حجم الخط:

صلة الرحم

الخطبة الأولى:

الحمد لله الذي خلق من الماء بشرًا فجعله نسبًا وصهرا، وأوجب صلة القربى وأعظم في ذلك أجرا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له فاطر السموات العلى، ومنشئ الأراضين والثرى، أحمده جل وعلا على ما أولى، واشكره تعالى على ما أسدى، وأشهد أن سيدنا محمدًا عبده ورسوله أعظم الناس قدرا وأرفعهم ذكرا، صلى الله وأصحابه أولي الفضل والنهى، وعلى التابعين وسلم تسليما كثيرًا..

أمّا بعد:

فاتّقوا الله عبادَ الله حقّ التقوى، فبتقوى الله تُستجلَبُ النّعم، وبالبُعد عنها تحلّ النقَم.

أيّها المسلمون: يهدِف الإسلام إلى بناءِ مجتمعٍ إسلاميّ متراحمٍ متعاطِف، تسودُه المحبّةُ والإخاء، ويهيمِن عليه حبّ الخيرِ والعَطاء.

والأسرةُ وحدة المجتمع، تسعَد بتقوى الله ورعايةِ الرّحِم، اهتمّ الإسلامُ بتوثيق عُراها وتثبيتِ بنيانها، فجاء الأمر برعايةِ حقّها بعدَ توحيد الله وبرّ الوالدين، قال جل وعلا: ﴿ وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا ۖ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَىٰ [النساء:36]. وقُرِنَت مع إفراد الله بالعبادةِ والصّلاة والزّكاة، عن أبي أيّوب الأنصاريّ رضي الله عنه قال: جاء رجلٌ إلى النبيّ فقال: أخبِرني بعملٍ يدخلني الجنّة، قال: «تعبد الله ولا تشرِك به شيئًا، وتقيمُ الصلاة، وتؤتي الزكاةَ، وتصِلُ الرّحم»[1]

أُمِرَت الأمم قبلَنا بصِلة أرحامِها، قال سبحانه: ﴿ وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِي الْقُرْبَىٰ [البقرة:83]، ودَعا إلى صِلتها نبيّنا محمّد في مَطلع نبوّته، قال عمرو بن عبَسَة: قدمتُ مكّةَ أوّلَ بعثةِ النبيّ ، فدخلتُ عليه فقلت: ما أنت؟ قال: «نبيّ»، قلت: وما نبيّ؟ قال: «أرسَلَني الله»، قلت: بِمَ أرسلك؟ قال: «بصلةِ الأرحام وكسرِ الأوثان وأن يُوحَّد الله»[2]

وسأل هرقل أبا سفيان عن النبيّ : ما يقول لكم؟ قال: يقول: «اعبُدوا الله وحدَه ولا تشركوا به شيئًا»، ويأمرنا بالصّلاة والصِّدق والعَفاف والصّلَة.[3]

وأمَر بها عليه الصلاة والسلام أوّلَ مقدمِه إلى المدينة، قال عبد الله بن سلام: لمّا قدم النبيّ المدينةَ انجفلَ الناس إليه أي: ذهَبوا إليه فكان أوّل شيء سمعتُه تكلَّم به أن قال: «يا أيّها الناس، أفشوا السّلام، وأطعِموا الطّعام، وصِلوا الأرحامَ، وصَلّوا بالليل والنّاس نِيام، تدخلوا الجنّة بسلام»[4]. وهي وصيّة النبيّ ، قال أبو ذر: «أوصاني خليلِي بصِلة الرّحم وإن أدبَرت»[5].

صِلة ذوي القربَى أمارةٌ على الإيمان، «من كان يؤمِن بالله واليومِ الآخر فليصِل رحِمَه»[6]. وقد ذمّ الله كفّارَ قريش على قطيعةِ رحمِهم فقال عنهم: ﴿ لَا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً [التوبة:10].

القيامُ بها برٌّ بالوالدَين وإن كانوا أمواتًا، فعن عبدالله بن دينار أنَّ رجلًا من الأعرابِ لقِيَ عبدالله بن عمر بطريقِ مكةَ، فسلَّم عليه عبدُ اللهِ، وحمله على حمارٍ كان يركبُه، وأعطاه عمامةً كانت على رأسِه، فقال ابنُ دينارٍ: فقلنا له: أصلحَك اللهُ! إنهم الأعرابُ وإنهم يرضَون باليسيرِ. فقال عبدُ اللهِ: إنَّ أبا هذا كان وُدًّا لعمرَ بن الخطابِ، وإني سمعتُ رسولَ اللهِ يقول: «إنَّ أبَرَّ البِرِّ صلةُ الولدِ أهلَ وُدِّ أبيه»[7].

خلق الله الرحمَ، وشقَقَ لها اسمًا من اسمِه، ووعَد ربُّنا جل وعلا بوصلِ مَن وصلَها، ومَن وصَله الرحيمُ وصلَه كلُّ خير ولم يقطَعه أحد، ومن بَتَره الجبّار لم يُعلِه بشـرٌ وعاشَ في كَمَد، ﴿ وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ [الحج:18].

والله يُبقي أثرَ واصلِ الرّحم طويلًا، فلا يضمحِلّ سريعًا كما يضمحِلّ أثر قاطعِ الرّحم، قال النبيّ : «قال الله للرّحم: أما ترضينَ أن أصلَ من وصلك وأن أقطعَ من قطعك؟ قالت: بلى، قال: فذاك لك»[8]، «والرحمُ معلّقة بالعرش تقول: مَن وصلني وصله الله، ومن قطعني قطعه الله»[9].

صلةُ الرّحم تدفَع بإذن الله نوائبَ الدّهر، وترفع بأمرِ الله عن المرء البَلايا، لمّا نزل على المصطفى ﴿ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ [العلق:1] رجع بها ترجِف بوادرُه حتّى دخل على خديجةَ فقال: «زمِّلوني»، فأخبرَها الخبَر، وقال: «قد خشيتُ على نفسِي»، فقالت له: كلاّ والله، لا يخزيكَ الله أبدًا؛ إنّك لتصلُ الرّحم، وتحمِل الكَلّ، وتكسِب المعدومَ، وتَقري الضّيف[10].

أمَرَ الله بالرّأفة بهم كما نرأَف بالمِسكين، قال عز وجل: ﴿ وَآتِ ذَا الْقُرْبَىٰ حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ [الإسراء:26]. حقُّهم في البذلِ والعطاء مقدّمٌ على اليتامَى والفقراء، قال سبحانَه: ﴿ يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ ۖ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ [البقرة:215]. السخاءُ عليهم ثوابٌ مضاعفٌ من ربِّ العالمين، قال عليه الصّلاة والسّلام: «الصدقةُ على المسكين صدقة، وعلى القريب صدقةٌ وصِلة»[11]

وأوّلُ مَن يُعطَى مِن الصدقة هم الأقربون مِن ذوي المَسكنَة، تصدّق أبو طلحة رضي الله عنه ببستانِه، فقال له النبيّ : «أرَى أن تجعلَها في الأقربين»، فقسمَها أبو طلحة على أقاربِه وبني عمّه[12]. يقول عليّ رضي الله عنه: «لأن أصِل أخًا مِن إخواني بدِرهم أحبّ إليّ من أن أتصدّق بعشرين درهمًا».

الباذلُ لها سخيُّ النّفس كريم الشّيَم، يقول الشعبيّ رحمه الله: (ما ماتَ ذو قرابةٍ لي وعليه دينٌ إلاّ وقضيتُ عنه دينه).

الجارُ من ذوي الأرحام أخصُّ بالرّعاية والعنايةِ مِن غيره، قال سبحانه: ﴿ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ [النساء:36].

دعوتُهم وتوجيهُهم وإرشادهم ونُصحهم ألزمُ من غيرِهم، قال جل وعلا: ﴿ وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ [الشعراء:214]. وإكرامُ ذوي القراباتِ مأمور به على أن لا يكونَ في التّقديم بخسٌ لأحدٍ أو هضمٌ لآخرين، قال سبحانه: ﴿ وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَىٰ [الأنعام:152].

في صلةِ الرّحم ثمراتٌ هي أسُسٌ في بِناء الحياة؛ محبّة الأهل، بَسط الرّزق، بركةُ العُمر، يقول : «صِلة الرّحم محبّةٌ في الأهل، مثراة في المالِ، منسَأَة في الأثر»[13]، وعند البخاريّ ومسلم: «من أحبَّ أن يُبسَط له في رزقه ويُنسَأ له في أثَره فليصِل رحمَه»[14]، قال ابن التّين: (صلةُ الرّحم تكون سببًا للتوفيقِ والطاعة والصيانة عن المعصيةِ، فيبقى بعدَه الذكرُ الجميل فكأنّه لم يمُت).

صِلتُها عبادةٌ جليلة مِن أخصِّ العبادات، يقول عمرو بن دينار: (ما مِن خطوة بعد الفريضةِ أعظمُ أجرًا من خطوةٍ إلى ذي الرّحم). ثوابُها معجَّل في الدنيا ونعيمٌ مدَّخرَ في الآخرة، قال : «ليس شيء أُطِيع الله فيه أعْجَل ثوابًا من صِلةِ الرحم»[15].

والقائمُ بحقوقِ ذوي القربَى موعودٌ بالجنّة، يقول عليه الصلاة والسلام: «أهلُ الجنة ثلاثة: ذو سلطانٍ مُقسط، ورجلٌ رحيم رقيقُ القلب بكلّ ذي قُربى ومسلم، ورجلٌ غنيّ عفيف متصدِّق»[16].

بصلتِهم تقوَى المودَّة وتزيدُ المحبَّة وتتوثَّق عُرى القرابةِ وتزول العداوة والشّحناء، فيها التعارفُ والتواصلُ والشعور بالسّعادة.

صِلة الرّحم والإحسان للأقربين طرقُها ميسَّرة وأبوابها متعدِّدة، فمِن بشاشةٍ عند اللّقاء ولينٍ في المُعاملة، إلى طيبٍ في القول وطلاقةٍ في الوجه، زياراتٌ وصِلات، مشاركةٌ في الأفراح ومواساةٌ في الأتراح، وإحسان إلى المحتاج، وبذل للمعروف، نصحُهم والنّصح لهم، مساندةُ مكروبِهم وعيادة مريضهم، الصفحُ عن عثراتهم، وترك مضارّتهم. ولا يكن أهلُك أشقى الخلقِ بك، والمعنى الجامِع لذلك كلّه إيصالُ ما أمكَن من الخير، ودفعُ ما أمكنَ منَ الشرّ.

صلةُ الرّحم أمارةٌ على كَرَم النّفس وسَعَة الأفُق وطيبِ المنبَتِ وحُسن الوَفاء، ولهذا قيل: مَن لم يصلح لأهلِه لم يصلح لك، ومَن لم يذبّ عنهم لم يذبَّ عنك. يقدِم عليها أولو التّذكرة وأصحاب البصيرة، ﴿ أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَىٰ ۚ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ [الرعد:19].

وقطيعة الرّحم مِن كبائر الذّنوب، متوَعَّد صاحبُها باللّعنةِ والثبور، قال تعالى: ﴿ فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ ﴿٢٢﴾ أُولَٰئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَىٰ أَبْصَارَهُمْ [محمد:22-23]. التدابرُ بين ذوِي القربَى مؤذِنٌ بزوالِ النِّعمة وسوءِ العاقبةِ وتعجيل العقوبة، قال عليه الصلاة والسلام: «لا يدخل الجنّةَ قاطع»[17]، قال ابن حجَر: (القاطعُ للرّحم منقطِعٌ مِن رحمة الله).

عقوبتُها معجَّلة في الدّنيا قبلَ الآخرة، يقول النبيّ : «ما مِن ذنبٍ أجدر أن يعجِّل الله لصاحبِه العقوبةَ في الدّنيا مع ما يدَّخره له في الآخرة من البغي أي: الظلم وقطيعة الرحم»[18]. وهي سببٌ للذلّة والصّغار والضّعفِ والتفرّق، مجلبة للهمّ والغمّ.

قاطعُ الرّحم لا يثبُت على مؤاخاة، ولا يُرجَى منه وفاء، ولا صدقٌ في الإخاء، يشعر بقطيعةِ الله له، ملاحَقٌ بنظرات الاحتِقار مهما تلقَّى من مظاهِر التبجيل. لقد كان الصحابة يستوحِشون مِن الجلوس مع قاطِع الرّحم، يقول أبو هريرة رضي الله عنه: «أحرِّج على كلِّ قاطعِ رحمٍ لَمَا قام من عندنا»، وكان ابن مسعود رضي الله عنه جالسًا في حلقةٍ بعدَ الصبح فقال: «أنشد الله قاطعَ رحمٍ لَمَا قام عنَّا فإنّا نريدُ أن ندعوَ ربَّنا؛ وإنّ أبوابَ السماء مُرتَجَة أي: مغلقة دونَ قاطِع الرّحم». وكلّ رحِم آتيةٌ يومَ القيامةِ أمامَ صاحبها، تشهَد له بصلةٍ إن كانَ وصلها، وعليه بقطيعةٍ إن كان قطعَها.

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿ وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَىٰ بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ ۗ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [الأنفال:75].

بارَك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني الله وإيّاكم بما فيه من الآيات والذّكر الحكيم، أقول ما تسمعون، وأستغفر اللهَ لي ولكم ولجميع المسلمين من كلّ ذنب، فاستغفروه إنّه غفور رحيم.

الخطبة الثانية:

الحمد لله الذي أحاط بكل شيء علمًا وهو على كل شيء شهيد، أحاط علمه بالظاهر والخفي والقريب والبعيد، أحمده سبحانه وأشكره وهو الولي الحميد، وأُصلي وأُسلِّم على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم في هديهم الرشيد.

أمّا بعد:

أيّها المسلمون: إن الروابطُ تزداد وُثوقًا بالرّحم، وقريبُك لا يَمَلّك على القرب ولا ينسَاك في البُعد، عِزّهُ عزٌّ لك، وذلّه ذلٌّ لك، ومعاداة الأقاربِ شرّ وبلاء، الرّابح فيها خاسِر، والمنتصِر مهزوم.

إنّ ذوي الرّحِم غيرُ معصومين، يتعرّضون للزّلَل، ويقَعون في الخَلل، وتصدُر منهم الهَفوة، ويقَعون في الخطأ والتقصير، وسوء التصـرف والتدبير، فإن بَدَر منهم شيءٌ من ذلك فالزَم جانبَ العفوِ معهم، فإنَّ العفوَ من شِيَم المحسنين، وما زادَ الله عبدًا بعفو إلاّ عِزًّا، وقابِل إساءَتهم بالإحسان، واقبل عُذرَهم إذا أخطؤوا، لقد فعل إخوة يوسفَ مع يوسفَ ما فعلوا، وعندما اعتذروا قبِل عذرهم وصفَح عنهم الصفحَ الجميل، ولم يوبِّخهم، بل دعا لهم وسأل الله المغفرةَ لهم، قال: ﴿ قَالَ لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ ۖ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ ۖ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ [يوسف:92].

غُضَّ عن الهفواتِ، واعفُ عن الزّلاّت، وأقِلِ العثرات، تجنِ الودَّ والإخاء واللينَ والصفاء، وتتحقَّق فيك الشهامةُ والوفاء. داوِم على صِلة الرّحم ولو قطعوا، وبادِر بالمغفرة وإن أخطؤوا، وأحسِن إليهم وإن أساؤوا، ودَع عنك محاسبةَ الأقربين، ولا تجعَل عِتابَك لهم في قطعِ رحمِك منهم، وكُن جوادَ النّفس كريمَ العطاء، وجانب الشحَّ فإنّه من أسباب القطيعة، قال عليه الصلاة والسلام: «إيّاكم والشّحَّ؛ فإنّ الشحّ أهلك من كان قبلكم؛ أمرهم بالبُخل فبخلوا، وأمرهم بالظّلم فظلموا، وأمرهم بالقطيعةِ فقطعوا»[19]

إنّ مقابلةَ الإحسانِ بالإحسان مكافأةٌ ومجازاة، ولكن الواصلَ من يَتفضَّل على صاحبِه، ولا يُتَفضّل عليه، قال عليه الصلاة والسلام: «ليسَ الواصل بالمكافئ، ولكنّ الواصلَ مَن إذا قطعَت رحمُه وصَلها»[20].

قيل لعبد الله بن مُحَيريز: ما حقّ الرّحم؟ قال: (تُستَقبَل إذا أقبَلت، وتُتْبَع إذا أدبَرت)، وجاء رجلٌ إلى النبيّ فقال: يا رسولَ الله، إنّ لي قرابةً أصِلهم ويقطعونني، وأُحسِن إليهم ويسيؤون إليّ، وأحلم عليهم ويجهَلون عليّ، فقال عليه الصلاة والسلام: «لئن كان كما تقول فكأنّما تسِفُّهم المَلّ، ولا يزال معك من الله ظهير ما دمتَ على ذلك»[21].

قيل لأبي حازم: (ما القرابة؟ قال: المودة. قيل: فما الراحة؟ قال: دخول الجنة، وقال: المودة لا تحتاج إلى القرابة، والقرابة تحتاج إلى المودة).

فمن كان بينه وبين رحمٍ له عداوة فليبادِر بالصّلة، وليعفُ وليصفح، ﴿ فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ [الشورى:40]. وإنّ لحسنِ الخُلُق تأثيرًا في الصّلة، والزَم جانبَ الأدَب مع ذوي القربَى، فإنّ مَن حفظ لسانَه أراح نفسَه. وللهديّة أثر في اجتلابِ المحبّة وإثباتِ المودّة وإذهاب الضغائن وتأليف القلوب، والرأيُ الذي يجمَع القلوبَ على المودّة كَفٌّ مبذول وبرّ جميل، وإذا أحسنتَ القولَ فأحسِن الفعل ليجتمعَ معك فصاحةُ اللّسان وثَمَرةُ الإحسان.

ثمّ اعلموا أنّ الله أمركم بالصّلاة والسّلام على نبيّه، فقال في محكم التنزيل: ﴿ إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [الأحزاب:56].

اللهمّ صلِّ وسلِّم وزِد وبارك على نبيّنا محمّد، وارضَ اللهمّ عن خلفائه الراشدين...

صاحب هذه الخطبة

الشيخ /عبد المحسن القاسم

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة