الحمد لله طاعته أشرف مُكتَسَب، وطاعته أعلى نسب، سبحانه وبحمده لا مانع لما أعطى، ولا مُعطي لما سَلَب، وأشكره على مِنَحه العُظمى، ونعمه الكبرى تفوق عدَّ العادِّين وحساب من حَسَب، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادةً أرجو بها النجاة يوم تشتد الكُرَب، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدًا عبد الله ورسوله عليُّ المقام وعالي الرُّتَب، صلى الله عليه وعلى آله الطيبين الأطهار، وأصحابه المتقين الأبرار، ومن إلى دين الحنيفية انتسَب، وسلَّم تسليمًا كثيرًا.
أما بعد:
فأوصيكم -أيها الناس- ونفسي بتقوى الله عز وجل، فاتقوا الله -رحمكم الله- فالموعد يوم المعاد، والحشر يوم التناد، يوم يُنفخ في الصور، ويُنقَر في الناقور، أفضل الأعمال أداء ما افترض الله، والورع عما حرَّم الله، وصدق النية فيما عند الله، والسعيد من وُعِظ بغيره، والمال قد يجمعه غير آكله، ويأكله غير جامعه، والقوي من داوَم على طاعة الله، والضعيف من غلبه هواه فانتهك محارم الله، ورأس التقوى مخافة الله، ورأس الفضائل حفظ اللسان، ﴿ وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَىٰ ۖ وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ۚ ذَٰلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ﴾ [الأنعام:152].
أيها المؤمنون: إنّ الله اصطفى محمدًا على سائر الأنبياء والمرسلين، وجعله رسولًا للعالمين أجمعين، فاختار له صحابة أخيارًا صالحين، آمنوا به حين كفر الناس، وأقدموا حين أحجم الناس، ونصروه حين خذله الناس، واتبعوه وآزروه وعزروه وفدوه بالنفس والنفيس، صبروا على الشدة واللأواء، والبأساء والضراء، طلبًا لرضى الله، ويقينًا بوعد الله، هم القوم يقلون عند الطمع، ويكثرون عند الفزع، فكانوا خير صحبة لخير نبي، حتى توفاه الله عز وجل.
ثم بعد وفاته قاموا بدعوته خير قيام، فرفعوا لواء الملة في الأقطار، ونشروا مبادئ الشريعة في الأمصار، حتى اتسعت دولة الإسلام في أقل من قرن من جدار الصين إلى بحر الظلمات المحيط الأطلسي.
قامت على أكتاف أولئك الرجال دولة الإسلام حِقَبًا عديدة، ودهورًا مديدة، فأشرقت بنور الحق، ودخلت القلوب بدين الفضل، ومبادئ النُّبْل، وضياء الهدى، فلم يترك دينُ الله بيتَ مَدَرٍ ولا حجرٍ إلا أدخله الله هذا الدين، بالغًا ما بلغ الليل والنهار، دين الحق قبِلَت لغتَه الأرواح قبل الأشباح، تتبعُ فتوحاته الحضارةُ والمدنية، والعدل والرحمة، والعلوم النقلية والعقلية، على أيدي هذه الأمة الأمية حديثة العهد بالعلم، التي كانت خير أمة أُخرجت للناس، وقدوة لهم في الرخاء والبأس.
إنهم صحابة رسول الله ﷺ، هذا الجيل العظيم الذي رباه النبي ﷺ وأحسن تربيته، فأصبحوا صدارة هذه البشرية بعد الأنبياء والرسل، تحقق فيهم رضي الله عنهم ما لم يتحقق في غيرهم منذ بدء الخليقة، ولن يتحقق في غيرهم حتى قيام الساعة.
قال ابن مسعود رضي الله عنه: «إن الله عز وجل نظر في قلوب العباد، فوجد قلب محمد ﷺ خير قلوب العباد، فاصطفاه لنفسه، وابتعثه برسالته، ثم نظر في قلوب العباد بعد قلب محمد ﷺ، فوجد قلوب أصحابه خير قلوب العباد، فجعلهم وزراء نبيه ﷺ»[1]، وقال ابن عمر ȋ: «كان أصحاب رسول الله ﷺ خير هذه الأمة قلوبًا، وأعمقها علمًا، وأقلها تكلفًا، قوم اختارهم الله عز وجل لصحبة نبيه ونقل دينه»[2].
لقد اجتمع في أصحاب محمد ﷺ من عوامل الخير ما لم يتجمع في جيل قبلهم، ولن يتجمع في جيل بعدهم، فتعالوا لنسمع ما وصفهم الله به في كتابه، وما شهد لهم رسول الله ﷺ به في سنته.
قال عز وجل: ﴿ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ ۚ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ ۖ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا ۖ سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ۚ ذَٰلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ ۚ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَىٰ عَلَىٰ سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ ۗ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا ﴾ [الفتح:29].
هكذا يصف القرآن محمدًا ﷺ وأصحابه، ذلك الجيل القرآني المثالي، فقد كانوا كما قال تعالى في آية أخرى: ﴿ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ ﴾ [المائدة:54]، وصفهم الله بكثرة الصلاة، وهي خير الأعمال، ووصفهم بالإخلاص فيها مع احتساب جزيل الثواب عند الله تعالى، فقال سبحانه: ﴿ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا ﴾ [الفتح:29]، ثم قال: ﴿ سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ﴾أي: ترى في وجوههم السمت الحسن والخشوع والتواضع، لكثرة صلاتهم وسجودهم، فما من شيء يحسن الله به الوجه مثل الصلاة والسجود، وكما قال بعض السلف: (من كثرت صلاته بالليل حسن وجهه بالنهار). ثم قال تعالى: ﴿ ذَٰلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ ۚ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ ﴾، لقد عظّم الله فضل الصحابة وكبّر شأنهم بأنْ نوّه بذكرهم في الكتب السماوية السابقة التوراة والإنجيل، فمثلهم الله فيها بالزرع، فقال سبحانه: ﴿ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَىٰ عَلَىٰ سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ ﴾أي: مثل الصحابة في قوة وجودهم، وامتدادهم، ونصرتهم، وتآزرهم، وتأييدهم، وجهادهم؛ كمثل الزرع الذي يتفرع وينتشر، ويزداد ويقوى، ويطول ويشتد ساقه، فيعجب أهله الذين غرسوه، ليغيظ بهم الكفار، وهل هناك أغيَظ على اليهود وغيرهم من الكفار وأشد حنقًا على قلوبهم ما رأوه من نصرة الصحابة للنبي ﷺ، وجهادهم لأعداء الله، حتى هزموا المجوس والروم، وأذلوا أهل الشرك وطواغيت الكفر في الأرض جميعًا.
ومما جاء في بيان فضلهم من الآيات قوله عز وجل: ﴿ وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ۚ ذَٰلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ﴾ [التوبة:100].
قال ابن كثير رحمه الله: (فقد أخبر الله العظيم أنه رضي عن السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار، والذين اتبعوهم بإحسان، فيا ويل من أبغضهم أو سبهم أو أبغض بعضهم أو سب بعضهم).
وقال تعالى: ﴿ لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا ﴿١٨﴾ وَمَغَانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَهَا ۗ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا ﴾ [الفتح:18-19].
فهذه بيعة الرضوان، وكانت بالحديبية، وعدد المبايعين فيها من الصحابة ألف وخمسمائة، فأخبر الله أنه قد رضي عنهم جميعًا، وعلم ما في قلوبهم من الصدق والإيمان، وفي صحيح مسلم قال ﷺ: «لا يدخل النار إن شاء الله من أصحاب الشجرة أحد؛ الذين بايعوا تحتها»[3].
والصحابة عباد الله هم الجيل الذي وصفه النبي ﷺ بالخيرية والأفضلية المطلقة على سائر الأجيال، فقد روى البخاري عن عمران بن حصين ȋ قال: قال ﷺ: «خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم»[4].
وهذه الخيرية تجعل من جيل الصحابة مثلًا عاليًا للمسلمين في كل زمان ومكان، فهم يتطلعون إليهم، ويعتزون بهم، ويترضّون عليهم، ويسترشدون بسيرهم، تلك السير المتنوعة في الحرب والعبادة والمجاهدة والمعاملة، مما يكفل للمسلمين في مختلف العصور نماذج متنوعة صالحة للاقتداء.
فالصحابة كانوا في السلم هُداة معلمين، مصلحين عاملين، وصفهم رسول الله ﷺ بأنهم أمَنة لأمته، ففي صحيح مسلم قال رسول الله ﷺ: «النجوم أمَنَةٌ للسماء، فإذا ذهبتْ النجوم أتى السماء ما تُوعد، وأنا أمنة لأصحابي، فإذا ذهبتُ أتى أصحابي ما يوعدون، وأصحابي أمنة لأمتي، فإذا ذهب أصحابي أتى أمتي ما يوعدون»[5].
ولقد كان الصحابة في الحرب مؤمنين محتسبين مجاهدين ثابتين، وما أجمل موقفهم في نصرة النبي ﷺ حين لقي العدو في بدر على غير ميعاد، وعلى غير استعداد، فقام رسول الله ﷺ خطيبًا فقال: «أشيروا عليّ أيها الناس»، فقام الصديق فقال وأحسن القول، ثم قام عمر فقال وأحسن القول، ثم قام المقداد بن عمرو فقال: يا رسول الله، امض لما أراك الله فنحن معك، والله لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى: «اذهب أنت وربك فقاتلا إنا ها هنا قاعدون»، ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون، فوالذي بعثك بالحق، لو سرتَ بنا إلى بَرْك الغِمَاد لجالدنا معك دونه حتى تبلغه. ولا زال عليه الصلاة والسلام يقول: «أشيروا عليّ أيها الناس». فقام سعد بن معاذ فقال: والله، لكأنك تريدنا يا رسول الله، قال: «أجل»، قال: فإنا قد آمنا بك وصدقناك، وشهدنا أن ما جئت به هو الحق، وأعطيناك على ذلك عهودنا ومواثيقنا على السمع والطاعة، فامض يا رسول الله لما أردت، فنحن معك، فوالذي بعثك بالحق لو استعرضتَ بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك، ما تخلف منا رجل واحد، وما نكره أن تلقى بنا عدونا غدًا، إنا لصُبر في الحرب، صدق في اللقاء، ولعل الله أن يريك منا ما تقرّ به عينك، فسِـرْ بنا على بركة الله. فسُـرّ رسول الله ﷺ ثم قال: «سيروا وأبشروا، فإنّ الله تعالى وعدني إحدى الطائفتين، والله لكأني أنظر إلى مصارع القوم»[6].
وما أجمل ما وصفهم القرآن به بعد غزوة أحد، حين همّ المشـركون أن يهجموا عليهم إلى المدينة بعد انصرافهم من غزوة أحد، فيباغتوهم فيها، فلما علم النبي ﷺ بأن قريشًا قد أجمعت أمرها على ذلك، دعا أصحابه للخروج إلى حمراء الأسد، ليرد كيد قريش، ويقذف الرعب في قلوبهم، فبادروا واستجابوا رغم أنهم كانوا مُثخنين بالجراح، فخرجوا حتى بلغوا حمراء الأسد، فلما علم كفار قريش بخروجهم ارتدوا على أعقابهم، يقول تعالى: ﴿ الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ ۚ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ ﴿١٧٢﴾ الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ ﴿١٧٣﴾ فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ ﴾ [آل عمران:172-174].
وكذلك أثنى الله على موقفهم في غزوة الأحزاب فقال: ﴿ وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَٰذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ ۚ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا ﴿٢٢﴾ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ ۖ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَىٰ نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ ۖ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا ﴾ [الأحزاب:22-23].
لقد كان أصحاب النبي ﷺ مثلًا أعلى في العطاء والبذل، والسخاء والإيثار، فوالله الذي لا إله إلا هو لم تشهد الأرض في مسيرة بني آدم الطويلة أن توارثَ قوم فيما بينهم من غير قرابة ولا نسب، وعن طواعية واختيار، إلا في أصحاب رسول الله ﷺ، ولم يظهر السخاء والكرم والإيثار في أمة من الأمم كما ظهر في صحابة رسول الله ﷺ، ولذلك استحقوا ثناء الله عز وجل عليهم بقوله: ﴿ وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ ۚ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴾ [الحشر:9].
ولم يكن الصحابة متساوين في الفضل والدرجة، بل كانوا يتفاضلون في السابقة والجهاد وكثرة البذل في سبيل الإسلام، قال تعالى: ﴿ لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ ۚ أُولَٰئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا ۚ وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَىٰ ۚ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ﴾ [الحديد:10]، فلا يستوي من هاجر وجاهد وأنفق قبل فتح مكة، مع من جاهد وأنفق بعد الفتح، ومع ذلك فقد قال: ﴿ وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَىٰ ﴾ [النساء:95] أي: الجنة، وهذه فضيلة اختُصوا بها دون غيرهم، رضي الله عنهم وأرضاهم.
وقد فصلت الأحاديث الشريفة مقامات الصحابة وتفاضلهم ودرجاتهم، وقد بشـر رسول الله ﷺ العديد من أصحابه بالجنة، مما يدل على سبقهم وفضلهم، فقال ﷺ: «أبو بكر في الجنة، وعمر في الجنة، وعثمان في الجنة، وعلي في الجنة، وطلحة في الجنة، والزبير في الجنة، وسعد بن مالك في الجنة، وعبد الرحمن بن عوف في الجنة» وعاشرهم سعيد بن زيد راوي الحديث، فهؤلاء هم العشرة المبشرون بالجنة[7].
أصحاب رسول الله ﷺ هم الكوكبة الذين اختارهم الله لصحبة نبيه ليتلقوا الوحي غضًّا طريًّا من رسول الله ﷺ، ليكونوا المُبلِّغين الأوائل عن الله وعن رسوله، إنهم القوم الذين سعِدوا بتربية المصطفى عليه الصلاة والسلام، إنهم جيلٌ لم يكن للإنسانية به عهد، دُعُوا إلى الإسلام فقَبِلوه، وقرأوا القرآن فأحكموه وحكَّموه، واستُنفِروا للجهاد فسلُّوا السيوف من أغمادها، فأخذوا بأطراف الأرض زحفًا زحفًا، وساروا إلى الهيجاء صفًّا صفًّا، لا يُبشَّرون بالأحياء، ولا يُعزَّون في الموتى، بِيض العيون من البكاء، خُمص البطون من الصيام، على وجوههم صلاح الخاشعين، وعملهم عملُ الوجِلين.
هم حفَظَة الدين وأُمناؤه، رعيل الإسلام الأول، قلَّ نظيرهم، وعزَّ مثيلهم، أوفياء لله ولرسوله، محوا رسوم الجهل، وهدموا أنصاب الكهانة، هجروا الديار والأموال، وتبوؤوا الدار والإيمان، ﴿ وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ ﴾ [الحشر:9]، استقامةٌ على الدين، ولزوم المنهج، ومحاسبةٌ للنفس، في تربيةٍ نبوية لا تطاولها تربية الحكماء، ولا خبراء التعليم، ولا معلمي الأخلاق، ﴿ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ ۚ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ ۖ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا ۖ سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ۚ ذَٰلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ ۚ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَىٰ عَلَىٰ سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ ۗ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا ﴾ [الفتح:29].
اللهم صل على محمد وآل محمد، وارض اللهم عن أصحابه الكرام، ﴿ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ ﴾ [الحشر:10].
أقول ما تسمعون، وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء وسيد المرسلين، محمد بن عبد الله الصادق الأمين، صلى الله عليه وعلى آله الطيبين، وعلى أصحابه الغُرّ الميامين، وسلّم تسليمًا كثيرًا إلى يوم الدين.
وبعد:
اعلموا أيها الأحبة أنّ الصحابي هو كل من رأى النبي ﷺ مؤمنًا به، ومات على الإسلام. وقد بلغ عدد الصحابة يوم فتح مكة عشرة آلاف صحابي، وقد توفي رسول الله ﷺ وترك ما يزيد عن مائة ألف صحابي من رجل وامرأة، ولم يمض القرن الأول الهجري حتى مات جميع أصحاب النبي ﷺ، وقد كان آخرهم وفاة واثلة بن الأسقع الليثي سنة 85هـ.
لقد خرج أصحاب النبي ﷺ إلى الجهاد في سبيل الله والدعوة إلى دين الله وتعليم الناس في مختلف بقاع الأرض، فغادروا أوطانهم وهي عزيزة عليهم، وخرجوا إلى أراضٍ لا عهد لهم بها، وذهبوا إلى أمم لا نسب لهم بها، ولا ألفة بينهم وبين أهلها، فبذلوا في سبيل نشر دين الله قصارى جهدهم، سهروا وضحوا من أجل تبليغ كلمة الله تعالى ونشـرها ليلًا ونهارًا، دون ملل ولا كلل، بل كانوا كما قال الله: ﴿ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا ﴾ [آل عمران:146]، حتى أعز الله دينه، ونصر جنده، وأعلى كلمته، وانتشـر الإسلام في بقاع الأرض، حتى قال الله فيهم: ﴿ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ﴾ [آل عمران:110]. ولقد نزلت هذه الآية على النبي وأصحابه، فكانوا هم المعنيون بهذا الثناء قبل غيرهم، حيث أثبت الله عز وجل لهم الخيرية على سائر الأمم.
ولقد أجمع الصحابة على تقديم أبي بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي، ثم بقية العشـرة المبشـرين، ثم البدريين أي: من شهد بدرًا، ثم أهل بيعة الرضوان، ثم بقية الصحابة رضي الله عنهم أجمعين.
يقول الإمام الطحاوي رحمه الله: (ونحب أصحاب رسول الله ﷺ، ولا نفرط في حب أحد منهم، ولا نتبرأ من أحد منهم، ونبغض من يبغضهم وبغير الخير يذكرهم، ولا نذكرهم إلا بخير، وحبهم دين وإيمان وإحسان، وبغضهم كفر ونفاق وطغيان).
وهذه هي العقيدة الصحيحة في أصحاب النبي ﷺ. وقوله رحمه الله: (ولا نذكرهم إلا بخير) فيه إشارة إلى الكف عن أعراضهم، وعدم الخوض فيما شجر بينهم، وأن ذلك فتنة وابتلاء من الله لهم بعد وفاة النبي ﷺ، فهم أحق من غيرهم بقول الله تعالى: ﴿ وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَىٰ سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ ﴾ [الحجر:47]، وقد أخبرهم النبي ﷺ من قبل في حياته بوقوع ذلك، فالصحابة لم يكونوا معصومين ألبتة، وكانوا مجتهدين في ذلك، ومعذورين عند الله، ومنزلتهم ثابتة، وخيرهم سابق، وفضلهم غالب.
فنحن نحب الصحابة لأن الله رضي عنهم وزكاهم في القرآن، وشهد لهم النبي ﷺ بالخيرية والأفضلية، وقد بوّب الإمام البخاري في صحيحه أبوابًا في فضائل الصحابة والمهاجرين، ثم قال: (باب حب الأنصار من الإيمان)، وخرّج فيه حديثًا عن البراء ؓ قال: سمعت النبي ﷺ قال: «الأنصار لا يحبهم إلا مؤمن، ولا يبغضهم إلا منافق، فمن أحبهم أحبه الله، ومن أبغضهم أبغضه الله»[8].
لقد حرص الصحابة على ملازمة النبي ﷺ حتى أخذوا عنه الكتاب والسنة، ثم نشـروا دين الله في الأمصار، وبلغوه إلى سائر الأقطار، فهم الواسطة بين الرسول ﷺ وبين كل الأمة ممن جاء بعدهم. فمن قدح في تلك الواسطة فقد قدح في الدين وسعى للتشكيك في الرسالة، يقول عليه الصلاة والسلام كما في صحيح البخاري: «لا تسبوا أصحابي، فلو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبًا ما بلغ مُدّ أحدهم ولا نَصِيفه»[9]، وروى ابن بطة بإسناد صحيح عن ابن عباس أنه قال: «لا تسبوا أصحاب محمد ȁ، فلَمقام أحدهم ساعة يعني مع النبي ﷺ خير من عمل أحدكم أربعين سنة»!
أيها المؤمنون: كم يعرف الأولاد والشباب، من مواقف الأصحاب؟ وكم تعرف البنات والأمهات، من قصص الصحابيات؟ هلّا تساءلتم لمَ يتخبط الجيل في اختيار القدوات، حتى نراه يتيه هنا وهناك، فيلهث وراء الممثلين والممثلات، والساقطين والساقطات؟ ذلك لأننا لم نغرس في قلوبهم حب الفضلاء والعظماء، ولم نقصّ عليهم قصص العلماء والحكماء، وأهل الصلاح والمروءات، وأصحاب النبوغ في شتى المجالات، فالله الله في حسن التربية، فكلكم راعٍ ومسؤول عن رعيته.
علّموا أولادكم سيرة النبي ﷺ، وقُصّوا عليهم بطولات الصحابة الكرام، والعلماء الأعلام، اغرسوا محبتهم في قلوب أبنائكم، وازرعوا شمائل وفضائل الصحابيات وأمهات المؤمنين في قلوب بناتكم، لعلنا أن نُنير للنشْء طريق الحق والعدل، والعلم والفضل، والأدب والنُّبل.
هذا، وصلُّوا وسلِّموا على الرحمة المُهداة، والنعمة المُسداة: نبيكم محمدٍ رسول الله، فقد أمركم بذلك ربُّكم، فقال في محكم تنزيله، وهو الصادق في قيله، قال قولًا كريمًا: ﴿ إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ﴾ [الأحزاب:56].
صاحب هذه الخطبة
الشيخ /يزيد بن خضر بن قاسي