الذهاب إليه، أخرج الإمام أحمد من حديث عمران بن الحصين قال رسول الله ﷺ: «من سمع بالدجال فلينأ عنه، فوالله إن الرجل ليأتيه وهو يحسب أنه مؤمن، فيتبعه مما يبعث به من الشبهات»[11].

أيها المؤمنون: إن فتنة الدجال من أعظم الفتن التي تمر بالناس، فعلى اللبيب العناية بها ومعرفتها للخلاص منها، وكثرة الدعاء والاستعاذة بالله تعالى من شرها، في أدبار الصلوات، وفي كل وقت وحين، فإنه لا معصوم إلا من عصمه الله وثبته.

اللهم إنا نعوذ بك من عذاب جهنم، ومن عذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات، ومن فتنة المسيح الدجال. اللهم أعذنا من الفتن ما ظهر منها وما بطن...

صاحب هذه الخطبة

الشيخ / خالد بن عبد الله الشايع

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة