دروس وعبر من قصة يوسف عليه السلام
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرا.
أما بعد:
فيا عباد الله اتقوا الله كما أمركم في محكم كتابه: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا ﴿٧٠﴾ يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا ﴾ [الأحزاب:70-71].
أيها الناس: نقف اليوم وإياكم مع قصة الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم، يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم، عليهم وعلى نبينا أتم الصلاة وأزكى التسيلم.
قصة يوسف عليه السلام من أعجبِ القصص في القرآن، وقد ذكرها الله جميعًا متصلة، وأفردها بسورةٍ واحدة مطولةٍ مفصلةٍ تفصيلًا واضحًا، ساقَ فيها سبحانه وتعالى حَالةَ يُوسفَ من ابتداءِ أمرهِ إلى آخرهِ، وما بين ذلكَ من التنقلاتِ واختلافِ الأحوالِ وقال فيها: ﴿ لَقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آيَاتٌ لِلسَّائِلِينَ ﴾ [يوسف:7]، وقد اشتملت هذه القصة على جملة من الفوائد والعظات نذكر طرفًا منها، فنقول:
أولًا: إن هذهِ القصة من أحسنِ القصصِ و أوضحها لما فيها من أنواع التنقلات من حالٍ إلى حال، ومن محنةٍ إلى محنة، ومن محنةٍ إلى منّحة ومنَّة، ومن ذلٍ إلى عزٍ، ومن أمنٍ إلى خوفٍ، ومن مُلكٍ إلى رقٍ، ومن فُرَّقةٍ وشتاتٍ إلى اجتماعٍ وانضمامٍ، ومن سُرورٍ إلى حُزنٍ، ومن رَخاءٍ إلى جدبٍ، ومن ضِيقٍ إلى سَعه.
ثانيًا: ما فيها من أصولِ تعبيرِ الرؤيا المناسبةِ، وأن عِلمَ التَّعبير عِلمٌ مُهمٌ يَهبه اللهُ لمن شَاءَ من عِبادهِ، وهُو دَاخلٌ في الفَتوى، فينبغي لمن لا يُحسنُ الخَوضَ في بَحرهِ ألا يلجَ فيهِ لئلا يَنْدمَ على ذلك.
ثالثًا: حَيثُ قصَّ الله ما فيها من الأدلة والبراهين على نبوة نبينا محمد هذهِ القصة الكاملة الواقعة وهو لم يقرأ كُتبُ الأولين، بَلْ هُو أُميٌّ لا يقرأ ولا يكتب، وصدق الله: ﴿ ذَٰلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ ۖ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ ﴾ [يوسف:102].
ومن الفوائد: أنه ينبغي للعبدِ البعدُ عن أسبابِ الشرِّ وكِتمان بعض أموره التي يخشى مضرة من إفشائها والتحدث بها، وقد وجه يعقوبُ ابنه بذلك قَائلا: ﴿ لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَىٰ إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا ﴾ [يوسف:5].
ومنها: أن النعمُ الكبيرةُ الدينية و الدنيوية لابد أن يتقدمها أسبابٌ ووسائلٌ إليها لأن الله حكيمٌ ولَهُ سُننٌ لا تتبدلْ ولا تتغير، قَضى سُبحانَه بأنَّ المطالبَ العاليةَ لا تُنالُ إلا بالأسبابِ النافعةِ خُصوصًا العُلوم النافعة وما يتفرع عنها ولهذا قال: ﴿ وَكَذَٰلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ ﴾ [يوسف:6].
ومنها: أن العدل مطلوبٌ في جميعِ الأمور الصغار والكبار ومن ذلكَ مُعاملةَ الوالدينِ للأولادِ فلابدَ من التَّسوية بينهم، وعدم إيثار بعضهم على بعض، ومتى حصل ذلك اختلَّ نظامُ الأسرة ووقع ما يكدر الصفو ويعكر طعم الحياة، وهذا ما حصل ليعقوب عليه السلام.
ومن أهم ما نستفيده من قصة يوسف: الحذرَ من شُؤْم الذُنوب وعواقب الطمع فكم من ذنبٍ واحدٍ اسْتَتَّبع ذُنُوبًا كثيرة، وهذه حالُ إخوة يوسف عليه السلام لما أرادوا التفريقَ بينهُ وبين أبيهِ، وهذا ذنبٌ عظيمٌ ترتبَ عليهِ ذُنوبٌ كثيرةٌ من الكذبِ ورمي يوسف، وهكذا الطاعةُ تتبعها في الغالبِ الطاعة، وهذا دليلٌ على بركةِ الطاعةِ وشُؤمُ المعصيةِ.
ومنها: أن العبرةُ بالنهايةِ لا بالبداية، وهكذا كانَّ أمر إخوة يوسف تَابُوا واسْتغفروا وسَمحَ لهم يعقوب ويوسف وإذا سمح العبدُ فاللهُ أولى بذلكَ وهو خير الراحمين.
ومنها: أنَّ بعضَ الشرِّ أهونُ من بعضٍ، فرمي يوسف في البئرِ أهونُ من قَتلهِ، ولهذا أَخذَ الإخوةُ بهذا الرأي وكان من تدبير الله ليتحققَ ليوسف ما كتب الله له.
ومن أبلغ العبر: الحذرُ من الخُلوةِ بالنساءِ الأجنبياتِ وخُصوصًا اللاتي يُخشى منهنَّ الفتنة، وقد جرى ما جرى ليوسف بسببِ الخلوة لكنَّ الله عصمه، فليُنتبه من ذلك فإنه بابُ شرٍّ عظيمٍ، ومن حام حول مواطن الشبهات والشهوات لم يكد يسلم منها، ولذا قال الله: ﴿ وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا ﴾ [الإسراء:32].
وأيضًا: الهمُّ بالسوءِ والتفكير بالمعصية الذي يعرض للإنسانِ إمَّا أن يجدَ ما يدافعه من نوازع الخير فهنا يتقزم هذا الهمُّ ويتضاءل ويزول، وإمَّا ألا يجدَ ما يُقاومهُ فينمو ويكبر ويتحقق، وهكذا حال يوسف عليه السلام رأى البرهانَ من ربه فطرد همه وامرأة العزيز لم يوجد عندها من نوازعِ الخيرِ ما يُقاومُ همَّها فاستمرت وطالبت بأن يتحقق واقعًا.
من الفوائد: أن العبد إذا ابتُلي بمواطنِ الريبةِ وأماكن الفتنة فينبغي له أن يهرب لئلا تُدركه أسبابَ المعصيةِ فيقع ثمَّ يندم، وكان هذا حالُ يوسف عليه السلام فرَّ هاربًا وهي تُمسك بثوبهِ من خلفهِ.
ومما أخذَه العلماءُ من قصةِ يوسف عليه السلام أن القرينةَ يُعمل بها عند الاشتباه في الدعاوى إذا كانت شهادةُ الشاهدِ على القرينة: ﴿ إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ ﴾ [يوسف:26]، وكذلك وجود الصُّواع في رَحْلِ أخيهِ وقَدْ أخذ يوسف بهذه القرينة واستبقى أخاه عنده.
ومن أبرز الدروس المستفادة: ما كانَ عليهِ يُوسف عليه السلام من الجمالِ الظاهرِ والباطنِ، أمَّا الظاهرُ فهو الذي بسببهِ حَصلَ له ما حصل من الابتلاء من امرأةِ العزيزِ ومن النساءِ اللاتي كُنَّ يَلُمنها على فِعلها، وأمَّا جَمالُ الباطنِ فهو العِفَّةُ العظيمةُ مع وجودِ الدواعي الكثيرة لوقوعِ السُّوءِ مِنه، لكن ما قذفَ الله في قلبهِ من الإيمانِ والإخلاصِ وقُوةُ الحقِ طَردَ عنهُ الرَّذيلة، وجَعلهُ بَعيدًا عنِ السُّوء، وهذا ما جعلهُ عَظيمًا في نُفُوسِهم أَجمعين.
ومنها: اختيار يوسف عليه السلام السِّجن وتقديمه على الوقوعِ في المعصيةِ، وهكذا ينبغي للعبدِ إذا كانَ الخيار بين أمرينِ أحدهُما عُقوبة له عَاجلة تؤول إلى أجرٍ عظيمٍ في الآخرةِ والأُخرى مَعصية، فينبغي ألا يتردد في ذلك ويُقدم ما فيه الخير له في الآخرةِ وإن كان ظَاهرهُ عُقوبة في الدُنَّيا، وقد كانَ السِّجنُ طَريقًا ليوسف إلى العزةِ في الدُنَّيا والفوزَ في الآخرة.
ومنها: أن العبد الصادق مع ربهِ ينبغي أن يلتجئ إليه ويحتمي بحماه عند وجود أسباب المعصية، ويتبرأ من حَولهِ وقوتهِ لأنه عبدٌ ضعيفٌ، وقد كانَ ذلكَ من يوسف عليه السلام ﴿ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ ﴾ [يوسف:33]،
أيضًا: على العبدِ أن يعبُدَ رَبهُ حَالَ الرَّخاءِ والشِّدةِ على حدٍ سَواءٍ فيوسف عليه السلام لم يزل يَدعو إلى الله فَلمَّا دَخلَ السِّجنَ استمر على ذلك ودعا من يتصلُ بهِ من أهلِ السجنِ، ودَعا الفَتيين إلى التوحيدِ، ونَهاهما عن الشركِ وذلك قبلَ أن يُعبر لهما الرؤيا، وهكذا الداعيةُ إلى الله ينبغي أن يغتنم الفُرصَ فَيدعوا إلى الله في كلِ مكانٍ وزمانٍ بما يتناسبُ مع الظروفِ والأحوالِ والأشخاصِ، وكم أَدركَ الدُعاةُ الأكفاءُ والعلماءُ والأعلامُ في هذه المناسباتِ من المكاسبِ العظيمةِ.
أيها الأحبة.. يقول تعالى: ﴿ لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ ۗ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَىٰ وَلَٰكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ﴾ [يوسف:111].
الحمدُ لله الذي جعلَ في قصصِ الأنبياءِ عظةً وعبرةً وتسليةً للمؤمنين، وأشهدُ أن لا إله إلا الله وليُّ الصالحين، وأشهدُ أن محمدًا عبده ورسوله إمامُ الأنبياءِ وقُدوةُ الدعاةِ الصالحين صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا.
أما بعد:
أيها الأحبة: من الفوائد واللطائف القيمة التي نستفيدها من قصة يوسف عليه السلام: أن من وَقعَ في مكروهٍ وشدة فلا بأسَ أن يستعينَ بمنَّ لهُ قُدرةً على تخليصهِ بفعلهِ أو الإخبارِ بحاله، وهذا ليسَ شَكوى إلى المخلوقِ بلْ هُو من فعلِ الأسبابِ المعينةُ على الخلاصِ من الظلمِ والشِّدةِ، ولِذا قال يوسف للذي ظنَّ أنه ناج منهما: ﴿ اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ ﴾ [يوسف:42].
وقيل: إن التعلق الأكمل بالله أن لا تسأل الناس شيئًا ولا ترجو شفاعة من مخلوق، ولذا لبث يوسف في السجن بضع سنين لما رجا شفاعة الرجل.
ومنها: أنه ينبغي للمعلمِ والداعي إلى الله استعمال الإخلاص التَّام في تعليمه ودعوته، وأن لا يجعل ذلك وسيلة إلى معاوضة في مالٍ أو جاهٍ أو نفعٍ دنيوي كما لا يمتنع من التعليم إذا لم يستجب المتعلم لما كلفه به المعلم، وهذا حالُ يُوسف وصَّى أحد الفتيين فلم يُنفذ الوصية، ثمَّ رجعَ نفسُ الفَتى يَسألُ يوسف عن الرُّؤيا فأجابهُ ولم يعنِّفه أو يوُّبخه أو يحاسبه على عدمِ تنفيذِ الوصية.
ومنها: أنه لا بأسَ أن يُخبر الإنسانُ عمَّا في نفسهِ من الصفاتِ الحسنةِ من العِلمِ وغيره إذا كان في ذلكَ مصلحةً للناس، وسَلمَ من الكذبِ، لقوله: ﴿ اجْعَلْنِي عَلَىٰ خَزَائِنِ الْأَرْضِ ۖ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ ﴾ [يوسف:55]، فليس هذا من التباهي والتفاخر وإنما لئلا يتولى على الناس من يعبث بأموالهم ويفسد معايشهم غير يوسف.
من الفوائد: أن حُسن التدبيرِ مطلوبٌ والإخلاصُ في العملِ شَرطٌ لقبولهِ، وقد تحققَ ذلك ليوسف فكثُرتِ الخيراتُ في عهده، وهكذا من ولي من أمرِ المسلمينَ شيئًا سَواءٌ كانت الولايةُ صغيرة أو كبيرة عليهِ أن يَرفُقَ بِهم، وأن يُساعدهُم، و أن ينصحَ لهم ليتحققَ على يديهِ الخير لهم - إن شاء الله -.
ومنها: مشروعيةِ الضيافةِ، وأنها من سُننِ المرسلين: ﴿ أَلَا تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ وَأَنَا خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ ﴾ [يوسف:59]، أي المضيفين.
ومنها: جوازُ استعمال الأسباب الرافعة للعين وغيرها من المكاره أو الرافعة لها بعد نزولها غير ممنوع وإن كان لا يقع شيء إلا بقضاء الله وقدره فإن الأسباب أيضا من القضاء والقدر، لقوله يعقوب عليه السلام: ﴿ يَا بَنِيَّ لَا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ ۖ وَمَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ ﴾ [يوسف:67].
مما يستفاد من قصة يوسف: أنه لا يسوغ أن يشهد العبد إلا بما علم وتحقق منه برؤية أو سماع: ﴿ وَمَا شَهِدْنَا إِلَّا بِمَا عَلِمْنَا ﴾ [يوسف:81].
ومنها: إذا حصلت النعم على العباد فينبغي أن يتذكروا ما كانوا عليه في السابق من أجل شُكر النعم لأنها إذا شُكرت قَرت، وإذا كُفرت فَرت.
من الفوائد: الإلحاحُ على الله بالدعاءِ وسُؤاله التثبيت لأن قلوب العباد بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء.
من أبلغ العبر: فضيلةُ الصبرِ والتقوى وأن عواقبهُ حميدة، وهكذا كان حال يعقوب ويوسف عليهما السلام، قال الله: ﴿ إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ ﴾ [يوسف:90] فقد اجتمعت التقوى والصبر والإحسان في يوسف، ومن كان كذلك كانت عاقبته إلى رفعة وتمكين ولا بد.
ومن آخر هذه الفوائد القيمة: أن يوسف كان مملوكًا في القصر وبيع لعزيز مصـر، فلو أطاع شهوة لحظة -وحاشاه- لم ينل ما ناله من الرفعة والمكانة، ولم يُؤت النبوة، ولم يُذكر في كتاب الله ويكون له لسان صدق في الآخرين إلى قيام الساعة، فلقد أصبح بعفته وصبره وخشيته لله في الغيب: ملك القصر وعزيز مصر، ومن ترك شيئًا لله عوضه الله خيرًا منه.
ومنها: حسن أخلاق يوسف حيث قال لإخوته: ﴿ لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ ۖ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ ﴾ [يوسف:92] أي: لا عتاب، فلم يعاتبهم بل دعا لهم، ثم لم يذكرهم بفعلتهم، حتى حين قال لأبويه: ﴿ وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي ﴾ [يوسف:100]، فلم يذكر فضل الله عليه بإخراجه من الجب، مع أنه مقر بذلك، والجب أخطر من السجن لأنه مظنة الموت والهلاك، من أجل أن لا يحرج إخوته بتذكيرهم بماضيهم وخطئهم، ثم قوله: ﴿ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي ﴾ [يوسف:100]، فرد الأمر إلى نزغ الشيطان، وجعل الأمر مشتركًا بينه وبين إخوته، عاذرًا لهم من الغيرة التي كانت في قلوبهم والتي نفخ الشيطان فيها، وهذا غاية في المروءة والتغافل، وهو من الصفح الجميل.
فمتى ترانا نتعامل بمثل تعامل يوسف عليه السلام؟ تصافحوا وتسامحوا، فمهما لقيتم من بعضكم لن تبلغوا إلى ما بلغ الأمر بإخوة يوسف أن يحاولوا قتله وإبعاده، وأن يتسببوا له بالغربة والعبودية والسجن، ومع ذلك فلم ينتقم وقد كان قادرًا، بل لم يؤنب ولم يعاتب، ﴿ وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ ﴾ [فصلت:35].
وهذه القصة مليئة بالعظات والعبر ولعل قراءتها والتمعن في تدبر آياتها يجعل العبد يفقه كثيرًا من أسرارها. نسأل الله بمنه وكرمه أن يجمعنا بيعقوب ويوسف و بمحمد ووالدينا وأحبابنا في جنات النعيم.
صاحب هذه الخطبة
الشيخ / عبد الله بن محمد الطيار