الحمد لله رب العالمين؛ يبتلي عباده بالسراء وبالضراء؛ ليجزيهم على صبرهم أعظم الجزاء، نحمده كما ينبغي له أن يحمد، ونشكره فقد تأذن بالزيادة لمن شكر، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له؛ عظيم في ملكه وربوبيته وألوهيته، حكيم في مقاديره وأحكامه، لا يقضي قضاء لمؤمن إلا كان خيرا له، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله؛ ابتلي بالسـراء فشكر، وبالضـراء فصبر، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه؛ بذلوا أنفسهم وأموالهم، وأُخرجوا من ديارهم وأبنائهم في سبيل الله تعالى، وابتغاء مرضاته، والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد:
فاتقوا الله تعالى حقَّ التقوى، واستمسِكوا من الإسلام بالعُروة الوُثقَى، ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ۚ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ [الحديد:28].
أيها المسلمون: في يوم السبت، السابع من شوال، في السنة الثالثة للهجرة، والذي يصادف الثالث والعشرين من مارس لعام 625م، كانت غزوة أحد.
ونحن الآن في القرن الخامس عشر الهجري، ومع ذلك نجد جسر النور والهدى والعطاء في السيرة النبوية المشرفة، من عهد النبي ﷺ إلى وقتنا الحاضر، نستنبط منها بعض الدروس والعبر مما جرى من الأحداث التي وقعت في تلك الغزوة، والتي تكشف لنا حقائق الواقع المعاصر، وتبين لنا ما ينبغي أن نعلمه تجاه ما نواجه في هذه الحياة الدنيا من العبر والعظات، والدروس والوقفات.
الدرس الأول من دروس هذه الغزوة: الشورى: فحين علم النبي ﷺ بقدوم أهل مكة وأحابيشها ومن أطاعها من قبائل كنانة وأهل تهامة للأخذ بثأر قتلاهم في بدر، استشار أصحابه في الخروج للقائهم خارج حدود المدينة أو البقاء في المدينة والتحصن بها؛ حتى إذا دخل عليهم أعداؤهم فيها كانوا أبصر بما يعوقهم عن الدخول وبما ينزل فيهم الهزيمة.
وقد كان رأيه ﷺ البقاء في المدينة، إلا أنه جعل الأمر شورى بينه وبين أصحابه؛ امتثالًا لأمر ربه، وبيانًا للأمة من بعده وللولاة والقادة من بعده أنه لا بد لهم أن يستخلصوا الآراء، وأن يعرفوا ما ينبغي أن يعرفوه من أهل الحل والعقد وأهل العلم والرأي والمشورة.
وفي هذه المشورة غلبت آراء الذين كانوا يتحفزون للخروج للقاء الأعداء؛ رغبة منهم في إظهار الحمية لدين الله والاعتزاز بدينه، وتطلُّعًا منهم في الاستشهاد في سبيل الله، وشغفًا ممن لم يشهد بدرًا أن يلقوا أعداءهم، فيعوضوا ما فاتهم من الجهاد والاستشهاد في بدر.
ثم دخل النبي ﷺ بعد أن رأى هذا الرأي من أصحابه أو كثرةٍ منهم، فلبس عدته ولأمته، ثم خرج فرأى القومُ أنهم قد أكرهوه ﷺ على ما لا يحب، فرجعوا عن رأيهم، وجعلوا الأمر إليه ﷺ، فما كان منه إلا أن قال لهم ﷺ: «قد دعوتكم إلى هذا الحديث فأبيتم، ولا ينبغي لنبي إذا لبس لأمَته أن يضعها، حتى يحكم الله بينه وبين أعدائه، انظروا ما أمركم به فاتبعوه، امضوا على اسم الله تعالى، فلكم النصر ما صبرتم»[1].
ومضى النبي ﷺ على عزمه الذي قضت به الشورى؛ وذلك حتى يكون للشورى أصحابها ومقامها، وحتى لا يعود هناك استخفاف بالرأي، ولا تهوين ولا تسفيه للقول، فالنبي المؤيد بالوحي جعل الأمر شورى بينه وبين أصحابه، فكيف بمن هو أدنى منه منزلة، وأقل منه علمًا، وأبعد عن التثبيت والإلهام والتوجيه والتسديد الذي كان يؤتاه النبي ﷺ، وهو الذي قال الله عز وجل في قوله وفعله: ﴿ إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَىٰ ﴾ [النجم:4]، فمن سواه -وكل الناس أدنى منه منزلة- أجدر بأن يلتزموا الشورى بينهم وبين قادتهم وعلمائهم.
ومن تأكيدات الله عز وجل لأمر الشورى أنه بعد أن ظهرت النتائج في غزوة أحد، وبعد أن ظهر ذلك الرأي ومع ما فيه من علة، وبعد أن ظهر أثر المخالفة لأمر النبي ﷺ جاءت الآيات التي نزلت في أعقاب غزوة أحد، لتؤكد مرة أخرى على الشورى؛ لكي لا تكون النتيجة السلبية أو التطبيق الخاطئ يقودان إلى إلغائها وعدم الاكتراث بها، فيقول الله: ﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ ۖ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ۖ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ ۖ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ ﴾ [آل عمران:159]، اعف عنهم عما كان من إكراه لك في الرأي، واستغفر لهم عما كان منهم من معصية بعضهم في الغزوة، ولا يمنعن ذلك أن تأخذ رأيهم وأن تلزم الشورى معهم.
إن الإسلام لا يؤجل مزاولة المبدأ حتى تستعد الأمة لمزاولته، ولا يفرض على الأمة الوصاية السياسية من فرد أو جماعة بحجة تربية الأمة وإعدادها لتحمل المسؤولية، وإن الأخطاء في مزاولة الشورى مهما بلغت من الجسامة لا تبرر إلغاء مبدأ: ﴿ وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ ﴾ [الشورى:38] ؛ إذ إن للشورى على أقل تقدير ميزتين مهمتين:
أولًا: الاستدراك للأخطاء والاستكمال للنقص قبل الشـروع في العمل؛ إذ مهما بلغ الرجل أو القائد من ذكاء مفرط وعلم غزير ورأي حصيف؛ فإن رأيه قد يقصر، وعلمه قد يغيب، وذهنه قد ينسى ويكل، فمن هنا تأتي الشورى بالآراء الأخرى لتنظر للأمور من جهات أخرى، فتقوم الخطأ، وتكمل النقص، وتذكر بالنسيان، فحينئذ تكون الأمة قد استجمعت كل الشـروط التي ينبغي استكمالها لإعداد العدة للعمل واستكمال شروط النجاح.
ثانيًا: توزع تحمل المسؤولية؛ فلئن كان هذا رأي الجماعة كلها، ولئن كان هذا رأي الشورى وأهل العلم منهم؛ فإن وجد فيها خطأ فليس هو خطأ فرد، وليس هو مما يتحمله إنسان بعينه، بل تشترك الأمة كلها في تحمل تبعته، وهذا أدعى إلى أن تقوم قائمتها مرة أخرى، ولا تتلاوم فيما بينها، ويحصل الشقاق في صفها.
ومن ثم نخرج بهذا الدرس العظيم من غزوة أحد، وهو أن الشورى ليست أمرًا عارضًا، وليس هوىً متبعًا لقائد أو أمير أو إمام بحيث يفعله متى ما يحلو له أو يدع، وليس أمرًا له أن يختار منه ثم يتركه، وليس مبدأ مرتبطًا بالنتائج والأخطاء التي قد تقع في بعض تطبيقاته، بل حتى لو نتج عنه خطأ فإنه أقلّ خطئًا من عدمه، وفوق كل ذلك فهو أمر إلهي لا محيص عنه ولا حياد عنه، تؤكده سيرة النبي ﷺ التي ترعاها آيات القرآن الكريم.
الدرس الثاني من غزوة أحد: الحزم والجزم: ﴿ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ﴾ [آل عمران:159].
| إذا كنتَ ذا رأيٍ فكن ذا عزيمةٍ |
| فإن فساد الرأي أن تترددا |
ويظهر ذلك في موقف النبي ﷺ الذي ذكرناه عندما ندم الناس على رأيهم بالخروج لملاقاة العدو خارج المدينة، وظنوا أنهم قد أكرهوا نبيهم ﷺ على ما لا يحب، فقال ﷺ قولته المشهورة: «لا ينبغي لنبي إذا لبس لأمته أن ينزعها حتى يقاتل عدوه»[2]. فعلى مثل هذا يجب أن تكون القيادة الإسلامية؛ إذ ينبغي أن تكون صورتها صورة الحزم والعزم والقوة والمضـي، لا التراجع والتردد، فالنبي ﷺ عندما رجعوا عن رأيهم، لم يرجع عن رأيه، وإلا كانت هذه صورة من صور القيادة المهزوزة التي تكون ألعوبة في أيدي الذين يترددون بعد أن تقدموا، أو من يقولون: نعم، ثم يقولون: لا... وهكذا؛ لئلا الظان أن ذلك نوع من الجبن والخوف، وعندما تكون القيادة مَقُودة لا قائدة؛ فإن ذلك هو عين الفوضى والاضطراب، وهذا درس عظيم مفاده أن يعلم المرء أن أمر اتخاذ الموقف والحزم والجزم هو سمة من السمات القيادة الفذة.
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، أقول ما تسمعون وأستغفر الله لي ولكم..
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد:
الدرس الثالث: آثار التنازع والمعصية: لقد أنزل الله عز وجل في أعقاب معركة أحد قوله تعالى: ﴿ وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ ۖ حَتَّىٰ إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ ۚ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ۚ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ ۖ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ ۗ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ ﴾ [آل عمران:152]، والدرس هنا أن مخالفة يسيرة في أمر واحد من فئة قليلة أوجبت هذا الدرس القاسي الذي قضى فيه سبعون من خيرة الصحابة شهداء، والذي شُجّ فيه وجه النبي ﷺ وكُسرت رباعيته، فلم يجامل الله أفضل جيش تحت قيادة أفضل قائد، فكيف بمخالفات كثيرة من الأمة في أوامر عديدة من كثرة كاثرة وفيرة؟! أفلا يستحق لأجلها المسلمون الخذلان والضعف وتسلط الأعداء وتوالي الهزائم؟!
لقد تركَت معركةُ أُحُدٍ آثارًا غائِرةً في نفس النبي ﷺ ؛ أُصيبَ في بدنِه إذ كُسِـرَت سِنُّه، وجُرِحَ وجهُه، وشُجَّ رأسُه، فلم تزَل دماؤُه الزكِيَّةُ تسيلُ على وجهه الطاهِر حتى أُحرِقَت قطعةٌ من حصيرٍ فأُلصِقَت به فكف عنه الدم، وأجهدَه العطشُ حتى جعلَ يقعُ على رُكبتَيْه، وأُصيبَ في أتباعِه؛ إذ أودعَ في سفْحِ الجبل سبعين رجلًا من أعزِّ الناس عليه وأقربِهم إلى قلبِه، وفهم أسد الله ورسوله حمزة بن عبد المطلب، الذي قُتل ومُثل به، رضي الله عنه وأرضاه ، فكان ذلك من أشد المواقف وأقساها على النبي ﷺ في حياته.
أيها الأحبة: إن من رحمة الله عز وجل بأصحاب النبي ﷺ أن أوقع بهم العقوبة عند حصول المخالفة؛ حتى يكون التصحيح أولًا بأول، وليس كما يكون أحيانًا لمن لم يحب الله عز وجل أن ينبهه ويحذره، فيستدرجه ويملي له ليبقى في غيه وفي ضلاله دون أن تحل به عقوبة تذكره، فيبقى سادرًا في غيه، مقيمًا على المعاصي حتى يأخذه الله عز وجل أخذ عزيز مقتدر، فكان هذا من لطف الله عز وجل بهم، ليكونوا أشد حذرًا ويقظة وتحرزًا من أسباب الخذلان.
كل هذا التخلف عن طاعة الرسول ﷺ رغم أن الله سبحانه وتعالى قد أرشدنا بقوله: ﴿ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا ﴾ [الحشر:7]، وبيّن أن اتباع النبي ﷺ دليل المحبة الصادقة لله: ﴿ قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي ﴾ [آل عمران:31]، ثم جاء التحذير والوعيد من المخالفة: ﴿ فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ [النور:63]، فليس هناك خيار عند مخالفة أمر النبي ﷺ إلا وقوع الفتنة والهزيمة، وما أكثر الفتن في صفوف المسلمين، ﴿ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ [النور:63]، وما أكثر العذاب الذي صبه الله عز وجل على المسلمين جراء مخالفتهم لأمر المصطفى ﷺ، وحتى على المستوى الفردي قد بيّنت لنا السيرة النتيجة المباشرة والعذاب المباشر لمخالفي أمر النبي ﷺ؛ ورد في صحيح مسلم أن رجلًا أكل عند رسول الله ﷺ بشماله، فقال: «كل بيمينك»، قال: لا أستطيع، قال: «لا استطعت»، ما منعه إلا الكبر، فما رفعها إلى فيه[3]. شُلت يده فما استطاع أن يحركها؛ لأنه خالف أمر النبي ﷺ لا عن تقصير وغفلة، بل عن كبر واستهانة، أعاذنا الله من ذلك..
ونحن الآن يجب أن نعي هذا الدرس جيدًا؛ لأننا إذا نظرنا في واقع الأمة الإسلامية، نرى مقدارًا عظيمًا من المخالفات للرسول ﷺ، ومن التخلف عن طاعته، بل والمجاهرة بمعصيته؛ ما استوجب حرمان الأمة من النصـر، وحلول الخذلان والهزيمة بها.
إننا حين نتأمل كيف أنه بمعصية واحدة هُزم أفضل جيش ومعه أفضل قائد بل أفضل البشر وسيد المرسلين بمعصية واحدة، فكيف بمعاصينا ومخالفاتنا وغفلتنا، لا نقول هذا يأسًا ولكن تذكيرًا لأنفسنا بحتمية الرجوع إلى الله تعالى.
أيها المؤمنون.. يقول تعالى: ﴿ إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ ۚ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ ۗ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ ﴿١٤٠﴾ وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ ﴾ [آل عمران:140، 141]. إن تعاقُب الشدَّة والرخَاء تكشِفُ معادِن النفوس وطبائِع القلوب، ودرجة الهلَع فيها والصبر، ومدَى الثِّقَة فيها بالله أو القُنوط.
وإن من مصلَحة الأمة أن تُصابَ برجَّاتٍ عنيفةٍ تعزِلُ الخبَثَ عنها، وقد اقتضَت حكمةُ الله أن يقعَ هذا التمحيصُ في أُحُد، ﴿ مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَىٰ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّىٰ يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ ۗ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ ﴾ [آل عمران:179].
فالنفسُ لا تنتصِرُ في الحروبِ إلا حين تنتصِرُ في القِيَم والمبادِئ، والذين تولَّوا يوم التقَى الجمعَانِ في أُحُد إنما استزلَّهم الشيطانُ ببعضِ ما كسَبُوا من الذنوب، فالذنوب سبب ما يحصل للعبد من الزلل والخلل، والذين انتصَـروا في معارِك العقيدة وراء أنبيائِهم هم الذين بدؤُوا المعركةَ بالاستِغفار من الذنوب، والالتِجاء إلى الله، والتطهُّر من المعاصِي.
ولعلَّ ما ترتَّبَ على عِصيان الرُّماةِ لأمر الرسول القائِدِ في معركة أُحُد درسٌ عميقٌ يتعلَّمُ منه المُسلمون في كلِّ مواجهةٍ قيمةَ الطاعة، وأن الجماعةَ التي لا يحكُمُها أمرٌ واحدٌ ويغلِبُ على أفرادِها وطوائِفِها النزاعاتُ الفردية لن تنجحَ في معركةٍ، ولن تُفلِحَ في مُواجهةٍ، ما لم تتَّفِق على رغبةٍ واحِدةٍ ووِجهةٍ واحِدةٍ، وما لم تُخمِدْ كلَّ شُذوذٍ يحصُلُ في صُفُوفِها، ﴿ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ ﴾ [الأنفال:46].
ولما دُهِشَ المُسلِمون للكارِثة التي قلَبَت عليهم الأمورُ قال الله لهم: ﴿ أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّىٰ هَٰذَا ۖ قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ ۗ إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ [آل عمران:165].
ومع ذلك فإن المُؤمنين مهما أصابَهم في سبيلِ الله فإنهم لا يفقِدون صِلتَهم بربِّهم، وثِقَتَهم بوعدِه الصادقِ لجُندِه بأنهم هم الغالِبون، وأن لن يخذُلَهم؛ بل سوف ينصُـرُهم ويُؤيِّدُهم ويُعلِيهم ويُظفِرُهم بأعدائِهم، ويُظهِرُهم عليهم.
لقد ترفَّقَ القرآنُ الكريمُ في خِطابِ المُؤمنين بعد ما أصابَهم في أُحُدٍ؛ لكي لا يتحوَّل انكِسارُهم في الميدان إلى قُنوطٍ يفُلُّ قُواهم، وحسرةٍ تشُلُّ إنتاجَهم، قال الله عز وجل: ﴿ وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴿١٣٩﴾ إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ ۚ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ ۗ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ ﴾ [آل عمران:139، 140].
فجمعَ سبحانه في خِطابِه لهم بين تشجيعِهم وتقويةِ نُفوسِهم، وإحياءِ عزائِمِهم وهِمَمهم، وبين حُسن التعزِيَة وذِكر الحِكَم الباهِرَة التي اقتَضَت إدالَةَ الكفار عليهم، وعزَّى اللهُ نبيَّه وأولياءَه عمَّن قُتِلَ منهم في سبيلِه أحسنَ تعزِيةٍ وألطَفَها، وأدعاها إلى الرِّضا بما قضاهُ لهم، وأخبرَهم بما نالُوه من ثوابِه وكرامَته؛ ليُنافِسُوهم فيه، ولا يحزَنوا عليهم، وأعلَمَهم أن سببَ المُصيبةِ من عند أنفُسِهم ليحذَروا، وأنها بقضائِه وقدَرِه ليُوحِّدُوا ويتَّكِلوا، ولا يخافُوا غيرَه، وسلاَّهم بما أعطاهم مما هو أجلُّ قدرًا وأعظمُ خطَرًا مما فاتَهم من النصر والغنيمةِ.
فلقد كانت حصيلةُ معركة أُحُدٍ ومن بعدها التوجيهات القُرآنية بعد الأحداث أكبرَ من حصيلةِ النصر والغَنيمة، ولقد علِمَ المُؤمنون أن الهزيمةَ حين تقَع؛ فإنها جارِيةٌ على سُنَّة الله وفقَ ما يقعُ من تقصيرٍ وتفريطٍ، وأنها تُحقِّقُ غاياتٍ يُقدِّرُها الله بحِكمته وعلمِه لتمحيصِ النفوس، وتمييز الصفوف، وتجلِيَة الحقائِق، وإقرار القِيَم، وإقامَة الموازين، وجلاء السُّنن للمُستبصِرين.
أيها الأحبة: لئن تكلَّف المُسلمون الأوائل عشـراتٍ من الرِّجال وأشهرًا من الزمان، ليستفيدوا من أخطائهم ويستعيدوا قوَّتَهم ويتفوَّقُوا في الوقائع اللاحِقة؛ فإن المُسلمين في هذا الزمان استنَزَفوا الملايين من أرواحِهم وعقودًا من أعمارهم، ولم يتغيَّر حالُهم، وكان الفارِقُ بينهم وبين سلَفِهم هو الفرقُ في تعلُّمهم الدروس واستِلهامِهم العِبَر.
لئِن كان المُسلِمون الأوائلُ بعد كل خسارةٍ يثُوبون لدينِهم، ويلجؤُون لربِّهم، ويُحِيطُون بنبيِّهم ﷺ ؛ فإن المُسلمين اليوم يُذادُون عن دينهم، ويُقصَون عن شريعتِهم، ويُحالُ بينهم وبين وسائل النصر ومَدَده. ولك أن تُجيلَ بصرَكَ في كثيرٍ من بلاد المُسلمين خلال القرن الماضي بعد استِعمارهم من قوى الكفر وذهاب شوكتِهم وحتى اليوم، لقد جرَّبُوا كلَّ طريقٍ، وطرَقُوا كلَّ بابٍ، وأخَذوا من العلوم العصريَّة، وسالَت تحت أيديهم كُنوزُ العالَم، ونبعُ وقوده. ومع ذلك أصبَحوا ولا يسيلُ من الدماء إلا دماؤُهم، ولا تُجتاحُ إلا أراضِيهم، ولا يُقهَرُ إلا رِجالُهم. بل حتى في بلادِهم تتحكَّمُ أقلِّيَّاتُ الطوائِف في مصائِرِهم.
يا أيها المسلمون: لهيبُ الأحداث يسُوقُكم لدينِكم، وسِياطُ المقادِير تُلجِئُكم لخالِقِكم، وفجائِعُ الدهر تُنادِيكم: أن هلُمُّوا لما عزَّ به سلَفُكم، واستقوَى به أوائلُكم، فلن يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها، فهلّا راجعنا أنفسنا؟ وهلا اعتبرنا بماضينا وحاضرنا؟ وهلا سعينا لاستحقاق نصر الله لنا؟!
أيها المسلمون: راجِعوا أنفُسَكم، وابنوا جيلكم، وربُّوا على الفضيلة أبناءكم؛ ففي الفضاء إعلامٌ وقنواتٌ لا تنتمِي لماضٍ مُحافِظٍ، ولا تُبالِي بواقعٍ مُؤلمٍ، وفي الناس غفلةٌ، والجِراحاتُ في كل وادٍ تسيلُ.
كيف يكونُ السَّرَفُ والتَّرَفُ وفي المُسلمين أوجاعٌ، وبهم جِياعٌ؟! ألم ترَوا أن الأيام دُوَلٌ، والدهرُ قُلَّب؟!
إن النصـرَ لا يتنزل إلا على المؤمنين: ﴿ إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا ﴾ [غافر:51]، ﴿ وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ ﴾ [الروم:47]، وإنه لا يتوقَّفُ إلا على نُصرة ربِّ العالمين؛ فمن نصرَه اللهُ فلا غالِبَ له من الناس، ولن يضُرَّه خُذلانُ الخاذِلين. ﴿ إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ ۖ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ ۗ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ ﴾ [آل عمران:160]. وفي كل هذا دروسٌ وعِبَرٌ للمُسلمين هذا اليوم في كل أرضٍ وتحت كلِّ سماءٍ.
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ ﴾ [محمد:7].
نسأل الله أن يُعلي كلمته، وينصـر أولياءه، وأن يجعلنا ممن يُنصـرون ولا يستبدل بنا غيرنا..
وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
صاحب هذه الخطبة
الشيخ /عبد الرحمن السديس