حجم الخط:

تعظيم القرآن الكريم

الخطبة الأولى:

الحمد لله الذي لم يزل بالمعروف معروفا، وبالكرم والإحسان موصوفًا، أحمده سبحانه وأشكره، كل يوم هو في شأن، ييسر عسيرًا ويجبر كسيرًا، ويغفر ذنوبًا ويستر عيوبًا، ويكشف كروبًا، ويدفع خطوبًا، ويغيث ملهوفًا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادةً خالصةً لمن فطر السماوات والأرض حنيفًا، وأشهد أن نبينا محمدًا عبد الله ورسوله، جعله الله صادقًا أمينًا شريفًا عفيفًا، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه، صلاةً وسلامًا تزيدهم تفضيلًا وتكريمًا وتشريفًا.

أما بعد: فأوصيكم ونفسـي بتقوى الله، قال الله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102].

أيها الناس: كانتِ البشريّةُ تعِيش في ظلامٍ دامِس ولَيل بهيمٍ، لعِبت بعقولِها انحرافاتٌ وخُرافات، حتى أكرَم الله هذه البَشريّةَ وأنزل علَيها القرآن؛ ليخرِجَها من الظلمات إلى النّور ومِن الخضوعِ للأوثان والأصنامِ إلى خضوعٍ كامِل للواحِد الديّان.

أنزل الله القرآنَ معجزةً خالِدة، وتحدَّى به الثّقلَين، فأذعَن لفصاحَتِه بلَغاؤُهم، وانقاد لحُكمِه حُكَمَاؤهم، وانبَهَر بأسرَارِه علماؤهم، وانقطَعَت حُجَج معارِضيه، وظهَر عَجزُهم، كيف لا وهو كلام الحكيمِ الخبير الذي لا يطاوِله كلام ولا يجاريه أسلوب؟! قولُ إيجازٍ وآياتُ إعجاز.

يسَّر ذكرَه للذاكرين، وسهَّل حِفظَه للدّارسين، فهو للقلوبِ ربيعُها وللأبصارِ ضياؤها، جعَله الله نورًا، وإلى النّور يهدِي، حقًّا وإلى الحقِّ يرشِد، وصِراطًا مستقيمًا ينتهي بسالِكيه إلى جنّةِ الخلد، لا تملُّه القُلوبُ، لا تتعَب من تلاوته، لاَ يخلَق معَ كثرةِ التّرداد.

القرآن دليلُ دربِ المسلمين، دُستور حياةِ المؤمِنين، هو كلِّيّةُ الشريعة، عَمود الملّةِ، ينبوع الحكمة، آيَة الرِّسالة، نور الأبصار والبصائر، لا طَريقَ إلى الله سواه، ولاَ نجاةَ بغَيره، وإذا كانَ كذلك لزِم مَن رامَ الهدَى والنّورَ والسعادة في الدّارين أَن يتَّخِذه سَميرَه وأنيسَه، وأن يجعلَه جليسَه على مرِّ الأيّام واللّيالي، نَظرًا وعمَلًا، لا اقتصارًا على أَحدِهما، فيوشِك أن يَفوزَ بالبُغيةِ، وأن يَظفرَ بالطّلبَة، ويجِد نفسَه معَ السّابقين وفي الرَّعيل الأوّل.

الجيلُ الأوّل في صدرِ الإسلام ساروا على نهج القرآن، فأصبَحوا خيرَ أمّةٍ أخرِجَت للناس، لم يكُن القرآن عندَهم محفوظًا في السّطور، بل كان مَكنونًا في الصّدور ومحفوظًا في الأخلاقِ والأعمال، يَسير أحدُهم في الأرضِ وهو يحمِل أخلاقَ القرآن وآدابَه ومبادِئَه.

شَهِد الأعداء بعظمةِ القرآنِ وسموِّ معانيه، فقد أتَى الوليد بن المغيرةِ مرةً إلى الرسولِ يقول: يا محمّد، اقرَأ عليّ القرآنَ، فيقرَأ عليه الصلاة والسلام: ﴿ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ ۚ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ [النحل:90]، ولم يكَد يَفرغ الرسولُ مِن تلاوتها حتّى يطالِب الخَصمُ الألَدّ بإعادَتها لجلالةِ لفظِها وقدسيّه معانيها، مأخوذًا برَصانَة بنيانها، مجذوبًا بقوّةِ تأثيرها، ولم يَلبَث أن يسجِّل اعتِرافَه بعظمةِ القرآن قائلًا: والله، إنَّ لَه لحلاوةً، وإنّ عَليه لطَلاوَة، وإنّ أسفَلَه لمورِقٌ، وإنَّ أعلاَه لمثمِر، وما يقول هذا بشر.

يخبِر الربُّ تبارك وتعالى عن عَظمةِ القرآنِ وجَلاله، وأنّه لو خوطِب به صُمُّ الجبال لتصدَّعت من خَشيةِ الله: ﴿ لَوْ أَنْزَلْنَا هَٰذَا الْقُرْآنَ عَلَىٰ جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ [الحشر:21].

في إِحدَى غزَوات النّبيِّ قام رَجلٌ من المهاجرِين ورَجلٌ مِنَ الأنصارِ بالحراسةِ ليلًا، فاضطَجَع المهاجريّ وقام الأنصاريّ يصلِّي، فجاءَ رجلٌ من العدوّ، فلمّا رأَى الأنصاريَّ رماه بسهمٍ فأصابَه، فنزعَه الأنصاريّ، حتى رماه بثلاثةِ أَسهُم، ثم ركَع وسجَد، فانتبَه صاحبُه، وهرَب الرجل، ولما رأَى المهاجريّ ما بالأنصاريّ من الدّم قال: سبحان الله! ألاَ نبَّهتَني أوّلَ ما رمَى؟! قال: «كنتُ في سورةٍ أقرَؤها، فلم أحِبّ أن أقطَعَها»[1].

أيها المسلمون.. إنّ الكلامَ يعظُم بعِظَم قائله، فكيف إذا كانَ المتكلِّم هو الله جبّار السماوات والأرضِ؟! ﴿ ذَٰلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ [الحج:32].

وعنوانُ الشعائر الإلهيّة هو القرآنُ العظيم الذي لا يأتيهِ الباطلُ من بين يدَيه ولا مِن خلفه. هو عظيمٌ عندَ الله، وهو في اللوحِ المحفوظ،﴿ وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ [الزخرف:4]. قال ابن كثير في معنى الآية: (بيَّن شرَفَه في الملأ الأعلَى ليشـرِّفَه ويُعظِّمَه ويطيعَه أهلُ الأرضِ).

وإنَّ تعظيمَ كلامِ الله تعظيمٌ لله، قال النوويّ رحمه الله في التبيان: (أجمع المسلِمون على وجوبِ تعظيمِ القرآنِ العزيزِ على الإطلاقِ وتنزِيهِه وصِيانتِه)، قال القاضي عياض رحمه الله: (من استخفَّ بالقرآن أو بالمصحَف أو بِشيءٍ منه فهو كافِرٌ بإجماعِ المسلِمين).

يعظم كتابُ اللهِ بحُسنِ التلاوة وتصديقِ الأخبارِ وامتثال الأوامِر واجتِنابِ النّواهي وبما شرَعَ الله لكم أن تعَظِّموه به.

إنَّ تعظيمَ كلام الله لَيس بتَزيينِه وتفخِيمِ طِباعته وكاتبتِه، وليسَ بتعليقِه على جُدرانِ البيوت، وليس بقراءتِه على الأمواتِ، بل بإقامةِ حروفِه وحدودِه وتعظيمِ شأنِه والسَّير على منهاجِه، ﴿ كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ [ص:29].

ومِن تعظيم كتابِ الله أن لاَ يقرَأَه الإنسانُ وهو جنُب، وأن لا يمَسَّ المصحفَ إلاّ على طَهارة؛ لأنَّ النبيَّ كتَب إلى عمرو بن حزم أن لا يمسَّ القرآنَ إلاّ طاهِر[2].

ومِن تعظيم القرآن أنّه لا يجوزُ الكلامُ فيه بِغير عِلم، يقول الإمام النوويّ رحمه الله: (ويحرُم تفسيرُه بغيرِ علمٍ والكلامُ في معانيه لمن لَيس من أهلِها، والأحاديثُ في ذلك كثيرةٌ، والإجماعُ منعقِد عليه، أمّا تفسيره للعلماء فجائِزٌ حسَن، والإجماع منعقِد عليه).

مِن تعظيم القرآن الكريم: تركُ تفسيره بالظنِّ، أخرَج أحمد والترمذيّ وحسَّنه عن سَعيد بن جبير عن ابنِ عباسٍ رضي الله عنه عن النّبيِّ قال: «اتَّقوا الحدِيثَ عنّي إلاّ ما علِمتم، فمن كذَب عليَّ متعمِّدًا فليتَبوَّأ مقعدَه من النار، ومَن قال في القرآنِ برأيِه فليتبوَّأ مقعدَه من النار»[3].

من تعظيمه إحضارُ القارئِ قلبَه في القراءة والتفكّرُ فيها، روَى البخاريّ عن أبي سعيدٍ الخدريّ رضي الله عنه أنه قال: سَمعت رسول الله يقول: «يخرُج فيكم قومٌ تحقِرون صلاتَكم مَع صلاتهم، وصِيامَكم معَ صِيامهم، وعمَلَكم مع عَملِهم، يقرؤونَ القرآنَ لا يجاوز حَناجِرَهم، يمرُقون من الدّين كما يمرُق السّهمُ من الرميّة»[4].

من تعظيمِ القرآن التسوك وتنظيفُ الفم لأجلِ القراءة بالسِّواك والمضمَضة، روى البخاريّ عن أبي هريرة رضي الله عنه أنَّ رسول الله قال: «لولاَ أن أشقَّ على أمّتي - أو على الناس - لأمَرتهم بالسّواك مع كلِّ صلاة»[5]، وظاهِرُ هذا أنّه كان يفعَل هذا للصّلاة وقِراءةِ القرآن.

مِن تعظيمه كراهيةُ قَطع القراءةِ لكلام الناس، فلا يَنبغي أن يؤثِرَ كلام الناس على قراءةِ القرآن، روَى البخاريّ عَن نافع قال: (كان ابن عمر رضي الله عنهما إذا قرَأ القرآنَ لم يتكلَّم حتّى يفرغَ منه).

ومِن تعظيم القرآن أيها الأحبة.. تلقِّيه من العدولِ العلماء بما أخَذوا وبما يؤدُّونَه، روى مسلم عن أنس بن مالك رضي الله عنه أنَّ رسول الله قالَ لأبيّ: «إنَّ اللهَ أمرني أن أقرَأ عليك القرآنَ»، قال: الله سماّني لك؟! قال: «الله سمّاك لي»، قال: فجعل أبيّ يبكِي[6].

ومِن تعظيمه تركُ المماراةِ في القرآنِ، روَى البخاريّ عن جندب بن عبد الله عنِ النبيِّ قال: «اقرؤوا القرآنَ ما ائتلَفَت قلوبكم، فإذا اختلفتُم فقوموا عنه»[7]، وروى مسلم عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنه قال: هَجَّرتُ -أي: بكّرتُ- إلى رسول الله يومًا قال: فسمع أصواتَ رجلَين اختلَفا في آيةٍ، فخرج عَلينا رسول الله يُعرَف في وجهه الغضبُ فقال: «إنما هلَك من كان قبلَكم باختِلافِهم في الكِتاب»[8].

ومِن تعظيمِه عدمُ السّفر بالقرآنِ إلى أرضِ العدوّ، روى البخاريّ ومسلِم عن عبد الله بن عمر قالَ: نهى رسول الله أن يُسافرَ بالقرآنِ إلى أرضِ العدوّ[9]، وروى مسلم عَن أيّوب عن نافعٍ عن ابنِ عمرَ رضي الله عنهما قال: قال رسول الله: «لا تُسافروا بالقرآن؛ فإني لا آمَن أن يَنالَه العدوّ»[10]، قال أيّوب: (فقد نالَه العدوّ وخاصموكُم به). قال النوويّ في شرح مسلم: (النهيُ عن المسَافرةِ بالمصحَفِ مخافةَ أن يَنالَه العدوّ فينتهِكوا حرمتَه، فإذا أُمنَت العِلّة فلا كراهةَ ولا مَنعَ منه).

ومِن تعظيمه: تركُ استِئكالِ الأموالِ بالقرآن، روَى الترمذيّ وقال: (حديث حسَن) عن عمران بن حصينٍ أنّه مرَّ على قاصٍّ يقرأ ثم سَأل، فاسترجَع ثم قال: سمعتُ رسولَ الله: «من قَرأ القرآنَ فليَسألِ الله به، فإنّه سيجيءُ أقوامٌ يقرؤونَ القرآنَ يسأَلون به النّاس»[11]، وروى البخاريّ ومسلم عن عليٍّ رضي الله عنه قال: سمعت رسولَ الله يقول: «يأتي في آخرِ الزّمان قومٌ حُدَثاء الأَسنان سُفَهاءُ الأحلام، يقولون من خيرِ قول البريّة، يمرُقون من الإسلام كما يمرق السّهمُ من الرّميّة، لا يجاوز إيمانُهم حنَاجِرَهم، فأينَما لقِيتموهُم فاقتلوهم، فإنَّ قتلَهم أجرٌ لمَن قتلَهم يومَ القيامة»[12].

والمعنى: سيظهَر في زمَنِكم قومٌ يكثِرون من العبادةِ، ولكن رياءً وسمعَة، وهم بَعيدون عن الدّين كالسَّهم إذا نفَذ من مرمَاه بسرعةٍ، فينظر الرامي في النَّصل والقدح والرّيش، فلا يرى فيها أثرًا للإصابة، قومٌ أصابَتهم فِتنةٌ فعَموا وصمّوا.

قِراءةُ القرآنِ رياءً لا أَجرَ فيها، فقِراءةُ القرآن لا تكون إلا للإيمانِ والعمل به لله تَعالى، قالَ الله تعالى: ﴿ إِنَّ هَٰذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا [الإسراء:9].

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفَعني وإيّاكم بما فيهِ مِن الآيات والذكر الحكيم، أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم ولسائر المسلمين من كلّ ذنب فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية:

الحمد لله وكفى، وسلامٌ على عِباده الذين اصطفى، أحمده سبحانَه وأشكره، وأشهد أن لا إلهَ إلا الله وحدَه لا شريك له له الأسماء الحسنى والصّفات العلا، وأشهد أنّ سيّدنا ونبيَّنا محمّدًا عبده ورسوله، صلّى الله عليه وعلى آله وصحبِه ومن اقتفى.

أما بعد: فأوصيكم ونفسي بتقوى الله.

ومِن تعظيمِ القرآن المحافظةُ على الكُتبِ العامّة والكتب المدرسيّة والصّحُف التي تشتمِل على آياتٍ من القرآنِ الكريمِ في غِلافها أو داخِلها، لكنَّ بعضَ المسلمين حينما يقرؤون تلك الكتُب والصّحفَ يُلقيها، فتجمَع مع القمائم وتوطَأ بالأقدام، بل قد يستَعمِلها بعضهم سُفرةً لطعامه ثم يرمِي بها في النفايات مع النّجاسات والقاذورات، ولا شكَّ أن هذا امتهانٌ لكتابِ الله العظيم وكلامِه المبين.

ومِن تعظيم كلام الله أن يُرفَعَ فلا يوضَع في الأرض، لا سيما في الأرض التي ليسَت محتَرَمة، فإنَّ وضعَه في أرضٍ ليست محترمَةً يدلّ على عَدمِ مُبالاة الواضِع به، وإذا كان الإنسانُ يقرَأ في مصحَفٍ وهو في المسجِد أو في بيته ثم أراد السّجودَ ووضَعه بين يديه فإنَّ هذا لا بأسَ به ولا إِهانةَ فيه للقرآن.

ومِن تعظيمِ القرآن أن لا تمدَّ إليه رجلَيك، وأن لا تولّيَه ظهرَك.

يقول عمَر رضي الله عنه كما في صحيح البخاري: سمعتُ هشامَ بن حكيم بن حِزام يقرأ سورةَ الفرقان في حياةِ رسولِ الله، فاستَمعتُ لقراءته، فإذا هو يقرأ على حروفٍ كثيرة لم يقرِئنِيها رسول الله، فكدتُ أساوِره في الصلاةِ، فتصبَّرت حتى سلَّم، فلَببتُه بردائِه فقلت: من أقرأَك هذه السورةَ التي سمعتُك تَقرَأ؟! قال: أقرَأنِيها رسولُ الله، فقلتُ: كذَبتَ فإنَّ رسول الله قد أَقرَأنيها على غيرِ ما قَرأتَ، فانطلقتُ به أقودُه إلى رسول الله فقلتُ: إنّي سمِعتُ هذا يقرَأ بسورةِ الفرقانِ على حروفٍ لم تقرِئنيها! فقال رسول الله: «أَرسِله، اقرَأ يا هشام»، فقرأ عليه القراءةَ التي سمعتُه يقرأ، فقال رسول الله: «كذَلك أنزِلَت»، ثم قال: «اقرَأ يا عمَر»، فقرأتُ القراءةَ التي أقرَأني، فقال رسول الله: «كذلك أُنزِلت، إنَّ هَذا القرآنَ أُنزِل على سبعةِ أحرُف، فاقرَؤوا ما تيسَّر منه»[13].

أيها الناس: إن القرآن نعمة وعطية، وهبة وهدية من الله تعالى، لكنه لا يعطي صاحبه إلا بقدر ما يعطيه من وقته وصفاء ذهنه وخلو قلبه من الشواغل، فهل من عاقل يختطف له من وقته اليسير ليتنعم بتلاوته وتدبره، والتفكر في آياته والعمل بما فيه، نسأل الله أن يجعلنا منهم.

ألا وصلّوا - عباد الله - على رسول الهدَى، فقد أمركم الله بذلك في كتابه فقال: ﴿ إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [الأحزاب:56].

صاحب هذه الخطبة

الشيخ / عبد الباري بن عوض الثبيتي

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة