حجم الخط:

صِدِّيق الأُمَّة رضي الله عنه والمواقف العظام

الخطبة الأولى:

الحمد لله الذي شرح بفضله صدور المؤمنين بالهدى، وأضل الظالمين بحكمته وعدله فلن تجد له وليًا مرشدًا، أحمده سبحانه وأشكره، وأتوب إليه وأستغفره، أحاط بكل شيء علمًا، وأحصى كل شيء عددًا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إلهًا واحدًا فردًا صمدًا، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدًا عبده ورسوله، كرم أصلًا وطاب مَحْتِدًا، خصه ربه بالمقام المحمود وسماه محمدًا، وبارك وعلى آله وأصحابه، هم النجوم بهم يُهتدَى، والتابعين ومن تبعهم بإحسان وسار على نهجهم واقتدى.

أما بعد:

فأوصيكم أيّها الناس ونفسي بتقوى الله، فإنّ تقوى الله خلفٌ من كلّ شيء، وليس من تقوى الله خلف، ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102].

أيها المسلمون: ما كان حديثا يُفترى، ذلك الحديث الذي روى به التاريخ أنباء أعظم ثلّة ظهرت على وجه الأرض في دنيا الناس، إن التاريخ الإنساني بطولِهِ وعرضه لم يشهد من الصدق والتوثيق وتحرّي الحق والحقيقة مثل ما شهد تاريخ الإسلام في سير رجاله السابقين، أولئك القوم الذين ناصروا سيد الأنام، وعلى أكتافهم قامت دولة الإسلام.

إن التاريخ الإنساني لم يشهد رجالًا اشتدت بالله عزائمهم، وصدقت لله نواياهم ولرضاه نذروا حياتهم، كما شهد الرجال الأبطال صَحْبَ رسول الله رضي الله عنهم وأرضاهم أجمعين.

نعم، فتحوا الفتوح مجاهدين، وحطموا أعظم إمبراطوريات العالم في بضع سنين، وشادوا بالقرآن وكلماته نظاما جديدًا، وعالمًا فريدًا، راع روعته الدنيا من أقصاها إلى أدناها، كل هذا يدعونا دعوة مُلحّة إلى أن نغوص في أعماق حياة أولئك الرجال، ونتمثل سيرهم وحياتهم التي صاغ الدين فضائلها وهذَّب بالقرآن سجاياها.

سائلوا التاريخ عنا كيف

كنا نحن أسّسنا بناءً أحمديا

وإن أمر هذه الأمة يا رعاكم الله لن يصلح إلا بما صلح به أولها، ما أحوجنا إلى دراسة السير والتاريخ لسلفنا الصالح، لنقدم رجالاته ونساءه للجيل الناشئ وللأمة كلها لتعلم تاريخها، ومن هم آباؤها وأجدادها، وعلى أكتاف من قام تاريخها ومجدها.

ما أحوجنا إلى ذلك في زمن قلت فيه القدوات التي تُحتذى، بل لمَّعت أبواق الشرّ أعدادًا من المغنين والمغنيات، والممثلين والممثلات، والتافهين والتافهات، ليكونوا قدوات للشباب الصاعد والجيل الواعد.

أيها الإخوة: إننا اليوم أمام سيرة رجلٍ من أعظم الرجال، رجل حقّ للأمة أن تفاخر بسيرته أمام الأمم، وأن تبز بحياته سائر متّبعي الملل، رجلٌ انتصر الإسلام بإسلامه، وأعز الله الدين بإيمانه، كاد عمود الدين أن يسقط فأقامه الله به، وارتدّت العرب فثبّت الله أصحابه به، إنه رجلٌ عظيم القدر، رفيع المنزلة، جليل المكانة، لكَمْ وكم جعل روحه فداء لرسول الله قولًا وفعلًا، إنه من نصر الرسول يوم خذله الناس، وآمن به يوم كفر به الناس، وصدّقه يوم كذبه الناس، إنه عبد الله بن عثمان بن عامر أفضل الصحابة، إنه أبو بكر الصديق، ما طلعت الشمس ولا غربت على رجل بعد النبيين والمرسلين خير من أبي بكر.

إنه أوّل من آمن من الرجال، إنه من لو وضع إيمان الأمة في كفة وإيمان أبي بكر في كفة لرجحت كفة أبي بكر، إنه الورِع الفهيم، الحازم الرحيم، التاجر الكريم، أعلم الناس بأنساب قريش في الجاهلية والإسلام، وله اليد الطُّولَى في علم تفسير الأحلام، لم يُؤثَر عنه أنه شرب خمرًا قط، ولم يؤثر عنه أنه سجد لصنم قط، ولم يؤثر عنه كذبٌ قط، دُعي إلى الإسلام فما تردد ولا كبا، ولا تلعثم ولا نبا، وإنما بادر بالتصديق بما جاء به الصادق المصدوق، فأنزل الله: ﴿ وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ ۙ أُولَٰئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ [الزمر:33]، فالذي جاء بالصدق محمد ، والذي صدّق به أبو بكر رضي الله عنه.

هو العتيق من النار، وهو ﴿ ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ [التوبة:40]، وفي الاستباق للخير لا يُشق له غبار، يسابقه الفاروق فيأتي بنصف ماله متصدقًّا، فيجد أبا بكر قد ذهب إلى رسول الله بجميع ماله سابقًا.

يعلنها النبي من على المنبر خطيبًا فيقول: «إنّ مِن أمَنّ الناس على في صحبته وماله أبو بكر، ولو كنت متخذًا خليلًا غير ربي لاتخذت أبا بكر، ولكن أُخوّة الإسلام ومودته، لا يبقى بابٌ في المسجد إلا باب أبي بكر»[1]، مكافأته يوم القيامة يقولها: «ما لأحد عندنا يدٌ إلا وكافيناه بها ما خلا أبا بكر، فإن له يدًا يكافئه الله بها يوم القيامة»[2].

يقدم أبو بكر يوم القيامة وفي ميزان حسناته ستة من العشـرة المبشـرين بالجنة قد أسلموا على يديه.

يقدم أبو بكر يوم القيامة وفي كفة درجاته عشرون صحابيًا أعتقهم من ربقة العبودية بأربعين ألف دينار هي لله وفي الله. يتقدم أبو بكر يوم القيامة ليُدعَى من أبواب الجنة الثمانية كلها.

عُذرًا أبا بكر، فإني أقف عاجزًا عن أن أوفيك حقك، أو أن أتكلم بفضائلك التي طفحت بها الكتب.

عُذرًا فأنا أمام بحرٍ لا يُدرك قاعه، ولا يُسبر غوره، ولكن سنرتشف رشَفات، ونقف وقفات، لنلتقط بعض الدُرر ونستلهم شيئًا من العبر، من حياة صدّيق الأمة، فيها الذكرى لمن تذكر، والعبرة لمن اعتبر.

الموقف الأول: عن عائشة رضي الله عنها قالت: «لما اجتمع أصحاب النبي وكانوا قرابة تسعة وثلاثين رجلًا ألحّ أبو بكر على رسول الله في الظهور وعدم الاختفاء، فقال: «يا أبا بكر إنا قليل»، فلم يزل أبو بكر يلحّ حتى وافقه، وكان رسول الله والمسلمون تفرقوا في نواحي المسجد، وقام أبو بكر خطيبًا في الناس، فكان أول خطيب دعا إلى الله ورسوله، فثار عليه المشركون، وثاروا على المسلمين معه، فضربوا أبا بكر ضربًا شديدًا، حتى إن عُتبة دنا منه وجعل يضرب وجهه بنعلين مخصوفتين، ثم نزَوا على بطن أبي بكر حتى ما يُعرف وجهه من أنفه، حتى جاء بنو تيم قوم أبي بكر وأجْلَوا عنه المشركين، فحُمل رضي الله عنه مُغمى عليه إلى بيت أهله وقد سالت دماؤه، ولم يُفق من غشيته إلا آخر النهار، وأمُّه عند رأسه تبكي بيدها الطعام والماء، وتفتح عينا أبي بكر وهو يرى أمه، فينسى جراحه وآلامه، فكان أول ما قال: أماه! ما فعل رسول الله؟ فتغضب أمّه وتقول: والله ما أوقعك فيما أنت فيه إلا صاحبك، ما لي علم به، فيقول: أماه، اسألي لي عن خبره، فأرسلت إلى أم جميل فاطمة بنت الخطاب، فقدمت وبشّـرته بأنه سالم بحمد الله، فأقبلت عندها أمه بطعامها وشرابها علَّه يشرب أو يأكل، فقال: يا أماه، لله علي أن لا أذوق طعامًا ولا شرابًا حتى آتي رسول الله وأراه!!».

يا الله، أيُّ حبٍ هذا؟! أي ولاء هذا؟! هل سمع التاريخ بمثله؟! فلترَ الأمة كلَّها كيف كان الإيمان العظيم والحب الكبير لرسول الله في قلب أبي بكر، ثم يُحمل أبو بكر ورجلاه تخطّ في الأرض إلى أن دخل على النبي ، فما إن يراه رسول الله ويرى جراحه ودماءه إلا وينكبُّ عليه ويقبله، فينكب عليه المسلمون يقبلونه.

فماذا يقول عندها أبو بكر لحبيبه وصفيه؟ يقول له: بأبي أنت وأمي، ليس بي من بأس إلا ما ناله الفاسق من وجهي يا رسول الله، ثم قال: يا رسول الله، هذه أمي برّة بولدها وأنت مبارك فادع الله لها وادعها إلى الله أن يستنقذها من النار، فدعا لها ودعاها، فما أن رأت ذلك الحب وذاك المشهد حتى قالت: أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله.

الله أكبر! همُّه الدعوة، وهمُّه هداية الناس، يدعو أمه ويريدُ برها، وأعظم البر أن يدعوها لدين الله، وأن يستنقذها من عذاب الله، إنه أبو بكر لطالما اقترب المشركون في مكة من رسول الله يريدون أذيته فما يقف أمامهم إلا أبو بكر يدافع ويناضل عنه، إنه الإيمان الراسخ والحب الصادق، إنها الشجاعة والبطولة، يعترف بها علي بن أبي طالب إذ قال يومًا: «أخبروني بأشجع الناس، قالوا: أنت، قال: أما إني ما بارزت أحدًا إلا انتصفت منه، ولكنه أبو بكر، لقد رأيت رسول الله وقريش تشده وتجرُّه، يقول علي: والله ما دنا منا أحد إلا أبا بكر يجاهدهم ويقول: ويلكم أتقتلون رجلًا أن يقول ربي الله، ثم رفع علي عنه بردة كانت عليه وبكى حتى اخضلت لحيته ثم قال: أنشدكم الله أمؤمن آل فرعون أفضل أم أبو بكر؟ فسكت القوم، فقال علي: والله لساعة من أبي بكر خير منه، ذلك رجل يكتم إيمانه وهذا يعلن إيمانه»[3].

الموقف الثاني: من الذي له الشأن الأعلى والقدح المعلى في هجرة رسول الله إلا أبا بكر، يعرض الرسول الهجرة فيبكي، يا لله أيبكى لأنه سيفارق موطنه وملاعب صباه؟ أم يبكي لأنه سيفارق أهله وأمه وأباه؟ لا والله بل يبكي فرحًا، لا لأنه سيسير في موكب مهيب، بل لأنه سيرافق الحبيب، ، فيجهز راحلتين، ويعد النفقة، ويوظف مولاه، وابنته أسماء، ثم في الغار يدخل قبل النبي ليتفقده، وعندما خرجوا إذا بأبي بكر يمشـي عن يمينه وشماله، ويكثر التلفُّت خوفًا وقلقًا عليه، فداءٌ وتضحية، وإقدامٌ وشجاعة، حتى وصلوا إلى المدينة، فكان الصدّيق خير رفيق في خير طريق لخير صديق.

فاللهم ارض عنه وجازه عن الإسلام خيرا، واحشـرنا معه، وأقر أعيننا برؤياه في جنات النعيم.

أقول ما تسمعون، وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية:

الحمد لله رفع قدر أولي الأقدار، وأشكره على فضله المدرار، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له الواحد القهار، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله المصطفى المختار، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه الطيبين الأطهار، والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم القرار.

أما بعد:

فمن مواقف الصدّيق رضي الله عنه ما جاء في صحيح البخاري عن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: كنت جالسًا عند النبي إذ أقبل أبو بكرٍ آخذًا بطرف ثوبه، حتى أبدى عن ركبته، فقال النبي: «أما صاحبكم فقد غامر»، فسلَّم وقال: يا رسول الله! إنه كان بيني وبين ابن الخطاب شيء، فأسرعت إليه ثم ندمت، فسألته أن يغفر لي فأبى عليَّ، فأقبلت إليك، فقال: «يغفر الله لك يا أبا بكر ثلاثًا»، ثم إن عمر ندم، فأتى منزل أبي بكر فسأل: أثمَّ أبو بكر؟ فقالوا: لا، فأتى النبي فجعل وجه النبي يتمعَّر، حتى أشفق أبو بكر، فجثا على ركبتيه فقال: يا رسول الله، والله أنا كنت أظلَم، والله أنا كنت أظلَم، فقال النبي: «إن الله بعثني إليكم فقلتم: كذبت، وقال أبو بكر: صدق، وواساني بنفسه وماله، فهل أنتم تاركو لي صاحبي؟! فهل أنتم تاركو لي صاحبي؟!» مرتين، فما أوذي أبو بكر بعدها[4].

يا الله، إنه درسٌ عظيم في العفو والتسامح، إنه درس في صفاء القلوب، إنه درس في عظم منزلة الصديق عند رسول الله، وفي الحديث فوائد لمن استفاد، وذكرى لمن تذكر.

الوقفة الرابعة: في يومٍ عسير من أيام المسلمين، كادت فيه قاعدة الإسلام أن تموج، لكنّ رجل المواقف الصديق لها، ذاك يوم أن توفي رسول الله، وهاج الناس وماجوا وتضاربت الأقوال، وأُغلق باب النبي فلا يُفتح حتى يأتي أبو بكر، ويأتي والناس ينتظرون، فيدخل ويتّجه شطرَ رسول الله ، فيجده مُسجًّى بثوبٍ حَبِرة، فيكشف عن وجهه ويقبّله ويبكي قائلًا: بأبي أنتَ وأمّي، طِبتَ حيًّا وميتًا. ثم يخرج على الناس وعمرُ رضي الله عنه مأخوذٌ بهَول الخَطْب، لم يصدّق بعد ما سمع، بل يهدد ويتوعد كل من يزعم أن النبي قد مات، وحالُ الصَّحب الكرام في هذه الرزيَّة كالغنم المطيرةِ في الليلة الشاتية؛ لا يستطيعون حيلةً ولا يهتدون سبيلًا، فيقوم أبو بكر خطيبًا، ويقول قولتَه الشهيرَة: «من كان يعبد محمَّدًا فإنَّ محمَّدًا قد مات، ومن كان يعبد الله فإنَّ الله حيٌّ لا يموت»، ثم يتلو قوله تعالى: ﴿ وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ ۚ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ [آل عمران:144]، فوقعت هذه الآية على الناس كالصاعقة، وكأنَّهم لم يعلمُوا هذهِ الآيةَ حتى تُلِيَت عليهم، ويقول عمر رضي الله عنه وفي صدره من غُصَص الأسى ما يُذيب الحَشا: «والله، ما هو إلا أنْ سمعت أبا بكرٍ تلاها فعُقِرْتُ حتى ما تُقِلُّني رِجلاي، وحتى أهويتُ إلى الأرض، وعلِمتُ أن النبيَّ قد مات».

وفي هذا الموقف الحاسم دليلٌ على شجاعةِ الصدِّيق ورسوخ إيمانه ورباطة جأشِه عند حلولِ المصائب، وهو الأسيفُ الرقيق، وذلك برهانُ وَفرة علمه حيث كشف اضطرابَ الصحابة بنور الوحي والإصابة.

الموقف الخامس: بعد وفاة النبي مباشرة حدثت في الجزيرة العربية فتنة من أشد الفتن التي مرت على الأمة الإسلامية، وكأن الله يبتلي هؤلاء القوم بأمر بعد أمر، فابتلاهم أولا بوفاة الرسول، ثم بهذا الأمر الشديد والموقف العصيب، فما إن علمت العرب بوفاة الرسول، حتى نقضت عهدها، وتركت دينها، ولم يثبت من الجزيرة العربية بعد وفاة الرسول إلا ثلاث مدن، وقرية واحدة. فارتدت قبائل بني حنيفة، وأسد، وعبس، وذبيان، وقضاعة، وكِندة، وتميم، وقبائل اليمن، وعمان، والبحرين، ومهرة، وتهامة، وغير ذلك من قبائل الجزيرة، ولم يبق على الإسلام إلا المدينة المنورة، ومكة، والطائف، وقرية جُوَاثا بشرق الجزيرة العربية..

وكان النبي قد وجّه أسامة بن زيد بجيش إلى الشام، فلما نزل بذي خشب قُبض رسول الله، وارتدت العرب حول المدينة، فلما ولي أبو بكر اجتمع إليه أصحاب رسول الله، فقالوا: يا أبا بكر رُدّ هؤلاء، تُوَجّه هؤلاء إلى الروم، وقد ارتدت العرب حول المدينة؟ فقال: «والذي لا إله غيره، لو جرّت الكلاب بأرجُل أزواج رسول الله ما رددت جيشًا وجّهه رسول الله، ولا حللت لواءً عقده رسول الله». ثم يأتيه عمر ويقول عن الأنصار: «أمروني أن أبلغك لو وليت أمر الجيش من هو أقدم سنًا من أسامة حيث كان أسامة قريب الثمان عشـرة سنة!»، فوثب أبو بكر وكان جالسًا وأخذ بلحية عمر وقال: «ثكلتك أمك وعدمتك يا ابن الخطاب، استعمله رسول الله وتأمرني أن أنزعه؟!»، وأمر بالجيش فجمع وأوصاهم بوصاياه العظيمة في الحرب، ويركب أسامة فرسه وأبو بكر تحت عنقها يمشي معه يودعه ويوصيه، فقال له أسامة: «يا خليفة رسول الله، والله لتركبن أو لأنزلن»، قال: «والله لا تنزل، ووالله لا أركب، وما علي أن أغبّر قدمي في سبيل الله ساعة. لله دره من حزم وثبات وشجاعة وإقدام».

ثم يحارب المرتدين من العرب، ويبعث البعوث، ويعقد الألوية، ويجهز الجيوش، والصحابة يراجعون أبا بكر، وعمر يأتيه ويقول: «علام نقاتلهم؟! دعهم ما أقاموا الصلاة»، وأبو بكر يرفض، ويجأر بأعلى صوته: «والله لأقاتلنّ مَن فرّق بين الزكاة والصلاة، والله لو منعوني عقال بعير كانوا يؤدونه لرسول الله لقاتلتهم عليه»، ويمضى جيش المسلمين لحرب المرتدين، ويعود مظفرًا منصورًا، فما كان من عمر بعدها إلا أن قبّل رأس أبي بكر وقال: «وجدتك والله أحسم مني وأمضى».

لقد كان من الممكن أن تكون لهذه الفتنة العظيمة آثار وخيمة، لولا أن الله مَنّ على الأمة في ذلك الوقت بنعمة عظيمة، تلك هي نعمة الصديق رضي الله عنه، لقد كان الصديق نعمة من الله أيد بها هذه الأمة، وحفظ بها الدين والقرآن، وقمع به المشركين والمرتدين، وحقّ لهذا الرجل أن يوزن بأمة، ولا سيما عندما نعلم أن هذا الموقف كان بعد أيام قليلة جدًّا من استلامه للحكم، ومن المعتاد أن قائد الدولة يحتاج إلى فترة للتأقلم على الوضع الجديد، ولاكتساب الخبرة، ولكن الصديق أدار الأمور بحزم وعزم وكفاءة واقتدار، وكأنه يحكم الدولة منذ سنوات، ثم إن مصيبة الردة جاءت بعد أيام قلائل من مصيبة أبي بكر بفقد حبيبه، ولا شك أن مصاب الصديق كان كبيرًا، فهو أقرب الناس إلى رسول الله، وأشدهم حزنًا على فراقه، ولكن الله رزقه الثبات، والثبات نعمة جليلة لا توهب إلا لمن كان مؤمنًا حقًّا ﴿ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ ۖ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ ۚ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ [إبراهيم:27].

الموقف السادس: روي في السير عن عمر بن الخطاب قال: كنت أفتقد أبا بكر أيام خلافته ما بين فترة وأخرى، فلحقته يومًا فإذا هو بظاهر المدينة خارجها قد خرج متسللًا، فأدركته وقد دخل بيتًا حقيرًا في ضواحي المدينة، فمكثت هناك مدة، ثم خرج وعاد إلى المدينة، فقلت: لأدخلن هذا البيت، فدخلت فإذا امرأة عجوز عمياء وحولها صبية صغار، فقلت: يرحمك الله يا أمة الله من هذا الرجل الذي خرج منكم الآن؟ قالت: إنه ليتردّد علينا، ووالله إني لا أعرفه، فقلت: فما يفعل؟ فقالت: إنه يأتي إلينا فيكنس دارنا، ويطبخ عشاءنا، وينظف قدورنا، ويجلب لنا الماء، ثم يذهب، فبكى عمر حينذاك وقال: الله أكبر، والله لقد أتعبتَ من بعدك يا أبا بكر.

وتنتهي هذه الحياة الحافلة بالعطاء، ويمرض أبو بكر الصديق خمسة عشر يومًا، يثقل يومًا بعد يوم، ولما حضرته الوفاة إذ بالصدّيقة عائشة عند رأسه تبكي وتقول:

لعمرك ما يغني الثراء عن الفتى

إذا حشـرجت يومًا وضاق بها الصدر

فيقول أبو بكر: «لا تقولي هكذا يا بنية، ولكن قولي: ﴿ وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ۖ ذَٰلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ [ق:19]». ثم يموت رضي الله عنه ويدفن إلى جانب حبيبه رسول الله، وتأتي عائشة ابنته، فتقف على قبره والدموع في عينيها وتقول: نضّر الله وجهك يا أبتاه، وشكر لك صالح سعيك، فلقد كنت للدنيا مُذلًا بإعراضك عنها، وللآخرة مغرًا بإقبالك عليها، ولئن كان أجلّ الحوادث بعد رسول الله رزؤك وأعظم المصائب بعده فقدك، إن كتاب الله ليعد بالعزاء عنك حسن العوض منك، فأنا أنتجز من الله موعده فيك بالصبر عليك، وأستعيضه منك بالدعاء لك، فإنَّا لله وإنا إليه راجعون، وعليك السلام ورحمة الله، توديع غير قالية لحياتك، ولا زارية على القضاء فيك.

رحم الله صدّيق الأمة أبا بكر، ورضي عنه، وجزاه عن أمة محمدٍ خيرًا، فإنا والله نتقرب إلى الله بحبه، ولسنا نحبه أو نحب أحدًا من أصحاب النبي إلا حبًا لنبيّنا ولديننا، فليست مكانتهم عندنا إلا لأنهم آمنوا بالله ورسوله، وعزّروه ونصروه واتبعوا النور الذي أُنزل معه، ولولاهم بعد الله لما وصل إلينا دين الله، فلهم الفضل علينا بعد الله ورسوله، ومن أحبهم فلحب الله ورسوله، رضي الله عنهم وأرضاهم، وألحقنا بهم في عباده الصالحين، إنه بكلِّ جميلٍ كفيل، وهو حسبنا ونعم الوكيل..

اللهم صلِّ وسلم على النبي المصطفى، والرسول المجتبى، اللّهمّ وارضَ عن الأربعة الخلفاء، الأئمة الحنفاء، ذوي القدر العليّ، والشرف الجليّ: أبي بكرٍ وعمر وعثمان وعليّ، ومن سار على نهجهم واقتفى، يا خيرَ من تجاوز وعفا.

صاحب هذه الخطبة

الشيخ /فيصل الشدّي

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة