حجم الخط:

حقيقة محبة النبي والاحتفال بمولده

الخطبة الأولى:

إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

أما بعد:

أيها المسلمون: اتقوا الله حق التقوى، وراقبوه في السر والنجوى، فبتقوى الله عز وجل تجتمع الكلمة، وتتم النعمة، وتتجلى الحكمة.

عباد الله: إن الله Ȅ ذكَّر عبادَه المؤمنين منَّته عليهم وفضلَه عليهم بمبعث محمد، ليعرفوا قدرَ هذه النعمة، فيشكروا الله عليها، ويحمدوه عليها، ويلتزموا ما جاء به محمد علمًا وعملًا: ﴿ لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ [آل عمران:164]. أجل، إنها منة كبرى ونعمة عظمى لمن تدبَّر وتعقل.

﴿ لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ ، فالمؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله هم الذين يستشعرون هذه المنة، ويعرفون قدرَ هذه النعمة حقَّ المعرفة، ﴿ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ ، يعرفون حسبه، يعرفون نسبَه، يعرفون صدقَه، ما جُرِّب عليه كذب، وما عُرف بخيانة، ولا عُثر فيه على خلقٍ سيئ، بل هو محفوظ بحفظ الله من نشأته إلى وفاته، محفوظ بحفظ الله من كل سوء، ما عبد وثنًا، وما تعاطى مسكرًا، وما اقترف جريمةً، بل هو معروف عندهم بالصادق الأمين، أدَّبه ربه فأحسن تأديبَه، وعلَّمه فأحسن تعليمَه، واختاره لهذا الأمر العظيم، لهذه الرسالة الكبرى، والله أعلم حيث يجعل رسالته.

﴿ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ ، يتلو عليهم هذا القرآن، فيه خبر من قبلهم، وحكم ما بينهم، ونبأ ما بعدهم. يتلو عليهم هذا القرآن الذي هو سبب لإخراجهم من ظلمات الجهل والضلال إلى نور العلم والهدى، ﴿ كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَىٰ صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ [إبراهيم:1].

﴿ وَيُزَكِّيهِمْ ، يزكي أخلاقهم، يزكي نفوسهم، يزكي عقولهم بطهارتها من الشـرك قليله وكثيرة، وطهارتها من رذائل الأخلاق وسفاسف الأعمال.

﴿ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ ، علَّمهم القرآن، وعلمهم السنة، وإن كانوا من قبل مبعثه لفي ضلال مبين. أجل، كانوا قبل مبعث محمد في غاية من الضلال، لا يعرفون معروفًا، ولا ينكرون منكرًا، في جاهلية جهلاء، وضلالة عمياء. فلقد نظر الله حينئذ إلى أهل الأرض فمقتهم عربهم وعجمَهم إلا بقايا من أهل الكتاب. يقول جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه مخبرًا النجاشي لما سأله قال: «كنا عبادَ أوثان، نأكل الميتة، ونشـرب الخمر، ونقطع الرحم، ونأتي الفواحش، حتى بعث الله فينا محمدًا، فأخرجنا الله به من الظلمات إلى النور»[1]. فهم قبل مبعثه في غاية من الضلال، قد اندرست أعلامُ الهدى، فليس الحق معروفًا، ولكن الله أنقذ هذه الأمة بمبعث محمد.

إن مبعثَه رحمةٌ للعالمين، ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ [الأنبياء:107]، وكتابه نذير للعالمين، ﴿ تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَىٰ عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا [الفرقان:1]، بعثه الله برسالةٍ للخلق كلهم، عربِهم وعجمهم، ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ [سبأ:28]، ﴿ قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا [الأعراف:158].

فنسخ الله به كلَّ الشرائع، نسخ الله بشريعته كلَّ الشرائع، وألزم الخلقَ طاعتَه، وحكم على من خرج عن شريعته بالخسارة في الدنيا والآخرة: ﴿ وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ [آل عمران:85]، ويقول: «لا يسمع بي يهودي ولا نصراني ثم لا يؤمن بي إلا دخل النار»[2]، لأن الله جل وعلا ختم برسالته كلَّ الرسالات، ﴿ مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَٰكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ [الأحزاب:40].

أيها المسلمون: حقُّ نبينا علينا عظيم، فمن أعظم حقه أن نؤمن به، ونصدق رسالته، ونعتقد أنه عبد الله ورسوله، أرسله الله إلى الخلق كلهم. ومن حقه علينا أن نسمع ونطيع له، فإن طاعته طاعة لله، ﴿ مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ [النساء:80]، وطاعته سبب للهدى، ﴿ وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا [النور:54]. ومن حقه علينا أن نحكِّم سنته، ونتحاكم إليها، ونرضى بها، وتطمئن بها نفوسنا، وتنشـرح لذلك صدورنا، ﴿ فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [النساء:65]، وإذا أمر بأمر أو حكم بحكم نقبله وليس لنا خيرة في ذلك، ﴿ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ [الأحزاب:36]. إن طاعته سبب لدخول الجنة، يقول: «كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى»، قالوا: ومن يأبى يا رسول الله؟ قال: «من أطاعني دخل الجنة، ومن عصاني فقد أبى»[3].

أيها الناس: وإن محبة رسول الله عنوانُ الإيمان، محبةُ رسول الله المحبة الصادقة، بأن تحبَّه محبةً فوق محبة نفسك التي بين جنبيك، قال عمر: يا رسول الله، والله إنك لأحب الناس إليَّ إلا نفسي، قال: «لا والله، حتى أكون أحب إليك من نفسك»، قال: لأنت الآن أحب إلي من نفسي، قال: «الآن يا عمر»[4]. وأخبر أن محبته محبة فوق محبة الولد والوالد فقال: «لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده»[5]. وأخبر أن العبد لا ينال كمال الإيمان حتى يحب هذا النبي محبة فوق محبة الأهل والناس أجمعين، فيقول: «لا يؤمن عبد حتى أكون أحب إليه من أهله والناس أجمعين»[6].

أيها المسلم: إن ثمرة تلك المحبة أولًا: طاعة الله ومحبة الله، قال تعالى: ﴿ قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ [آل عمران:31]، فلا ينال عبدٌ محبة الله حتى يحبَّ هذا النبي الكريم محبةً صادقة من عميق قلبه. ومِن ثمرات محبته أن المحبَّ له يُحشَر معه يوم القيامة، ويلتحق به يوم القيامة، سأل رجلٌ النبي فقال: يا رسول الله، متى الساعة؟ قال: «ما أعددتَ لها؟» قال: حب الله ورسوله، قال: «المرء مع من أحب»، قال أنس: فما فرح المسلمون بعد الإسلام فرحَهم بقوله: «المرء مع من أحب»، قال أنس رضي الله عنه: فإني لأحب رسول الله وأبا بكر وعمر، وأرجو الله أن يلحقني بهم وإن قلَّ عملي[7].

أيها الأحبة: إن لمحبة رسول الله علاماتٍ تدلّ على كمال محبة المسلم له، فليست المحبة له مجردَ ادعاء، ولكنها حقائقُ واقعة باتباع سنته وتطبيقها، والسؤال عنها ومحبتها، ومحاولة تطبيق المسلم سنةَ رسول الله في كل عباداته وأحواله، فما بلغه من سنته من شيء إلا أخذ بها وعمل بها وطبقها وفرح بذلك. إن محبتَه لا تكون بغلوِّ الغالين، ولا تكون بجفاء الجافين، ولا تأويل الجاهلين، وانتحال المبطلين. إن محبتَه تكمن في اتباعُ ما جاء به وتحكيمُ شريعته، وأعظم ذلك عبادةُ الله وحده لا شريك له، وصرف كل أنواع العبادة لرب العالمين، وأن لا يُصرف منها شيء لغير الله، وقد أمره الله أن يقول: ﴿ قُلْ إِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا رَشَدًا ﴿٢١﴾ قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا [الجن:21-22]، وقال له: ﴿ قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ ۚ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ [الأعراف:188]، وحذرنا أن نغلو فيه فقال: «إياكم والغلو، فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو»[8]، وقال لنا: «لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، إنما أنا عبد، فقولوا: عبد الله ورسوله»[9]، ولعن في آخر حياته اليهود والنصارى الذين اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، وقال: «ولا تتخذوا قبري عيدًا، وصلوا عليَّ فإن صلاتكم تبلغني أين كنتم»[10].

هكذا أرشدنا، هو مبعوثٌ لإقامة شرع الله، للدعوة إلى توحيد الله وإخلاص الدين له، والعبادةُ لا حقَّ له ولا لغيره فيها، بل هي حقّ خالص لربنا جل وعلا ، لما قال له رجل: ما شاء الله وشئت، قال: «أجعلتني لله ندا؟! بل ما شاء الله وحده»[11].

أيها المسلم: إن علامةَ محبة النبي تكون كما سبق باتباع سنته، والعمل بشريعته، والاقتداء به [في] القليل والكثير، ﴿ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا [الأحزاب:21]. فالمحب له هو المعظمُ لسنته، العامل بها إذا بلغته، سواء في العبادات أو في المعاملات أو في كل الأحوال، يقتفي سنته، ويبحث عنها، ويسأل عنها، ويهتمُّ بها، ويقيم لها وزنًا، هكذا المؤمن المحب.

أيها المسلم: إن أصحابَه الكرام قد أظهروا من كمال محبتهم له وحرصهم على سنته ما لا يخفى، أظهروا من محبتهم له وشفقتهم عليه وحرصهم على الاقتداء به ما جعلهم خيرَ الخلق وأفضلَ الخلق على الإطلاق بعد الأنبياء ȏ، فاسمع أخي إلى أنواع من محبتهم له تدلُّ على قوة الإيمان به، ومحبتهم له، رضي الله عنهم وأرضاهم.

يومَ أراد المهاجرة من مكة إلى المدينة أتى الصديق في الظهيرة، فلما قيل للصديق: هذا رسول الله، قال: بأبي وأمي، ما أتى به إلا لأمرٍ جَلَل، فلما دخل عليه قال: «أُذِن لي بالهجرة»، فقال الصديق: الصحبةَ يا رسول الله؟ فقال: «نعم»، فبكى الصديق رضي الله عنه فرحًا، تقول عائشة: وما كنت أظن الفرح يوجب البكاء بعد الذي رأيت من أبي رضي الله عنه وأرضاه [12].

ومن ذلكم أن الصديق رضي الله عنه لما فطن لخُطبة خطبها النبي أنها توديعٌ لهم وإخبارٌ بقرب أجله بكى الصديق رضي الله عنه، فخطب في آخر حياته قائلًا: «إن عبدًا خيَّره الله بين الدنيا وبين ما عنده، فاختار ما عنده»، فبكى الصديق رضي الله عنه، قالوا: إن المخيَّر هو رسول الله، وإن الصديق كان أعلمنا بذلك رضي الله عنه وأرضاه [13].

ولما خطب بعد موت النبي بسنة، وأراد أن يقول: إن رسول الله خطبنا في هذا اليوم من العام الأول بكى رضي الله عنه، وغلبه البكاء مرارًا، ثم قال: سمعت رسول الله يقول: «ما أوتي عبد بعد الإسلام خيرًا من العافية، فاسألوا الله العافية»[14].

ولما حضرت أبا بكر الوفاة، قال لهم: «أي يوم هذا؟» قالوا: يوم الاثنين، قال: «إن متُّ مساءً فلا تنتظروا بي إلى الصباح، فإن أفضلَ يوم أو ليلة عندي أن ألحق بمحمد [15]»، ف رضي الله عنه وأرضاه.

وهذا خليفته عمر رضي الله عنه، حينما طُعن وعلم أنه قرب أجله قال لابنه: «يا بني، إن أهمَّ أمر علي أن أدفن بجوار محمد وصاحبه أبي بكر، فاذهب إلى عائشة فقل لها: يقرئك عمر السلام، ويستأذنك في أن يدفَن بجوار محمد وصاحبه، فذهب عبد الله إليها، وإذا هي تبكي على عمر حزنًا عليه، فقال: يقرئك عمر السلام، ويقول: أستأذنُ منك أن أدفَن بجوار محمد وصاحبه، قالت: لقد كنتُ أعدُّه لنفسي، وإني لأوثره على نفسـي، فرجع عبد الله إلى عمر، فقيل: هذا عبد الله، فقال: أسندوني، ما وراءك؟ قال: ما يسرُّك يا أمير المؤمنين، لقد أذنَتْ أن تُدفَن بجوار محمد وصاحبه، قال: الحمد لله، إنه لأمرٌ كان يهمّني، ثم قال: يا عبد الله، إذا صليتُم عليَّ، فمرُّوا بجنازتي إلى عائشة، فلعلها أن تكون أذنت حياءً مني، فإني أذنتْ لي وإلا فضعوني مع المسلمين، فلما صلَّوا عليه مرّوا به فقالت: ما كنت لآذن له حيًا وأمنعه ميتًا»[16]، رضي الله عنهم وأرضاهم أجمعين.

وهؤلاء أنصارُ الإسلام الأوس والخزرج، كانت محبتهم لرسول الله محبةً صادقة حقًا، فلما قسم النبي غنائم حنين، ولم يعطهم ولا المهاجرين شيئًا، وخصّ بها المؤلفةَ قلوبهم، وجد بعضهم في نفسه شيئًا، فدعا الأنصار وقال لهم: «يا معشر الأنصار، ألم أجدكم ضلالًا فهداكم الله بي؟! وعالة فأغناكم الله بي؟! ومتفرقين فألفكم الله بي؟!»، فكلما قال شيئًا قالوا: الله ورسوله أمنّ، قال: «يا معشر الأنصار، أترضون أن يرجع الناس بالشاء والبعير وترجعون بالنبي إلى رحالكم؟!» قالوا: نعم، قال: «المحيا محياكم، والممات مماتكم، الأنصار شعار، والناس دثار، اللهم اغفر للأنصار وأبناء الأنصار وأبناء أبناء الأنصار»[17] رضي الله عنهم وأرضاهم.

ربيعة الأسلمي قدَّم للنبي وضوءَه فقال: «يا ربيعة، سلني»، فقال: أسألك مرافقتَك في الجنة، قال: «أوَغير ذلك؟!» قال: هو ذاك، قال: «يا ربيعة، أعني على نفسك بكثرة السجود»[18].

أيها المسلمون: محبةُ المسلم لرسول الله لا تكون بغلوٍّ فيه، ولا بإطرائه، ولا برفعه عن منزلته، ولا بإحياء مولدٍ أو أمثال ذلك مما ابتدعه المبتدعون وأحدثه الجاهلون، وإنما تكون باتباع سنته والعمل بشريعته والطمأنينة إليها. إن صلة المسلم بنبيه صلةٌ دائمة، وصلة مستمرة، وصلة لا تنقطع، في كل أحواله، في كل حركاته وسكناته، فله صلة بنبيه، إن صلى فإن صلته برسول الله الاقتداءُ: «صلوا كما رأيتموني أصلي»[19]، إن حجّ فصلته بنبيه: «خذوا عني مناسككم»[20]، وهكذا في صيامه وزكاته وفي أكله وشربه ونومه وبكائه وضحكه وغضبه ورضاه، في كل أحواله هو يقتدى بمحمد ، ويتحرى الاقتداءَ به والتأسيَ به في القليل والكثير.

﴿ قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ [آل عمران:31].

أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه وتوبوا إليه إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية:

الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه، وسلم تسليمًا كثيرًا إلى يوم الدين.

أما بعد: فيا أيها الناس، اتقوا الله تعالى حق التقوى.

عباد الله: الأصلُ في عباداتنا أن تكون خالصةً لله، وأن تكون على وفق ما دل الكتاب والسنة عليه، فكل عبادة نتعبَّدها لا أصل لها في سنة النبي فإنها عبادة باطلة؛ لكونها غيرَ موافقة لطريقته. وإن أصحابه الكرام أقرب الناس إليه، عاشوا معه وعرفوا هديَه، وعرفوا عبادتَه، فكل عبادة ما تعبَّدوها فلنعلم أنها عبادة على غير هدى، إذ لو كانت عبادة حقًا لكانوا أولى الناس بها، ﴿ وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ [التوبة:100]، فهم أسوتنا وقدوتُنا، ما نقلوا لنا عن محمد فهو الحق المقبول، وما لم ينقلوه في العبادة فالأصل أن كل عبادة لم يتعبَّدها أصحاب رسول الله نعلم أنها مبتدعة لكونها لا دليل عليها، وإنما الحق ما وافق هديه، وكل بدعة تُنشأ وتقام فلا بد أن يقابلها تعطيل لسنة من السنن.

إن أصحاب النبي ، يعلمون ليلة مولده، ويعلمون ليلةَ مهاجره، ويعلمون أيامَ انتصاره، ويعلمون ليلةَ موته، ويعلمون كلَّ هذه الأمور، فهل احتفلوا بشيء من ذلك؟ هل احتفلوا بالانتصار في غزوة بدر؟ هل احتفلوا بيوم فتح مكة؟ هل احتفلوا بغير ذلك من المواقف والمشاهد؟

لم ينقل عنهم شيء من هذا، فهذا رسول الله أحب الناس إليهم، وهم المحبون له على الحقيقة والكمال، ومع هذا ما علمنا شيئًا أحدثوه، ولو كان خيرًا لفعلوه، ولكنهم متبعون ومقتدون ومتأسون به، فليكن المسلمون على ذلك. حيث إن هذه حقيقة المحبة، حقيقة الإيمان والاتباع، السير على ما سار عليه، وعلى ما كان عليه أصحابه والتابعون وتابعوهم السائرون على المنهج القويم والطريق المستقيم، وفي الحديث: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد»[21]، وفيه: «من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد»[22].

إن المحيين لليلة المولد قد يكون قصدُ بعضهم خيرًا لكنه لم يوفَّق للصواب، ثم إنها تُعمَر بأذكار وقصائد ودعوات باطلة، فيها غلو ودعاء للنبي، واستغاثة به، ولا تسلم من الشركيات، كقول صاحب البردة:

فإن مِن جودك الدنيا وضرّتها

ومن علومك علم اللوح والقلمِ

والبردة من أكثر ما يُنشد من القصائد، وفيها من هذا الغلو في مقام النبوة الشيء الكثير.

ولا شك أنه يكره هذا الغلو والإطراء ويأباه ولا يرضاه، وأحب الناس إليه من أمته من كان متبعًا لسنته سائرًا عليها بعيدًا عن هذه البدع والخرافات التي ما أنزل الله بها من سلطان، ﴿ أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ [الشورى:21]، قال بعض السلف: (اتبعوا ولا تبتدعوا فقد كفيتم)[23]، فالحق ما كان عليه أصحابه الكرام والتابعون لهم بإحسان، وهم المطبقون لسنته العاملون بها، جعلنا الله وإياكم من أتباعهم، إنه على كل شيء قدير.

فاتقوا الله عباد الله: وأحيوا سنة نبيكم، وانشـروا آدابه وشمائله، وأحاديثه وسننه، وتفقهوا في دينكم، وبلغوا شرعة ربكم، وقوموا بما أوجب الله عليكم، ففي ذلكم الفلاح والنجاح والنجاة.

ثم اعلموا رحمكم الله أن أحسن الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة، وعليكم بجماعة المسلمين، فإن يد الله على الجماعة، ومن شذ شذ في النار.

وصلوا رحمكم الله على محمد بن عبد الله، كما أمركم بذلك ربكم، قال تعالى: ﴿ إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [الأحزاب:56].

صاحب هذه الخطبة

الشيخ /عبد العزيز آل الشيخ

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة