حجم الخط:

فوائد تربوية من أشراط الساعة

الخطبة الأولى:

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.

أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.

عباد الله: اتقوا الله كما أمركم في محكم كتابه: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا [النساء:1].

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿ اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ [القمر:1]، وهكذا يحذرنا ربنا في كتابه، وقال لنا نبينا ﷺ: «بعثت أنا والساعة كهذه من هذه»[1]؛ وأشار بالسبابة والوسطى لقربهما من بعضهما، قال: «إن كادت لتسبقني»[2]؛ وهذا نذير لنا من النذر العظيمة، ﴿ فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً ۖ فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا ۚ فَأَنَّىٰ لَهُمْ إِذَا جَاءَتْهُمْ ذِكْرَاهُمْ [محمد:18].

هناك أشراط صغرى للساعة، وأشراط كبرى، فالأشراط الصغرى تتقدم الساعة بأزمان متطاولة، وتكون من النوع المعتاد غالبًا؛ كقبض العلم، وظهور الجهل، وشرب الخمر، والتطاول في البنيان، فليست في غرابتها والأعجوبة التي فيها كأشراط الساعة الكبرى التي تكون قرب قيام الساعة مباشرة، وفيها أمور عِظام، ليست بمعتادة؛ كظهور الدجال، وخروج يأجوج ومأجوج، والخسوفات الثلاثة العظيمة في العالم؛ في شرقه، وغربه، ووسطه، وظهور النار التي تخرج من قعر عدن تسوق الناس إلى محشرهم، وخروج الدابة، وطلوع الشمس من مغربها، وهكذا، ولا يشترط أن تنتهي جميع أشراط الساعة الصغرى حتى تبدأ الكبرى، فقد ترافق بعض الصغرى بداية الكبرى.

والأشراط الصغرى منها ما وقع وانتهى كانشقاق القمر، وبعثة محمد ﷺ، وظهور النار بأرض الحجاز؛ ومنها ما وقعت مبادئه وأوائله ولم تستحكم بعد؛ كتقارب الزمان، وكثرة الزلازل، وكثرة الهرج، فقد وقع شيء من هذا، ولكن سيكون المزيد من الزلازل، والمزيد من القتل، وهو الهرج.

ومن أشراط الساعة الصغرى ما لم يقع منه شيء بعد؛ كأن يحسر الفرات عن جبل من ذهب، وأن تعود جزيرة العرب مروجًا وأنهارًا، وأن يخرج المهدي من عقب النبي ﷺ، وهكذا.

وقد ظهرت أشراط كثيرة، أخبر عنها نبينا ﷺ، تُنبئ المسلم بأن نهاية العالم قريبة، وأن الأمر قد دنا.

ومما ظهر من الأشراط التي أخبر عنها النبي ﷺ، وهي من دلائل صدقه ومعجزاته؛ بعثته، وموته، وفتح بيت المقدس، وكثرة التجارة، واستفاضة المال، وكثرة الشح، وظهور الفتن من المشرق، وإتباع هذه الأمة لسنن الأمم الأخرى، وتشبههم بهم، وظهور مدعي النبوة، وقتال التُرك والعجم، وضياع الأمانة، وقبض العلم، وظهور الجهل، وكثرة الشُـرط، وانتشار الزنا والربا، وظهور المعازف، وكثرة شرب الخمر، وزخرفة المساجد والتباهي بها، والتطاول في البنيان، وتقارب الزمان، وذهاب البركة من الوقت، وتقارب الأسواق، وكثرة الأسواق، وسرعة العلم بما فيها، وظهور الشرك في هذه الأمة، وقطيعة الرحم، وسوء الجوار، وارتفاع الأسافل، وتشبب المشيخه، والتماس العلم عند الأصاغر، وكثرة الزلازل، وذهاب الصالحين، وأن يكون السلام للمعرفة فقط، وصدق رؤيا المؤمن، وظهور الكاسيات العاريات، وانتشار الكتابة، وانتفاخ الأهلة، وكثرة الكذب، وكثرة شهادة الزور، وكتم الحق، وكثرة النساء، وكثرة موت الفجأة، وتناكر القلوب، وأن يتمنى الموت لشدة البلاء.

وسيكون مزيد من أشراط الساعة الصغرى؛ ككلام السباع والجمادات للإنس، وكثرة الروم وقتالهم للمسلمين، وفتح القسطنطينية غير الفتح الذي حصل، فإن هنالك فتحًا في آخر الزمان سيكون بالتكبير، وخروج رجل من قحطان يسوق الناس بعصاه، وقتال اليهود، واستحلال البيت، وهدم الكعبة، وخراب المدينة، ونزول الخلافة الأرض المقدسة وبلاد الشام.

عباد الله: إنها أمور مخيفة، وإنها أمور تزلزل كيان الإنسان، وتؤكد له أن الدنيا فانية، وأن القدوم على الله قد اقترب، وأن خراب العالم قد دنا، ومَن علِم اقتراب الساعة قصر أمله، ولم تركن نفسه إلى الدنيا، وقام بالتوبة، وطرد الغفلة عن نفسه، ﴿ اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ ﴿١﴾ مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ [الأنبياء:1-2].

لكن -يا عباد الله- ماذا نستفيد من إخبارنا بأشراط الساعة؟

- التهيؤ لها، والعمل الصالح، والتوبة، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «بادروا بالأعمال ستًا»، أي: قوموا بالأعمال قبل أن تظهر ست خصال، وعند ذلك قد لا ينفع العمل، «طلوع الشمس من مغربها، أو الدخان، أو الدجال، أو الدابة، أو خاصة أحدكم، أو أمر العامة»[3].

وقال لما سأله الأعرابي: متى الساعة؟: «وماذا أعددت لها؟»[4]؛ هذا هو السؤال الكبير، فإذا استشعر العبد قُرب قيام الساعة انشغل قلبه خوفًا من ربه، ورجاء له، وتوكلًا عليه، وإنابة إليه، وصدقًا معه.

- أشراط الساعة تؤكد علينا الثبات على الدين، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «بادروا بالأعمال فتنًا كقطع الليل المظلم، يصبح الرجل مؤمنًا ويمسي كافرًا، ويمسـي مؤمنًا ويصبح كافرًا، يبيع دينه بعرض من الدنيا»[5].

- أشراط الساعة تعلمنا قضية العبادة حتى لو اضطربت الأمور، وعمت الفوضى، قال عليه الصلاة والسلام: «العبادة في الهرج»، أي: الفتن وكثرة القتل، «كهجرة إليّ»[6]؛ أي: في الأجر والثواب، فإذا غفل الناس، وانشغلوا، وقام هذا يعبد ربه فمعنى ذلك أن قلبه معمور بمحبته، والإنابة إليه، والصدق معه، والانشغال بذكره؛ وهكذا المؤمن في وقت الهرج والمرج متصل بالله تعالى.

- إذا عرفت -يا عبد الله- حديث: «من حفظ عشر آيات من أول سورة الكهف عُصم من الدجال»[7]، وأنت تعلم أن قيام الساعة قريب؛ فتحفظ هذه العشـرة، وتتعرف على معانيها، وتذكر نفسك أنه مهما جاءت فتن كبار فعندك من الآيات العظام ما تتلى أمام هذه الفتن الكبار فتكف بأسها عنك، «ستكون فتنة، القاعد فيها خير من القائم، والقائم فيها خير من الماشي»[8]، معنى ذلك: التباعد من الفتن، وعدم المشاركة فيها.

وكذلك: «من سمع بالدجال فلينأ عنه»[9]. فلا تحسن الظن بنفسك، فلا تدري إذا اقتربت من الفتن قد تهوي، وإذا تعرضت لها قد تقع فيها، فابتعد عن فتن الشهوات، وفتن الشبهات؛ لأنك لا تدري إذا فتحت الشاشات، ونظرت بالعينين في هذه الصور والأشكال، وإذا سمعت بأذنك لتلك الشبهات، فقد تتأثر وتفتتن بها.

- أشراط الساعة تعلمنا كيف أن علم ربنا العظيم أعجز علوم البشر، ﴿ يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا ۖ قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي ۖ لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ ۚ ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً [الأعراف:187]، الساعة لا تقوم إلا فجأة، الساعة لا تقوم وهناك أحد يتوقع قيامها، تباغت الجميع، وتفاجئ الجميع عند قيامها.

- لما نرى انطباق أشراط الساعة في الواقع يزداد المسلم إيمانًا، ﴿ هَٰذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ ۚ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا [الأحزاب:22].

- أشراط الساعة تعلمنا التماس المكسب الحلال؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام أخبر: «بين يدي الساعة يظهر الربا»[10]، ينتشـر على الشاشات، وبالبطاقات، والحسابات، وفي الأعمال، والوظائف، والصفقات، ينتشر كأنه غبار يطير، ويدخل كل منخر.

ولذلك فأشراط الساعة تعلمك -يا عبد الله- أن تتفقه في أحكام المعاملات، البيع والشراء، والإجارة، والكفالة، والحوالة، والرهن، فلا تدخل في باب من أبواب المعاملة إلا بعد أن تعرف أحكامها، كما قال عمر: «لا يبع في سوقنا إلا من قد تفقه في الدين»، لماذا؟ لأن النبي عليه الصلاة والسلام قال عن أشراط الساعة: «ليأتين على الناس زمان لا يبالي المرء بما أخذ المال أمن حلال أم من حرام»[11].

- أشراط الساعة تُربي فينا منهج الاستعفاف، فمهما كان الشيء كبيرًا إذا كان فيه محظور شرعي فنحن أغنياء عنه، كما جاء في الحديث: «لا تقوم الساعة حتى يحسر الفرات عن جبل من ذهب يقتتل الناس عليه فيقتل من كل مائة تسعة وتسعون، ويقول كل رجل منهم: لعلي أكون أنا الذي أنجو»[12]؛ ولذلك قال بعض الرواة لهذا الحديث يوصي ابنه: «إن رأيته فلا تقربنَّه»، ليس فقط لا تأخذ منه شيئًا، لا تقربنه.

- أشراط الساعة تربينا على استقلالية الشخصية الإسلامية، وعدم التشبه باليهود والنصارى والكفار، لا في ملابسهم، ولا في قصاتهم، ولا في عاداتهم، ولا في أعيادهم، أي شيء من خصائص تلك الأديان لا نتشبه بهم فيها؛ لأنه عليه الصلاة والسلام حذرنا فقال: «لا تقوم الساعة حتى تأخذ أمتي بأخذ القرون قبلها شبرًا بشبر، وذراعًا بذراع»، فقيل يا رسول الله: كفارس والروم؟ قال: «ومَن الناس إلا أولئك؟»[13]، وفي رواية: اليهود النصارى؟ قال: «فمَن؟»[14]؛ أي: مَن غيرهم؟ فهذا نهي عن التشبه بمجوس فارس، واليهود، والنصارى، وماذا سيكون ويحل بهؤلاء من الإثم، وشرار الخلق الذين تقوم عليهم الساعة.

اللهم إنا نسألك خشيتك في الغيب والشهادة، ونسألك الإخلاص يا رب العالمين، ونسألك القصد في الغنى والفقر، ونسألك نعيمًا لا ينفد، وقرة عين لا تنقطع، ونسألك لذة النظر إلى وجهك، والشوق إلى لقائك، في غير ضراء مضـرة، ولا فتنة مضلة؛ اللهم اجعلنا هداة مهتدين.

الخطبة الثانية:

الحمد لله الذي خلق فسوى، وقدر فهدى، أشهد أن لا إله إلا هو وحده لا شريك له، رب الأولين والآخرين، وملك يوم الدين، وأشهد أن محمدًا عبد الله ورسوله الأمين، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وذريته الطيبين الطاهرين، وأزواجه، وخلفائه الميامين، والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين، اللهم صلِّ وسلم وزد وبارك على عبدك ونبيك محمد إمام المتقين، وقائد الغر المحجلين، حبيبنا، وقدوتنا، وإمامنا، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.

عباد الله: هذا ما أخبر عنه نبيكم ﷺ من أشراط الساعة لنحذر الشـر الذي فيها، ومن ذلك ما يكون في آخر الزمان من خسف، وذهاب بعض الأرض تحت بعضها، وانشقاقها، وذهاب ما فيها وغورها، فقال: «يكون في آخر الأمة خسف ومسخ»، أي: تُغير الخلقة إلى صور الخنازير والقردة، «وقذف»، أي: رمي من السماء بحجارة ونحوها، فقالت عائشة: يا رسول الله! أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: «نعم، إذا ظهر الخبث»[15]، وقد أخبر عن أسباب الخسف والقذف والمسخ، فقال: «إذا ظهرت القينات»، أي: المغنيات، والرقصات، «والمعازف وشربت الخمور»[16].

- ولذلك يجب علينا أن نتعلم كتاب الله وسنة رسوله ﷺ، وننشـر العلم، والدورات العلمية، وكتب العلم، ونغشى حلق العلماء، وطلبة العلم؛ لأنه قال: «إن من أشراط الساعة أن يرفع العلم، ويثبت الجهل»[17].

- وكذلك أشراط الساعة تربينا على الرجوع إلى الأكابر من أهل العلم، «إن من أشراط الساعة قال: أن يلتمس العلم عند الأصاغر»[18]، أي: ليس صغار السن، وإنما أهل البدع، والذين عندهم قلة في العلم.

وكذلك حذرنا من أناس سيظهرون يفتوننا بغير ما أحل وما حرم سبحانه، قال عليه الصلاة والسلام: «سيكون في آخر أمتي أناس يحدثونكم ما لم تسمعوا أنتم ولا آباؤكم، فإياكم وإياهم»[19]. عجائب وغرائب الفتاوى، أحاديث موضوعة مكذوبة تنتشـر بالبريد الإلكتروني، ورسائل الجوال.

- وكذلك علمنا عليه الصلاة والسلام أنه إذا نزلت الملمات والمدلهمات أن نرجع إلى أهل العلم، هاجت ريح حمراء بالكوفة، فجاء رجل ليس له هجيرى -يعني: شأن- إلى ابن مسعود، قال: يا عبد الله بن مسعود، جاءت الساعة؟ وكان ابن مسعود متكئًا فقعد فقال: «إن الساعة لا تقوم حتى لا يقسم ميراث، ولا يفرح بغنيمة» رواه مسلم. وهكذا، أهل العلم يبينون.

- وكذلك فإن أشراط الساعة تذكرنا بصلة الرحم، وحسن الجوار، وإفشاء السلام على الجميع؛ لأن من أشراطها انتشار العقوق، وسوء الجوار، وعدم السلام إلا للمعرفة.

- أشراط الساعة تحثنا على أن نكون أمناء، ونضع الأمناء في مواقع الأمانة؛ لأنه: «إذا ضيعت الأمانة فانتظر الساعة» رواه البخاري، هذه أبرز علامة من علامات الساعة الصغرى التي علمها للأعرابي، «إذا وسد الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة»[20].

- أن نقوم على أهلينا، وزوجاتنا، وبناتنا، وأخواتنا بأمرهن بالعفاف، والستر، والحجاب، والحشمة؛ لأنه ذكر لنا من أشراط الساعة، «نساء كاسيات، عاريات، مميلات، مائلات، رؤوسهن كأسنمة البخت المائلة، لا يدخلن الجنة، ولا يجدن ريحها»[21].

- أن نحذر الفوضى، والدخول في سفك الدماء؛ لأنه قال لنا: «والذي نفسـي بيده! لا تذهب الدنيا حتى يأتي على الناس يوم لا يدري القاتل فيمَ قتل، ولا المقتول فيم قُتل»[22].

- أن نحذر من التفاخر بالدنيا؛ لأنه قال: «وإذا تطاول رعاع البهم في البنيان فذاك من أشراطها»[23]؛ ليس العيب أن تنشأ عمارات طُولية لحل أزمة السكان؛ لأن البناء الرأسي مع قلة الأراضي وحاجة الناس حل من الحلول، لكن العيب والذم أن يحدث التباهي والتفاخر بذلك، والتعلق بالدنيا.

- البصيرةَ البصيرةَ! يعلمنا إياها الشاب الذي يخرج للدجال، «شاب من خيرة أهل المدينة، هو أخيرهم في ذلك الوقت، يقول للدجال: أنت الدجال الذي أخبرنا عنه رسول الله ، فيشقه الدجال نصفين ويعيده كما كان، فيقول الشاب: ما ازدت فيك إلا بصيرة، أنت الدجال»[24].

الباطل لابد أن يعرف أنه باطل، وأن يقر أنه باطل، وأن يتضح أمر الباطل حتى لا يروج على الناس، والنبي ﷺ أخبرنا عن فرج للمسلمين عظيم في آخر الزمان، عندما ينزل عيسى بن مريم من السماء في خضم الأزمة، وشدة الكرب، وإمام المسلمين المهدي من ذرية النبي ﷺ يؤمهم، وفيهم عيسى، وشريعة محمد ﷺ تحكم إلى آخر الزمان، حتى عيسى يحكم بها.

وهكذا تتم المعركة الفاصلة بين المسلمين واليهود، فلا يهود بعد ذلك اليوم، والمعركة الفاصلة بين المسلمين والنصارى، فلا نصارى بعد ذلك اليوم، فنتعلم ترقب الفرج من ربنا سبحانه وتعالى.

عباد الله: لابد أن نعتبر، وهناك عبر كثيرة تحدث الآن، لكن ما أكثر العِبَر! وما أقل المعتبرين! ﴿ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ [آل عمران:140]، غنى بعد فقر، وفقر بعد غنى، شدة بعد رخاء، ورخاء بعد شدة، مرض بعد صحة، وصحة بعد مرض، وخوف بعد أمن، وأمن بعد خوف، والدنيا تتقلب بأهلها، والله يصرف الأمور سبحانه وتعالى، ومن العبر كيف أهلك الله الطغاة من فرعون وقومه وقارون، وقوم نوح، وقوم عاد، وقوم ثمود.

كم من ظالم تعدى وجار، فما راعى الأهل ولا الجار، بينا هو يعقد عقد الإصرار، حل به الموت فحل من حلته الأزرار! ما صحبه سوى الكفن إلى بيت البلى والعفن، لو رأيته وقد حلت به المحن، وشين ذلك الوجه الحسن، فلا تسل كيف صار، سال في اللحد صديده، وبلي في القبر جديده، وهجره نسيبه ووديده، وتفرق حشمه وعبيده والأنصار.

أين مجالسه العالية؟ أين عيشته الصافية؟ أين لذاته الحالية؟ أين المال والجاه؟ والكبرياء والخيلاء؟ كم تسفي على قبره سافية! ذهبت العين وأخفيت الآثار، تقطعت به جميع الأسباب، وهجره القرناء والأحباب، وصار فراشه الجنادل والتراب، وربما فتح له في اللحد باب النار.

خلا -والله- بما كان صنع، واحتوشه الندم وما نفع، وتمنى الخلاص وهيهات قد وقع، وخلاه الخليل المصافي وانقطع، واشتغل الأهل بما كان جمع، وتملك الضد المال والدار، فاعتبروا يا أولي الأبصار!

باتُوا على قُلَلِ الأجْبَالِ تحرُسُهُمْ

غُلْبُ الرِّجَالِ فَلمْ تنفعْهُمُ القُلَلُ

واستُنزِلُوا بَعْدَ عِزٍّ عن معاقِلِهِم

وأُسْكِنوا حُفَرًا يا بؤسَ ما نزلُوا!

نادَاهُمُ صارخٌ مِن بَعدِ ما دُفنوا

أين الأسِرَّةُ والتيجانُ والحُلَلُ؟

أين الوجوهُ التي كانت محجَّبَةً

مِن دونها تُضْـرَبُ الأستارُ والكِلَلُ؟

فأفصح القبرُ عنهمْ حينَ ساءلهم

تلك الوجوهُ عليها الدودُ يَقْتَتِلُ

قد طالما أكَلُوا فيها وما شَرِبوا

فأصبَحُوا بَعْدَ طُولِ الأَكْلِ قد أُكِلوا

وطالما كنَزُوا الأموالَ وادَّخَروا

فخلَّفُوها على الأعداءِ وارْتَحَلُوا

وطالما شيَّدُوا دُورًا لتُحْصِنَهُمْ

ففارقوا الدُّورَ والأهلينَ وانتقلوا

أضحَتْ مساكنُهم وحْشًا معطَّلَةً

وساكنُوها إلى الأجْداثِ قد رَحَلوا

أين الكنوزُ التي كانَتْ مَفَاتِحُها

تنوءُ بالعُصْبَةِ المقْوِينَ لو حَمَلُوا

أين العبيدُ التي أرْصدتّهم عُدَدًا

أين الحديد وأين البِيضُ والأَسَلُ

أين الفوارسُ والغلمانُ ما صنعوا

أين الصوارمُ والخَطِّيِّةُ الذُّبُلُ

هيهاتَ ما كشفوا ضَيْمًا وَلا دَفَعُوا

عنكَ المنيةَ إذا وافَى بِكَ الأَجَلُ

اللهم اغفر لنا أجمعين، وتب علينا يا أرحم الرحمين، لا تفرق جمعنا هذا إلا بذنب مغفور، وعمل مبرور، وسعي متقبل مشكور، اغفر لنا ولآبائنا وأمهاتنا يا أرحم الرحمين.

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة