الحمد لله خلقَ الليلَ والنهارَ، وقدَّرَهما مواقيتَ للأعمال ومقادير للأعمار، لا إله إلا هو جعلَ في مرورِ الأيامِ والليالي عِبَرًا لأهل هذه الدار، أحمده سبحانه وأشكره على عظيم آلائه، والشكرُ سبيلٌ للمزيد والاستِكثار، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادةً خالصةً مُخلِصة بصدق المُعتقَد وصحةِ الإقرار، وأشهد أن سيدنا ونبيَّنا محمدًا عبدُ الله ورسوله النبيُّ الأُمِّي العربيُّ الهاشميُّ المُصطفى المُختار، صلَّى الله وسلَم وبارَك عليه وعلى آله السادة الأطهار، وأصحابه البَرَرَة الأخيار، والتابعين ومن تبِعَهم بإحسانٍ ما تعاقبَ الليلُ والنهار، وسلَّم تسليمًا كثيرًا.
أما بعد: فأُوصيكم -أيها الناس- ونفسـي بتقوى الله عز وجل، فاتقوا الله -رحمكم الله-، فمن عرفَ الله أعطاه حقَّه، ومن أحبَّ رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- لزِمَ سنَّته، ومن قرأَ كتابَ الله عمِلَ به، ومن أرادَ الجنةَ عمِلَ لها، ومن خافَ النارَ هربَ منها، ومن أيقنَ بالموت استعدَّ له.
يقول عليُّ رضي الله عنه: «اشتدَّ خوفي من اثنين: طولِ الأمل، واتِّباعِ الهوى؛ أما طولُ الأمل فيُنسِي، وأما اتِّباعُ الهوى فيصدُّ عن الحق».
﴿ أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَٰهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَىٰ عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَىٰ سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَىٰ بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ ۚ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ ﴾ [الجاثية:23].
عباد الله: إن تقوى القلب ومحاسبة النَّفْس طريقةُ المؤمنين، وسِمَةُ الموحدين، وعنوان الخاشعين، فالمؤمن مُتَّقٍ لربه، محاسبٌ لنفسه، مستغفِرٌ لذنبه، يعلم أن النفسَ خطرُها عظيم، وداؤها وخيم، ومكرها كبير، وشرها مستطير، فهي أمَّارةٌ بالسوء، ميَّالة إلى الهوى، داعية إلى الجهل، قائدة إلى الهلاك، توَّاقة إلى اللهو، إلا من رحم ربي.
فلا تُتْرَكُ النفس لهواها؛ لأنها داعيةٌ إلى الطغيان، مَن أطاعها قادته إلى القبائح، وَدَعَتْهُ إلى الرذائل، وخاضت به المكاره؛ تطلعاتُها مُريبة، وغوائلها عجيبة، ونزعاتها مخيفة، وشرورها كثيرة؛ ولذلك علَّمَنا ﷺ في خطبة الحاجة أن نكرر دائما، ونردد أبدا، قوله: «ونعوذ بالله من شرور أنفسنا»[1].
والناس قسمان: قسم ظفِرتْ به نفسُه فمَلَكتْهُ وأهلكته وسيَّرتْه فأرْدَتْه، وصار طوعا لها، وتحت أوامرها؛ وقسم ظفر بنفسه، وانتصـر عليها، وأمسك زمامها، وأحكم لجامها، فقد أفلح وأنجح؛
ومن ظفرت به نفسه فسارت به على هواها، ومشت به في رضاها، فقد خسر وهلك.
| والنَّفْسُ رَاغِبَةٌ إِذَا رَغَّبْتَهَا |
| وَإِذَا تُرَدُّ إِلَى قَليلٍ تَقْنَعُ |
فمن ترك سلطان النفس حتى طغى، ﴿ وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا ﴿٣٨﴾ فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَىٰ ﴿٣٩﴾ وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَىٰ ﴿٤٠﴾ فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَىٰ ﴾ [النازعات:38-41].
وقد وصف الله سبحانه النفس في القرآن بثلاثة أوصاف: المطمئنة، والأمارة بالسوء، واللوامة؛ فالنفس إذا سكنت إلى الله واطمأنت بذكره، وأنابت إليه، وامتثلت أوامره، واجتنبت نواهيه، واشتاقت إلى لقائه، وأنِست بقربه، فهي مطمئنة، وهي التي يقال لها عند الوفاة: ﴿ يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ﴿٢٧﴾ ارْجِعِي إِلَىٰ رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً ﴿٢٨﴾ فَادْخُلِي فِي عِبَادِي ﴿٢٩﴾ وَادْخُلِي جَنَّتِي ﴾ [الفجر:27-30].
وإذا كانت النفس بضد ذلك فهي أمَّارةٌ بالسوء، تأمر صاحبها بما تهواه من شهَوات الغي، ودروب الردى، واتِّباع الباطل. وأما النفس اللوامة فقد قيل هي التي تندم على ما فات، وتلوم عليه.
قال عطاء، عن ابن عباس: «كل نفس تلوم نفسها يوم القيامة، تلوم المحسن نفسه أن لا يكون ازداد إحسانا، وتلوم المسيء نفسه أن لا يكون رجع عن إساءته».
وقال الحسن رحمه الله: (إن المؤمن، والله! ما تراه إلا يلوم نفسه على كل حالاته، يستقصرها في كل ما يفعل، فيندم ويلوم نفسه؛ وإن الفاجر ليمضي قدما لا يعاتب نفسه). فيجب أن يكون المؤمن محاسِبا لنفسه، مُتَّهِمًا لها، لائما على تقصيرها.
يقول الله جل وعلا: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ ۖ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ﴾ [الحشر:18]. فهذه الآية دليل على وجوب محاسبة النفس، والنظر في أحوالها، والمتابعة لأعمالها؛ يقول ابن كثير رحمه الله في تفسير هذه الآية: (أي: حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وانظروا ماذا ادَّخَرْتُم لأنفسكم من الأعمال الصالحة ليوم معادكم وعرضكم على ربكم، واعلموا أنه عالِمٌ بجميع أعمالكم وأحوالكم، لا تخفى عليه منكم خافية).
وقد أقسم الله تعالى بالنفس، وذكرها مع يوم القيامة؛ دلالةً على أهميتها ومنزلتها، وبيانا لضـرورة المحاسبة وأهميتها، فقال تعالى: ﴿ لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ ﴿١﴾ وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ ﴾ [القيامة:1-2] ؛ فالإنسان بصير بعيوب نفسه، عالم بدخائلها، ولو تظاهر بالأعذار وجادل عن نفسه، فلن ينفعه ذلك يوم القيامة، وهذا إشارة إلى ضرورة الرجوع إلى النفس ومحاسبتها، وإصلاح عيوبها قبل فوات الأوان.
ولقد كان السلف -Ȋ- وأرضاهم أشد الناس محاسبة لأنفسهم، واتهاما لها، واعترافا بتقصيرها وجهلها، مع ما كانوا عليه من الدين القويم، والصراط المستقيم، والقدر العظيم؛ أعمال عظيمة، وأخلاق كريمة، ونفوس مستقيمة؛ هدى وصلاح، جهاد وكفاح، بذل وعمل، جود وكرم، بكاء وندم، سهر وألم، مسارعة إلى الخيرات، منافسة في الطاعات، صفاء في النيات.
ومع ذلك كله لم يَدِلُّوا بأعمالهم، ولم يعجبوا بأحوالهم، أو يباهوا بأفعالهم، بل اتهموا أنفسهم بالتقصير، وكانوا في غاية الخوف والوجل من العلي القدير، وعلى رأسهم البشير النذير ﷺ، الذي أخبر أنه لن يدخل الجنةَ أحدٌ بعمله، حتى هو ﷺ، إلا أن يتغمده الله برحمته، وهو الذي قام حتى تفطرت قدماه، وكان يبكي حتى تبل دموعه الثرى، وكان يتوب إلى الله في اليوم مائة مرة، ويعد له وهو يستغفر لربه في المجلس الواحد أكثر من سبعين مرة.
ولكن الإنسان يعجب حينما يتأمل أحوال كثير من الناس، أعمال قليلة، وطاعات متهالكة، وأحوال مزرية، ومع ذلك لا حساب، ولا عتاب، ولا ندم، ولا ألم، ولا خشية، ولا وجل. ذلك أبو بكر الصديق رضي الله عنه حينما يقف مع نفسه وقفة محاسبة دقيقة صرخ قائلا: يا ليتني كنت شجرة تعضد.
وذاك عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان يخشى على نفسه أن يكون من المنافقين، وكان يقول: «والله لوددت أن أنجو يوم القيامة كفافا، لا علي ولا لي». وكان يقول: «لو نادى مُنَادٍ يوم القيامة كل الناس يدخلون الجنة إلا واحدا لخشيت أن أكون أنا». وقال رضي الله عنه: «حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوا أنفسكم قبل أن توزنوا، فإنه أهون عليكم في الحساب غدا أن تحاسبوا أنفسكم اليوم؛ وتَزَيَّنوا للعرض الأكبر، يومئذ تعرضون لا تخفى منكم خافية». وكتب رضي الله عنه إلى أحد عماله: «حاسب نفسك في الرخاء قبل حساب الشدة، فإنه مَن حاسب نفسه في الرخاء قبل حساب الشدة عاد مرجعه إلى الرضا والغبطة، ومن ألْهَتْهُ حياتُه، وشغَلَتْهُ أهواؤه، عاد أمره إلى الندامة والحسرة».
ويقول الحسن البصري رحمه الله: (لا تلقى المؤمن إلا يعاتب نفسه، ماذا أردتُّ بكلمتي؟ ماذا أردت بأكلتي؟ ماذا أردت بشربتي؟). ويقول: (إن العبد لا يزال بخير ما كان له واعظ من نفسه، وكانت المحاسبة من همته). ويقول: (المؤمن قَوَّامٌ على نفسه يحاسب نفسه لله، وإنما خف الحساب يوم القيامة على قوم حاسبوا أنفسهم في الدنيا، وإنما شق الحساب يوم القيامة على قوم أخذوا هذا الأمر من غير محاسبة، إن المؤمن يفاجئه الشيء ويعجبه، فيقول: والله إني لأشتهيك، وإنك لمن حاجتي؛ ولكن، والله! ما من صلة إليك، هيهات هيهات! حيل بيني وبينك؛ إن المؤمن أسير في الدنيا يسعى في فكاك رقبته، لا يأمن شيئا حتى يلقى الله، يعلم أنه مأخوذ عليه في سمعه، وفي بصره، وفي لسانه، وفي جوارحه).
ويقول مالك بن دينار رحمه الله: (رحم الله عبدا قال لنفسه: ألستِ صاحبةَ كذا؟ ألست صاحبة كذا؟ ثم زمَّها، ثم خطمها، ثم ألزمها كتاب الله عز وجل فكان لها قائدًا).
وقال إبراهيم التيمي: (مثلت نفسي في الجنة آكل من ثمارها، وأشرب من أنهارها، وأعانق أبكارها؛ ثم مثلت نفسي في النار، آكل من زقومها، وأشرب من صديدها، وأعالج سلاسلها وأغلالها؛ ثم قلت لنفسي: يا نفس! أي شيء تريدين؟ قالت: أريد أن أرد إلى الدنيا فأعمل صالحا، قال: فأنتِ في الأمنية، فاعملي).
بل لقد وصل الحال ببعضهم إلى أن اتخذ في داره قبرا ينزل فيه ويغلق على نفسه، ثم ينادي ويبكي، ﴿ رَبِّ ارْجِعُونِ ﴿٩٩﴾ لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ ﴾ [المؤمنون:99-100]، ثم يخرج من القبر ويقول لنفسه: قد أُعْطِيتِ رغبتك، فاعملي.
وكان الأحنف بن قيس رحمه الله في محاسبته لنفسه يذكرها نار الآخرة، فيجيء إلى المصباح فيضع إصبعه فيه حتى يحس بالنار ثم يقول لنفسه: (يا حنيف ما حملك على ما صنعت يوم كذا؟ ما حملك على ما صنعت يوم كذا؟).
وعن وهب بن منبه، قال: (مكتوب في حكمة آل داود: حقٌّ على العاقل أن لا يغفل عن أربع ساعات: ساعة يناجي فيها ربه، وساعة يحاسب فيها نفسه، وساعة يخلو فيها مع إخوانه الذين يخبرونه بعيوبه ويصدقونه عن نفسه، وساعة يخلو فيها بين نفسه وبين لذاتها فيما يحل ويحمد؛ فإن في هذه الساعة عونا على تلك الساعات، وإجماما للقلوب).
قال أبو حامد الغزالي رحمه الله: (عرف أرباب البصائر من جملة العبادات أن الله تعالى لهم بالمرصاد، وأنهم سيناقشون في الحساب، ويطالبون بمثاقيل الذر من الخطرات واللحظات، وتحققوا أنه لا ينجيهم من هذه الأخطار إلا لزوم المحاسبة، وصدق المراقبة، ومطالبة النفس في الأنفاس والحركات، ومحاسبتها في الخطرات واللحظات، فمَن حاسب نفسه قبل أن يحاسَب خف في القيامة حسابه، وحضر عند السؤال جوابه، وحسُن منقلبه ومآبه؛ ومن لم يحاسب نفسه دامت حسراته، وطالت في عرصات القيامة وقفاته، وقادته إلى الخزي والمقت سيئاته، فلما انكشف لهم ذلك علموا أنه لا ينجيهم منه إلا طاعة الله، وقد أمرهم بالصبر والمرابطة، فقال عز من قائل: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا ﴾ [آل عمران:200]، فرابطوا أنفسهم أولا بالمشارطة، ثم بالمراقبة، ثم بالمحاسبة، ثم بالمعاتبة، ثم بالمجاهدة).
وقال بكر بن عبد الله المزني -الذي كان آية في التقوى والصلاح-: (لما نظرتُ إلى أهل عرفات ظننت أنهم قد غفر لهم لولا أني كنت فيهم). وقال محمد بن واسع - رحمه الله -: (لو كان للذنوب ريح ما قدر أحد أن يجلس إلي). ويقول ميمون بن مهران: (لا يكون الرجل تقيا حتى يكون لنفسه أشد محاسبة من الشـريك لشـريكه)، ويقول ابن القيم رحمه الله: (مَن أحسن الظن بنفسه فهو من أجهل الناس بنفسه).
هكذا كانوا -رحمهم الله ورضي عنهم- يلومون أنفسهم، ويبكون تقصيرهم، ومَنْ لم يتَّهِم نفسَهُ على دوامِ الأوقات كان مغرورا، ومن نَظَر إليها باستحسان فقد أهلَكَها؛ فالنِّعْمَةُ العُظْمَى هي في الخروج من حُظُوظها العاجلة، والتخلص من رِقِّها، وأعرفُ الناس بأنفسهم أشدُّ الناس محاسبةً لها، ورقابةً عليها، ﴿ وَمَنْ تَزَكَّىٰ فَإِنَّمَا يَتَزَكَّىٰ لِنَفْسِهِ ۚ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ ﴾ [فاطر:18].
الخطبة الثانية:
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله.
وبعد:
إخوة الإيمان: محاسبة النفس طريقٌ للنجاح، وسبب للفلاح، وأمارةُ سعادة، ودليلُ رشادة، وهنالك أمور كثيرة تعين على محاسبة النفس، وتُقَوِّي بواعث الخير فيها، ومن ذلك:
1-استشعار رقابة الله على العبد واطلاعه على خفاياه، وأنه سبحانه لا تخفى عليه خافية، قال تعالى: ﴿ وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ ۖ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ ﴾ [ق:16]، ﴿ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ ۚ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ ﴾ [البقرة:235].
2- أن يعلم العبد أنه مسؤول عن كل صغيرة وكبيرة، ﴿ فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ ﴿٧﴾ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ ﴿٨﴾ ﴾ [الزلزلة:7-8]، وقال تعالى: ﴿ فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ ﴿٩٢﴾ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ [الحجر:92-93]، وقال تعالى: ﴿ فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ ﴿٦﴾ فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ ۖ وَمَا كُنَّا غَائِبِينَ ﴾ [الأعراف:6-7]، وقال تعالى: ﴿ وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ۚ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا ﴾ [الإسراء:36].
3- أن يتذكر الحساب الأكبر يوم القيامة، وأن يعلم أنه من شدد على نفسه في الحساب هنا، يسَّر الله عليه الحساب هنالك: ﴿ يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا ۗ وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ ۗ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ ﴾ [آل عمران:30]، ﴿ وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا ۖ وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا ۗ وَكَفَىٰ بِنَا حَاسِبِينَ ﴾ [الأنبياء:47]، ﴿ وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ ﴾ [الزمر:55]، ﴿ وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ ﴿٥٥﴾ أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَا عَلَىٰ مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ ﴿٥٦﴾ أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ ﴿٥٧﴾ أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ ﴾ [الزمر:55‑58].
عباد الله: إن هناك فئة من الناس خف عليها الحساب، والوقوف بين يدي رب الأرباب، فمن هي؟ إنهم أولئك الذين لازموا مبدأ المحاسبة، فحاسبوا أنفسهم قبل أن يُحاسبوا، ووزنوا أعمالهم قبل أن توزن، فخفّ حسابهم الحق بين يدي الله تعالى.
عباد الله: أكثروا من ذكر الموت، فتذكُّر الموت، وأهوال القيامة، ما ذُكر في قليل إلا كثّره، ولا كثير إلا قلله، يدعو المؤمن إلى محاسبة النفس، والأخذ بزمامها إلى طريق الخير والفلاح، يقول ﷺ: مشيرا إلى هذا الأمر: «كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل»[2]، وفي رواية «واعدد نفسك في الموتى»[3]، وقال رجل لآخر: أوصني. فقال: (عسكر الموتى ينتظرونك).
فلْنُعِدَّ للسؤال جوابا، ولْنعلم يقينا أن اليوم عمل ولا حساب، وغدا حساب ولا عمل، ومن تذكر هول المطلع على الله، حاسب نفسه وأعَدَّ العُدَّة.
صاحب هذه الخطبة
الشيخ / ناصر بن مسفر الزهراني