حجم الخط:

علي بن أبي طالب رضي الله عنه

الخطبة الأولى:

الحمد لله أوجد الكائنات فأبدعها صنعًا، وأحكمها خلقًا، وهدى عباده النجدين، فأسعد فريقًا وفريقًا أشقى، أحمده سبحانه وأشكره، وأثني عليه بما هو أهله، لم يزل للشكر مستحقًا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعبدًا ورقًا، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدًا عبد الله ورسوله هو الأخشى لربه والأتقى، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه المقدمين فضلًا وسبقًا، والتابعين ومن تبعهم بإحسان ومن نصر دين الله حقًا وسلم تسليمًا كثيرًا.

أما بعد:

فيا عباد الله: أوصيكم ونفسي بتقوى الله تعالى، ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102].

معاشر المسلمين: إن جيل الصحابة رضوان الله عليهم خير جيل ظهر على وجه الأرض، هم الذين وضعوا أنفسهم بين يدي رسول الله لكي يعلمهم ويربيهم، ويوجههم ويصوغهم، فتلقوا تلكم التربية النبوية الكريمة، حتى خلَت نفوسُهم من حظ نفوسِهم، وجنّدوا أنفسهم لنصـر الشـريعة ورفع لواء الدين، فخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلًا من ربهم ورضوانًا وينصـرون الله ورسوله، أولئك هم الصادقون.

ومن بين هؤلاء الصحب الكرام صحابي جليل أحبه الله، وأحبه رسول الله ، هو الإمام إذا عُدّ الأئمة، وهو البطل إذا عُدّ الأبطال، هو الشجاع المِقدام والبطل الهُمام، هو الشهيد الذي قُتِل غدرًا، ولو أراد قاتله قتله مواجهة ما استطاع، ولكن عادة الجبناء حيلة الغدر، والطعن في الظهر. فمن هو -يا ترى- صاحب هذه الصفات؟

إنه أمير المؤمنين أبو الحسن علي بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف القرشي الهاشمي، ابن عمّ رسول الله ، وأخوه بالمؤاخاة، أمه فاطمة بنت أسد بن هاشم، وزوجه فاطمة بنت محمد بن عبد المطلب بن هاشم.

ولد الإمام علي بن أبي طالب قبل البعثة بعشر سنين، وتربى في حجر النبيّ وفي بيته، أول من أسلم بعد خديجة وهو صغير. كان الإمام علي يلقّب حيدرة، وكنّاه النبيّ أبا تراب. أحد العشرة المبشرين بالجنة، زوّجه النبي ابنته فاطمة الزهراء، وهو أبو السبطين الحسن والحسين سيّدَي شباب أهل الجنة، وهو من الخلفاء الراشدين المهديين، اجتمع له من الفضائل الجمّة ما لم يجتمع لغيره، فمن ذلك ما روي عنه رضي الله عنه قوله عن نفسه:

محمدٌ النبي أخي وصهري

وحمزة سيد الشهداء عمّي

وجعفرٌ الذي يمسـي ويضحى

يطير مع الملائكة ابن أمي

وبنت محمد سكني وعِرسي

مشوب لحمها بدمي ولحمي

وسبطا أحمدٍ ولداي منها

فأيُّكمُ له سهمٌ كسهمي؟!

ولمّا هاجر النبيّ من مكة إلى المدينة أمر عليًّا أن يبيت على فراشه، وأجّله ثلاثة أيام ليؤدي الأمانات التي كانت عند النبيّ إلى أصحابها ثم يلحق به إلى المدينة، فهاجر الإمام علي من مكة إلى المدينة المنورة ماشيًا.

شهد الإمام علي المشاهد كلها مع النبيّ إلا غزوة تبوك حيث استخلفه الرسول في أهله وقال له: «أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى؟»[1] وأعطاه اللواء يوم خيبر ففتحها، واقتلع باب الحصن.

فضائله جمّة لا تُحصى، ومناقبه كثيرة لا تعد، كان رضي الله عنه وأرضاه غزير العلم، زاهدًا ورعًا شجاعًا، وقد ورد عن الإمام أحمد رحمه الله أنه قال: (لم يُنقل لأحد من الصحابة من الفضائل ما نقل لعلي رضي الله عنه).

جمع إلى جانب مهارته في القضاء والفتوى العلم بكتاب الله وفرائده، والفهم لمعانيه ومقاصده، فكان من أعلم الصحابة رضي الله عنهم بأسباب نزول القرآن ومعرفة تأويله؛ يشهد لهذا ما رُوي عن ابن عباس رضي الله عنه أنه قال: «ما أخذتُ من تفسير القرآن فعن علي بن أبي طالب». فإذا كان هذا شأن ابن عباس رضي الله عنه وهو ترجمان القرآن، فكيف والحال كذلك بمن أخذ عنه؟!

روى الإمام مسلم في فضائل علي رضي الله عنه قوله رضي الله عنه: والذي فلق الحبة وبرأ النَّسَمَة، إنه لعهد النبي الأمي إليّ أنه «لا يحبني إلا مؤمن، ولا يبغضني إلا منافق». وقال عنه : «من كنت مولاه فعلي مولاه، اللهم والِ من والاه، وعاد من عاداه»[2].

دعاه الرسول وزوجته فاطمة وابنيه الحسن والحسين وجلَّلهم بكساء وقال: «اللهم هؤلاء أهل بيتي، فأذهِب عنهم الرجس وطهِّرْهُم تطهيرًا»[3] وذلك عندما نزلت الآية الكريمة: ﴿ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ [الأحزاب:33].

ولقد كانت أخلاقه رضي الله عنه قبسًا من نور خلق النبي الذي تربى في حجره وعاش على مائدة مكارم النبوة، حتى شب عن الطوق، واكتملت رجولته، وزاد من ذلك مصاهرته للنبي ، حيث كان يتعاهده وفاطمة الزهراء بالمواعظ والآداب العظيمة، فتنامت أخلاقه شموخًا، وسجاياه علوًا ورفعة، وظلت فضائله وأخلاقه ومكارمه حية متألقة في روحه حتى فارق الدنيا، ولقد أجاد ضرار بن ضمرة الكناني في وصف تلك الأخلاق الباهرة والمكارم النادرة، وأبان عن جوهرها ومكنوناتها عندما سأله معاوية أن يصف عليًا ȋ، فقال: «كان -والله- بعيد المدى، شديد القوى، يقول فصلا، ويحكم عدلا، ويتفجر العلم من جوانبه، وتنطق الحكمة من نواحيه، يستوحش من الدنيا وزهرتها، ويستأنس بالليل وظلمته، كان -والله- غزير الدمعة، طويل الفكرة، يقلب كفيه ويخاطب نفسه، يعجبه من اللباس ما قصر، ومن الطعام ما خشن، كان -والله- كأحدنا، يُدنينا إذا أتيناه، ويجيبنا إذا سألناه، وكان مع تقربه إلينا وقربه منا لا نكلمه هيبة له، فإن تبسم فعن مثل اللؤلؤ المنظوم، يعظم أهل الدين، ويحب المساكين، لا يطمع القوي في باطله، ولا ييأس الضعيف من عدله، فأشهد بالله لقد رأيته في بعض مواقفه وقد أرخى الليل سدوله، وغارت نجومه، يميل في محرابه، قابضًا على لحيته، يضطرب ويتقلب تقلب الملسوع، ويبكي بكاء الحزين، فكأني أسمعه وهو يقول: يا ربنا يا ربنا، يتضرع إليه ثم يقول للدنيا: إليَّ تعرّضتِ؟! إليّ تشوّفتِ؟! هيهات هيهات! غُرّي غَيري، قد طلقتكِ ثلاثًا، فعمرك قصير، ومجلسك حقير، وخطرك يسير، آهٍ آهٍ من قلة الزاد، وبُعد السفر، ووحشة الطريق»، فوكفت دموع معاوية رضي الله عنه على لحيته ما يملكها، وجعل ينشفها بكمه، وقد اختنق القوم بالبكاء وهو يقول: هكذا والله كان أبو الحسن.

أيها المسلمون: لقد اشتهر الإمام عليّ رضي الله عنه بالفروسية والشجاعة والإقدام، وكان اللواء بيد علي رضي الله عنه في أكثر المشاهد، في غزوة خيبر قال الرسول : «لأُعْطينّ الرايةَ غدًا رجلًا يحب الله ورسوله، ويُحبه الله ورسوله، يفتح الله عليه أو على يديه»، فكان رضي الله عنه هو المُعْطَى وفُتِحَت على يديه[4].

بارز عليٌّ رضي الله عنه شيبة بن ربيعة يوم بدر فقتله، وكان أبو ذر رضي الله عنه يُقسم قسمًا إن هذه الآية: ﴿ هَٰذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ [الحج:19] نزلت في الذين برزوا يوم بدر: حمزة وعلي وعبيدة بن الحارث، وعتبة وشيبة ابني ربيعة والوليد بن عتبة.

وفي اُحد قام طلحة بن عثمان صاحب لواء المشركين فقال: يا معشر أصحاب محمد، إنكم تزعمون أن الله يعجلنا بسيوفكم إلى النار، ويعجلكم بسيوفنا إلى الجنة، فهل منكم أحد يعجله الله بسيفي إلى الجنة أو يعجلني بسيفه إلى النار؟! فقام إليه علي بن أبي طالب رضي الله عنه فقال: «والذي نفسي بيده لا أفارقك حتى يعجلك الله بسيفي إلى النار، أو يعجلني بسيفك إلى الجنة»، فضربه عليّ فقطع رجله فسقط فانكشفت عورته فقال: أنشدك الله والرحم يا ابن عمّ، فكبّر رسول الله ، وكبر المسلمون بتكبيره، وقال أصحاب عليّ لعلي: ما منعك أن تُجهز عليه؟ قال: «إن ابن عمي ناشدني حين انكشفت عورته، فاستحييت منه».

وبارز مَرْحَبًا اليهودي يوم خيبر، فخرج مرحب يخطر بسيفه قائلًا:

قد علمَت خيبر أني مرحبُ

شاكي السلاح بطلٌ مجرّبُ

إذا الحروب أقبلت تلتهبُ

فقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه:

أنا الذي سمّتني أمي حيدرةْ

كليث غاباتٍ كريهِ المنظرة

أوفيهم بالصاع كيل السندرة

ففلق رأس مرحب بالسيف، وكان الفتح على يديه.

ومما يدلّ على شجاعته رضي الله عنه أنه نام مكان النبي لما أراد رسول الله الهجرة، ومع شجاعته هذه فهو القائل: «كُنا إذا احمرّ البأس، ولقي القوم القوم، اتقينا برسول الله ، فما يكون منا أحد أدنى من القوم منه». فما أحد أشجع من رسول الله ȁ.

ورضي الله عن أمير المؤمنين الإمام الشهيد علي بن أبي طالب وأرضاه، وعن جميع الآل والأصحاب، وجمعنا الله بهم في دار كرامته وبحبوحة جنته، إنه على كل شيء قدير.

نفعني الله وإياكم بالقرآن العظيم، وبهدي سيد المرسلين، أقول ما تسمعون، وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب وخطيئة، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية:

الحمد لله رفع قدر أولي الأقدار، أحمده سبحانه وأشكره على فضله المدرار، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له الواحد القهار، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدًا عبده ورسوله المصطفى المختار، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه الطيبين الأطهار، من المهاجرين والأنصار، والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

أما بعد: فاتقوا الله رحمكم الله، واقتدوا بالعظماء والصالحين من عباد الله، وخذوا الدروس والعبر من سيرهم، واجعلوهم لكم نبراسًا ينير لكم الطريق في حياتكم وينفعكم في آخرتكم. ﴿ لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ ۗ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَىٰ وَلَٰكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ [يوسف:111].

عباد الله: لما توفي رسول الله بايع عليٌ أبا بكر الصديق ȋ، فكان أحد وزرائه ومستشاريه، وظل طيلة حياة أبي بكر نعم العون والوزير، يساهم في إدارة الدولة وتصـريف الشؤون بصدق وإخلاص، وكذلك كان مع عمر، فقد كان له وزير صدق، حتى زوّج عمر بابنته أم كلثوم، وكثيرا ما كان عمر يستخلفه على المدينة إذا غاب عنها، وكان في عهد عمر من كبار رجال الدولة الذين تعقد عليهم الآمال، حتى جعله عمر من الستة الذين اختير منهم الخليفة من بعده، ويروى عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قوله: «لولا علي لهلك عمر»، ويروى عنه كذلك أنه قال: «أعوذ بالله أن أعيش في قوم لستَ فيهم يا أبا الحسن».

ولما استُخلف عثمان بايعه فيمن بايع من جمهور الصحابة، والتزم نصحه ومؤازرته، وكان موقفه منه حين ثارت الفتنة موقف الناصح والمدافع عنه، ولما أطبق الثوار على قصـر الخليفة الشهيد أرسل علي ولديه الحسن والحسين بسيفيهما، حتى نفذ قضاء الله.

بويع له بالخلافة بعد مقتل عثمان رضي الله عنه، وقد كان رضي الله عنه شديدا في الحق، مقيما للعدل، خاشعا لله، مجتهدا في نصح الأمة، يولي الأخيار، ويحاسب المقصرين، ولا يجامل في الحق أبدا، ولا يخاف في الله لومة لائم، زاهدا في الدنيا، بعيدا عن الترف.

كان رضي الله عنه ذا ذكاءٍ لمّاح، وعبقرية فذة، وبديهةٍ حاضرة، وفراسة صادقة، ينظرُ في وجه المرءِ فيقرأ فيه مخبوء نفسه، ويسمع الكلام فيشم منه رائحة صدقِه أو كذبِه، ويأتيه السائل المتعنت، فلا يجد من علي إلا الحجة الدامغة والجواب الشافي.

جاءه رجلٌ يومًا وكان يكره عليًا فأطراه ومدحه، فقال له عليٌ رضي الله عنه: «إني لستُ كما تقول، وأنا فوق ما في نفسك». وقال له رجلٌ آخر وكان يبغضه أيضًا: ثبتك الله، فقال عليٌ: «على صدرك». وقال له قائل: ما بال خلافة أبي بكر وعمر كانت صافية، وخلافتك أنت وعثمان متكدرة؟! فقال: «إنّ أبا بكر وعمر كنتُ أنا وعثمان من أعوانهما، وكنت أنت وأمثالك من أعواني وأعوان عثمان». وجاءه رجلٌ من يهود فقال له: ما أتى عليكم بعد نبيكم إلا نيّفٌ وعشرون سنة حتى ضرب بعضكم بعضًا بالسيف، فقال رضي الله عنه: «فأنتم ما جفّت أقدامُكم من البحر حتى قلتُم: يا موسى اجعل لنا إلهًا كما لهم آلهة».

أيها المؤمنون: إن الباحث المنصف المحقق في كتب ومراجع الطوائف الإسلامية يجد أن الإمام عليًا رضي الله عنه كان مع سابقيه من الخلفاء الراشدين على الأخلاق التي رباهم عليها رسولُ الله ، يحبهم ويبجِّلهم، ويسمي أبناءه بأسمائهم، ويعترف بفضلهم على رؤوس الأشهاد، وكان لهم ردءًا يصدقهم بما يقولون، ويصْدُقُهم بما يقول، ويبذل لهم رأيه ومشورته الناصحة، ويقف معهم صفًا واحدًا أمام الملمات والمواقف العصيبة.

ولقد فُجِع الإمام عليٌ بموت رجل الإسلام الكبير أبي بكر الصديق رضي الله عنه وأرضاه ، فوقف يرثيه متوجعًا، وقال: «رحمك الله يا أبا بكر، كنت -والله- أول القوم إسلامًا، وأخلصهم إيمانًا، وأشدَهم يقينًا، صدّقتَ رسول الله حين كذبه الناس، وواسيته حين بخلوا، وقمت معه حين قعدوا، كنت والله للإسلام حصنًا، وللكافرين ناكبًا، لم تَهِن حُجَّتُك، ولم تضعف بصيرتك، ولم تجبن نفسك». بل إن عمر كان يأتي إلى عليٍ يطلب منه الموعظة والتذكير، فقال له ذات مرة: عظني يا أبا الحسن، قال: «يا أمير المؤمنين، لا تجعل يقينك شكًا، ولا علمك جهلًا، ولا ظنك حقًا، واعلم أنه ليس لك من الدنيا إلا ما أعطيت فأمضيت، وقسمت فسويت، ولبست فأبليت، قال عمر: صدقت يا أبا الحسن». ولما قُتل عمر رضي الله عنه وغسل وكفن وسُجّي بثوبه، نظر إليه علي رضي الله عنه وقال: «ما أحدٌ أحب إلي من أن ألقى الله بصحيفته من هذا المسجّى».

ولما قُتل عثمانُ وجاء الخبرُ عليًا قال: «تبًّا لهم آخر الدهر». ودخل على عثمانَ فوقع عليه، وجعل يبكي حتى ظنّ منْ هناك أنه سيلحقُ به، وتبرأ إلى الله من دمِه في مواقفَ ومناسبات كثيرة، ثبت عنه ذلك من طرقٍ تفيد القطع، وعندما بلغه أن القتلة قد ندموا على فعلتهم تلا قوله تعالى: ﴿ كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنْسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ [الحشر:16].

وكان علي رضي الله عنه من أكثر الناس إنصافًا لخصومه، فقد رأى رضي الله عنه طلحة بن عبيد الله رضي الله عنه في واد مُلقى أي: مقتولًا، فنزل فمسح التراب عن وجهه وقال: «عزيزٌ عليّ -أبا محمدٍ- بأن أراك مجدلًا في الأودية تحت نجوم السماء، إلى الله أشكو عُجَري وبُجَري»، يعني: سرائري وأحزاني التي تموج في جوفي. وقال طلحة بن مُصرّف: انتهى علي رضي الله عنه إلى طلحة رضي الله عنه وقد مات، فنزل عن دابته وأجلسه، ومسح الغبار عن وجهه ولحيته، وهو يترحم عليه، وقال: «ليتني متُّ قبل هذا اليوم بعشرين سنة». وكان يقول: «إني لأرجو أن أكون أنا وطلحة والزبير ممن قال الله عز وجل فيهم: ﴿ وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَىٰ سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ [الحجر:47]».

ومن إنصافه ورسوخ علمه أنه لم يكن يكفّر مخالفيه، حتى من الخوارج الذين ذمّهم رسو الله ، فلما سأله أصحابه عن أهل النهروان من الخوارج: أمشركون هم؟ قال: «من الشـرك فرُّوا»، قيل: أمنافقون؟ قال: «إن المنافقين لا يذكرون الله إلا قليلا»، فقيل: فما هم يا أمير المؤمنين؟ قال: «إخواننا بَغَوا علينا، فقاتلناهم ببغيهم علينا، فهم وإن كانوا فئة باغية، اضطروه إلى قتالهم، إلا أنه لم يأت عنه أبدًا أنه كفّرهم أو لعنهم».

وكما كانت حياة الإمام علي رضي الله عنه جهادا فقد كان موته استشهادا رضي الله عنه، حيث طعنه الشقي عبد الرحمن بن ملجم الخارجي وهو يصلي الفجر في مسجد الكوفة، فكان استشهاده في شهر رمضان سنة أربعين من الهجرة، حيث خرج علي رضي الله عنه قبلَ صلاة الفجر؛ ليوقظَ المسلمين للصلاة، ثم دخل المسجد، فوجد عبدالرحمن بن مُلْجم الخارجي، وجده منبطحًا على بطنه، وقد جعل سيفَه ممَّا يلي الأرض مسلولًا، فركله عليٌّ برجله، وقال: «لا تنمْ على بطنك، فإنَّها نومةُ أهل النار»، وافتتح عليٌّ ركعتين، فوثب عليه الخارجي عدوُّ الله، فضـربَه بالسيف على صدغه فانفلق، فقال علي رضي الله عنه: «الله أكبر، لله الأمر من قبلُ ومن بعد».

ويُحمل ودماؤه تنزف، ويوصي بألا يعذبوا قاتله، بل: إن متُّ فاقتلوه بي، وإن بقيتُ فسأرى رأيي فيه.

﴿ تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا ۚ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ [القصص:83]. وقد دُفن رضي الله عنه وأُخفي قبره، قال شيخ الإسلام: (المعروف عندَ أهل العِلم أنَّه دفن بقصر الإمارة بالكوفة، وأنَّه أُخفي قبرُه؛ لئلا ينبشَه الخوارج الذين كانوا يُكفِّرونه، ويَستحلُّون قتله، فإن الذي قتله واحدٌ من الخوارج؛ وهو عبدالرحمن بن ملجم المرادي، وكان قد تعاهد هو وآخرانِ على قتلِ علي رضي الله عنه وقتل معاوية، وقتل عمرو بن العاص، فإنَّهم يُكفِّرون هؤلاءِ كلَّهم، وكلَّ مَن لا يوافقهم على أهوائهم). وأمَّا القبر الذي يزوره الشيعة الآن بالنَّجف، ويَدَّعون أنَّه قبر علي رضي الله عنه فليس هو قبر علي على الحقيقة، قال ابن تيمية: (وأمَّا المشهد الذي بالنَّجف، فليس بقبر علي رضي الله عنه، فأهل المعرفةِ متَّفقون على أنَّه ليس بقبر عليٍّ، بل قيل: إنَّه قبر المغيرة بن شعبة، ولم يكن أحدٌ يذكر أنَّ هذا قبرُ علي، ولا يقصده أحدٌ أكثرَ من ثلاثمائة سنة، مع كثرة المسلمين من أهلِ البيت والشِّيعة وغيرهم، وحُكمهم بالكوفة).

أيها المؤمنون: إن مما ينبغي لكل مسلم أن يجعل أصحاب النبي قدوته وأسوته، وأن لا يكون طعانًا ولا لعانًا ولا فاحشًا ولا متفحشًا، لعله أن يلقى الله وقد سلم لسانه من ذلك، لا سيما فيما شجر بين أصحاب النبي ، فإنها كانت فتنة عصم الله منها سيوفنا، فلتسلم منها ألسنتنا، ولنتبع منهج القرآن في ذلك: ﴿ وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ [الحشر:10].

فسلام الله عليك يا أبا الحسن، يوم ولدت، ويوم استشهدت، ويوم تبعث حيًا..

Adobe Systemsهذا وصلوا وسلموا على محمد...

صاحب هذه الخطبة

الشيخ /عدنان بن عبد الله القطان

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة