الحمدُ لله المُتفرِّد بخلقِه وأمرِه، المُتوحِّد في عزِّه وقهرِه، لا إله إلا هو المُنتقِمُ ممن خالَفَه، والمُهلِكُ لمن آسَفَه، أحمدُه سبحانه حمدَ شاكرٍ لما أولاه، المُعترِف بما امتنَّ به وأسدَاه.
وأشهدُ أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادةَ حقٍّ ويقينٍ لا شكَّ فيه، وقولِ صدقٍ وجزمٍ لا ريبَ يعتَريه، وأشهدُ أن سيِّدَنا ونبيَّنا محمدًا عبدُ الله ورسولُه ألَّف الله به بين القلوب المُتنافِرة، صلَّى الله وسلَّم وبارَك عليه، وعلى عِترتِه الطاهِرة، وعلى أصحابِه الأنجُم الزاهِرة، والتابعين ومن تبِعَهم بإحسانٍ، وسلَّم تسليمًا كثيرًا مزيدًا إلى يوم البعثِ في الآخرة.
أما بعد:
فأوصيكم ونفسي بتقوى الله، فتقوى الله أكرم زاد، وأوثق عماد، ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ ﴾ [التوبة:119].
أيها المؤمنون: أقف معكم في هذه الجمعة مع بعض أيام الله، أيام حصلت فيها انتصارات أهل الحق، فإن في ذكرها والوقوف عندها إحياءً للنفوس، وملئ للقلب بالتفاؤل، ويجعلها توقن أن النصر حليف المؤمنين، وأن جند الله لن يزالوا غالبين، وأن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين.
كم نحن بحاجة لتذكُّر بعض أيام الله خصوصًا في هذه المرحلة من عمر الأمة، التي تكالب عليها الأعداء وتداعت عليها الأمم من كل حدبٍ وصوب.
إن تاريخنا الإسلامي مفعم بالذكريات، وفي تاريخنا أخبار لرجال عظماء مخلصين، من علماء وقادة ومجاهدين، كانت لهم مواقف بطوليه، ومآثر نضالية، سطّرها التاريخ، وحفظتها الكتب.
| فاقرأ التاريخ إذْ فيه العبَرْ |
| ضلّ قومٌ ليس يدرون الخبَرْ |
في أواخر القرن الرابع الهجري كانت العاصمة بغداد تئن من وطأة البويهيين، أولئك الجفاة الذين انحدروا من إقليم الديلم في شمال إيران، وتسلطوا على الخلافة فلم يعد للخليفة من أمر إلا المظاهر والشكليات، في هذه الفترة التي بدأ ظل الإسلام يتقلص في بغداد، كان الإسلام يزدهر ويتقدم في منطقة خراسان وأفغانستان، وهذا مصداق حديث رسول الله ﷺ: «أمتي كالمطر لا يُدرى آخره خير أم أوله»[1]، فمن وعود الله لهذه الأمة أن لا يستأصلها عدو، وأن يكون فيها الخير والظهور حتى تقوم الساعة، فمن عجائب تاريخ الإسلام أنه كلما تقهقر في جهة تقدم في أخرى، وما أن يتخلى عنه أناس إلا سخر الله له آخرين، ﴿ وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ ﴾ [محمد:38]، ففي فترة الضعف التي كانت تعيشها الخلافة في بغداد نبتت قوة في ( غزنة) جنوب غربي كابل من بلاد أفغانستان على يد أسرة تركية عميدها (سبكتكين) الذي بدأ الجهاد في أرض الهند، ثم جاء ابنه محمود الذي أظهر كفاءة عالية وشخصية قوية، فجمع إقليم خراسان كله تحت إمرته، ووصل إلى الري وأذربيجان، وبارك الخليفة القادر بالله هذه السلطة السنيّة القوية، ووجدها سندًا ضد البويهيين.
كان السلطان محمود من أولئك الملوك المتدينين الذين يهتمون بالعلم ويقربون العلماء، ولاشتهار أمر السلطان في العالم الإسلامي حاولت الدولة الفاطمية الرافضية في مصـر أن تستميله إليها، فأرسلت أحد دعاتها ليكلم السلطان، ولكن السلطان أدرك مغزى دعوتهم، وقتل هذا الداعية، وأهدى بغلته التي كان يركبها إلى شيخ مدينة (هرات) وقال: (كان يركبه رأس الملحدين، فليركبه رأس الموحدين).
إن أعظم مناقب السلطان محمود هو حبه للجهاد، فكان يغزو كل سنة، وكانت وجهته الهند، وقد وُفّق لفتح أقاليم كبيرة، وتعرف أهلها على الإسلام، ثم إنه بلغ السلطان أن الهنود يقولون: إن الذي خرب بلاد الهند وأضعفها هو غضب الصنم الكبير على سائر الأصنام، وكانوا يقولون عن هذا الصنم: إنه يرزق ويحيي ويميت، ويحجون إليه، وقد تجمّع عند هذا الصنم مال كثير مما يقدمونه من قرابين، حتى بلغت أوقافه عشـرة آلاف قرية، وخدمه من البراهمة ألف رجل، وبين قلعة هذا الصنم وبلاد المسلمين مسيرة شهر، ومفازة قليلة الماء، فعزم السلطان محمود واستخار الله في غزو هذا الوثن، وسار يطوي القفار ومعه ثلاثون ألف فارس وخلقٌ من الرجّالة، وخرج ثاني يوم الفطر سنة 416هـ، ووصل إلى القلعة في الرابع عشر من ذي القعدة، فلما رأى الهنود تصميم السلطان بذلوا له أموالًا جزيلة ليترك لهم هذا الصنم، وأشار بعض الأمراء معه على أخذ الأموال وإبقاء هذا الصنم لهم، نظرًا لضخامة ما بذله الهنود من الأموال الجزيلة، لكن السلطان رفض قائلًا: إني فكرت في هذا الأمر فرأيت أنه إذا نُوديت يوم القيامة: أين محمود الذي كسر الصنم؟ أحب إليّ من أن يقال: الذي ترك الصنم لأجل ما ينال من الدنيا.. ! وكان على الصنم من الحلي والجواهر ما لا يوصف، فدخل السلطان وزعزع الصنم وضربه بالمعاول حتى خر صريعًا، ثم أحرقه وفرّق ما كان عليه وحوله من الأموال على قادته وجنوده، ثم عاد إلى قريته غزنة من بلاد أفغانستان في صفر سنة 417هـ. ثم أرسل السلطان محمود البشارة بهذا الفتح إلى الخليفة في بغداد، يذكر فيه ما افتتحه من بلاد الهند، ويقول: (إني فتحت قلاعًا وحصونًا وأسلم زهاء عشـرون ألفًا من عباد الأوثان). فرحم الله هذا السلطان، وجزاه الله خيرًا عن الإسلام والمسلمين، توفي ودفن في أفغانستان، كان فتحه وكسره للأصنام يومًا من أيام الله.
إن هذا الدين لا يحابي أحدًا، ولا يُهزم أبدًا، إن تخلى عنه أهل الشرق أقامه الله على أيدي أهل الغرب، وإن تخلى عنه أهل الشمال أقامه الله على أيدي أهل الجنوب.. وهكذا، من كان يطرأ على باله أن تظهر قوة ودولة في أفغانستان بعد أن كانت قيادة الأمة في بغداد، فلله الأمر من قبل ومن بعد.
ولننتقل من الشرق إلى الغرب:
في القرن الخامس الهجري انفرط عقد وحدة الأندلس وانقسمت إلى ممالك صغيرة، كل مدينة تُعتبر دولة تحكمها أسرة من الأسر الأندلسية، كما قال الشاعر:
| مما يُزهّدني في أرضِ أندلسٍ |
| ألقابُ معتضدٍ فيها ومعتمدِ |
| ألقابُ مملكةٍ في غير موضعها |
| كالهرِّ يحكي انتفاخًا صولةَ الأسدِ |
وكان أوسعهم مملكةً وقوة: محمد بن عباد صاحب إشبيلية وقرطبة، وقد تتعاون هذه الدول أحيانًا أمام الزحف الآتي من الشمال من نصارى إسبانيا، وقد يختلفون ويستعين بعضهم بالعدو لمحاربة أهل ملّته وجيرانه، فالوضع العام لا يدعو إلى التفاؤل، أرسل له أمير أحد الممالك: (أيها الملك إن الروم إذا لم تُغز غزت، ولو تعاقدنا مخلصين فَللنا حدّهم)، وكان ملك النصارى قد قوي أمره وبدأ يزحف على المدن الإسلامية، وكانت طُليطلة من أول مدن الأندلس العظيمة التي أخذها الإسبان صلحًا من القادر بن يحيى بعد حصار دام سبع سنين، وكان ذلك في سنة 478هـ؛ وبسبب تفرق ملوك الطوائف فإنهم كانوا يدفعون ضريبةً لملك النصارى، وكان ابن عباد يدفع الضريبة أيضًا، ولكن ملك النصارى لم يرض، وطلب المزيد من القلاع والحصون، وأرسل وفدًا كبيرًا إلى ابن عباد وعلى رأسهم يهودي، وفرض شروطًا مُذلّة واستفزازية، فضرب ابن عباد رئيس الوفد على وجهه حتى برزت عيناه، ورفض هذه الشروط، وبدأ كل فريق يستعد للقتال.
سمع علماء قرطبة بما جرى ورأوا قوة النصارى وضعف المسلمين واجتمعوا وقالوا: (هذه بلاد الأندلس قد غلب عليها النصارى، ولم يبق فيها إلا القليل، وإن استمرت الأحوال على ما نرى عادت الأندلس نصرانية كما كانت، وساروا إلى القاضي عبد الله بن محمد ابن أدهم فقالوا له: ألا تنظر ما فيه المسلمون من الذلة وعطائهم الجزية، وقد رأينا رأيًا نعرضه عليك، قال: وما هو؟ قالوا: نكتب إلى عرب أفريقية تونس وما جاورها، ونبذل لهم فإذا وصلوا إلينا قاسمناهم أموالنا وخرجنا معهم مجاهدين في سبيل الله، فقال: المرابطون أصلح منهم وأقرب إلينا، قالوا له: فكاتب أمير المسلمين يوسف بن تاشفين، واطلب منه ليعبر إلينا، وقدم عليهم المعتمد بن عباد وهم يتكلمون حول خطر النصارى فعرض عليه القاضي ابن أدهم ما كانوا فيه، فقال له ابن عباد: (أنت رسولي إلى ابن تاشفين)، فسار ابن أدهم وأبلغ الرسالة إلى ابن تاشفين وأعلمه ما فيه المسلمون من الخوف.
أدرك ابن عباد ضرورة حشد كل القوى لمواجهة نصارى الشمال، وعندما علم بعض ملوك الأندلس بعزم ابن عباد طلب العون من ابن تاشفين خوفوه وقالوا: إذا دخل ملك المغرب الأندلس أخذها وتملّكها، فقال ابن عباد قولته المشهورة: (لأن أرعى الإبل عند ابن تاشفين، خير لي من أرعى الخنازير للنصارى)، يقصد رحمه الله أنه مستعد للتضحية بملكه ولو بلغ به الأمر أن يرعى الإبل عند ابن تاشفين، فإن هذا خير من أن يتغلب النصارى على بلاد الأندلس ويسوموا المسلمين سوء العذاب.
عندما التقى ابن تاشفين برسول ابن عباد، وكان في مدينة (سَبتة)؛ وافق وأمر فورًا عساكره بالعبور إلى الأندلس ثم طلب بقية الجيش من مراكش حتى إذا تكاملت كل قواته عبر المضيق، والتقى بابن عباد الذي أكرمه إكرامًا يليق به، وأمر أن توضع الجزيرة الخضـراء جنوبي الأندلس تحت تصرفه، وتسامع المسلمون في الأندلس بوصول ملك المغرب فخرجوا من كل البلاد يطلبون الجهاد في سبيل الله، لقد كان يومًا من أيام الله، وهكذا النصارى في كل زمان ومكان لا يصمدون لو اجتمع لهم المسلمون.
ولما علم ملك النصارى بوصول ابن تاشفين وأن معه جيش كبير، جمع فرسانه وسار من طليطلة، وكتب إلى أمير المسلمين يُغلظ له القول ويخوفه بما عنده من القوة والعدد، فكتب إليه أمير المسلمين: (الذي يكون ستراه)، فلما قرأها ارتاع لها، وعلم أنه بُلي برجل له عزم وحزم.
قام المعتمد بن عباد بتنظيم كافة الإجراءات واتخاذ كافة التدابير مثل تنظيم الحراسة، ومراقبة تحركات العدو، وأشرف بنفسه على كل ذلك، وكان عنده قوات استطلاع منظمة، أمكن لها التوغل حتى قلب معسكر النصارى، واستطاعت إنذار ابن عباد في الوقت المناسب.
وفي فجر يوم الجمعة منتصف رجب عام 479هـ بدأت معركة (الزلاقة)، وتلقى ابن عباد وفرسانه الصدمة الأولى، وأحاطت جيوش النصارى به من كل مكان، وكان عسكر ابن تاشفين يبعد قليلًا، ولم يلتحم مع جيش الأندلس بعد، وصبر ابن عباد وظهرت شجاعته وأثخنته الجراح وطُعن في أحد جنبيه، وعُقر تحته ثلاثة أفراس كلما هلك واحد قُدّم له آخر، ثم وصلت طلائع جيش ابن تاشفين، واقتحمت جيش العدو، وخففت الضغط عن ابن عباد فاستعاد ترتيب جيشه، والتقى مع ابن تاشفين وقاتل الطرفان قتالًا شديدًا، وصبر المسلمون صبرًا شديدًا، وعندما حان وقت الزوال، ظهرت بوادر النصـر وولى النصارى ظهورهم، واستحرَّ فيهم الطعن والقتل، ونصر الله دينه، وكان نصرًا مؤزرًا كبيرًا، واستشهد في هذا اليوم جماعة من كبار العلماء؛ فقد كانوا يقاتلون في مقدمة جيش المسلمين.
لم يرض ابن تاشفين أن يأخذ شيئًا من الغنائم وكتب بالفتح إلى بلاد المغرب وإلى مسلمي شمال أفريقيا فعمت الفرحة في جميع البلاد وأخرج الناس الصدقات شكرًا لله تعالى.
شكر ابن عباد ابن تاشفين على نجدته للإسلام والمسلمين، وأعجب ابن تاشفين بصبر ابن عباد وحسن بلائه، وعاد أمير المسلمين قافلًا إلى بلاده، وكان حقًا يومًا عظيمًا من أيام الله أعز الله فيه دولة الإسلام، وأذل فيه دولة النصارى.
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، وجعلني وإياكم بآياته من العاملين.
أقول ما قلت، فإن كان صوابًا فمن الله، وإن كان غير ذلك فمن نفسـي والشيطان، والله ورسوله منه بريئان، وأستغفر الله إنه كان غفارًا...
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد:
فإن الأيام والوقائع العظيمة في تاريخ الإسلام كثيرة، وإن ما فيها من الأحداث والعبر عجيبة مثيرة، وقد قال الله تعالى: ﴿ لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ ﴾ [يوسف:111]، ويقول تعالى لنبيّه: ﴿ وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ ﴾ [إبراهيم:5].. وقال: ﴿ فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ ﴾ [الأعراف:176].
أيها الأحبة: كانت فرنسا وبريطانيا تتنافسان للسيطرة على البحار والمواقع المهمة في العالم، ومن هنا جاءت فكرة القائد الفرنسي نابليون لغزو مصر حتى يقطع الطريق على بريطانيا في السيطرة على البحر المتوسط، فاستطاع نابليون دخول مصـر بعد مقاومة شعبية من أهالي الإسكندرية، وعندما اقترب من القاهرة انهزم المماليك في أول معركة اصطدموا بها مع الفرنسيين؛ لأنهم كما وصفهم المؤرخ الجبرتي حريصون على حياتهم ورفاهيتهم، معتزون بجمعهم، محتقرون شأن عدوهم، مختلفة آراؤهم.
دخل نابليون القاهرة وزين له جواسيسه أن يكتب منشورًا يتظاهر فيه بحب الإسلام لعله يخدع أهل مصر، لكن رغم أنه فعل إلا أنه لم يصدقه أحد.
فشلت القيادة السياسية العسكرية في مقاومة الغزو الفرنسي فانتقلت قيادة الأمة إلى علماء الأزهر، فلما عرف نابليون هذا الأمر استدعاهم، فلما استقروا بين يديه نهض وبيده العلم الفرنسي، فوضعه على كتف الشيخ الشرقاوي كبير العلماء، فرمى به الشيخ على الأرض، فقال الترجمان: قصده تعظيمكم بوضع هذه الشارة وبذلك يعظمكم الناس، لكن الحيلة لا تنطلي على مثله.
تحرك العلماء وقادوا الثورة ضد الفرنسيين، وعمت هذه الثورة كل المناطق شمالي القاهرة، وسمع أهل الحجاز بدخول الفرنسيين مصر فقام أحد العلماء وهو الشيخ الكيلاني وكان مجاورًا بمكة يحث الناس على مساعدة إخوانهم، فقَدِم منهم ستمائة من المجاهدين، وانضم إليهم أهل ينبع وجملة من أهل الصعيد، وقاوموا الفرنسيين في جنوب مصر.
فوجئ نابليون بهذه الثورة فأمر بأن تدك المدفعية الجامع الأزهر وما حوله من الأحياء؛ لأن الأزهر كان يمثل قيادة الأمة، واستمر الضرب في منتصف النهار وحتى المساء؛ وفي اليوم الثاني دخل جنود فرنسا الأزهر وهم راكبون الخيول، وكسـروا القناديل وهشموا خزائن الطلبة، ونهبوا الأواني ورموا المصاحف على الأرض، وأعدم نابليون ثلاثة عشـر من علماء الأزهر، منهم الشيخ أحمد الشرقاوي وعبد الوهاب الشبراوي وغيرهم، ﭭ وتقبّلهم.
رجع نابليون إلى فرنسا، وقامت ثورة ثانية في القاهرة يقودها علماء آخرون، وقاوم الشعب المصري مقاومة كبيرة، واستطاعوا إنشاء المصانع لإصلاح الأسلحة وصنع المدافع، وأقدم طالب أزهري من مدينة حلب على قتل القائد الفرنسـي (كليبر)، فرحل بعدها الفرنسيون بعد أن احتلوا مصر فقط لمدة ثلاث سنوات؛ لأنها كانت جحيمًا عليهم.
إنه يوم عظيم من أيام الله، يشبهه أيامٌ عظام، وأحداث ضخام، ندرك من خلالها حقيقة أعداء الله الذين قال الله فيهم: ﴿ وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّىٰ يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا ﴾ [البقرة:217]، لا بد من التذكير بأخلاقيات قوم لا يألونكم خبالًا، ولا يرقبون في مؤمن إلا ولا ذمة..
ليست أحداث ليبيا بعيدة عن أحداث مصر، وكيف كان احتلال إيطاليا، وما كان لعمر المختار معها من أيام، وكذلك أحداث الجزائر لم تكن بعيدة عن ليبيا ولا عن مصر، وكيف أن الفرنسيين أيضًا فعلوا الأفاعيل، ولم يدّخروا جهدًا في إعمال آلة القتل في الناس بدون أدنى رحمة، لقد كانوا يتصيدون الناس للمتعة، لا يفرقون بين مدني وعسكري، ولا بين مقاتل وأعزل، وبين شاب وشيخ كبير، وطفلة وامرأة عجوز، ولا زالت الفيديوهات والصور المنشورة المشهورة تحتفظ بأبشع المَشاهد التي لا يتحمل رؤيتها المُشاهد، ولقد كانت حصيلة هذا الغزو قتل الملايين من أبناء هذا الشعب المسلم المضطهد.
ويا سبحان الله! نجد منهم اليوم من يتقوّل على الفتوحات الإسلامية، التي شهد لها المؤرخون الغرب قبل غيرهم، بأنها أنزَهُ الحروب عبر التاريخ، لا سيما حين تُقارن بغيرها، سواء في عدد القتلى، أو في معاملة الجيوش الإسلامية لأهل البلاد التي يدخلونها.
أيها الناس: إن هذه الأمة تمرض، لكنها لا تموت، وتخبو لكنها لا تنطفئ، وإن دين الله باقٍ ما بقي الليل والنهار، وإن الله مُتمُّ نوره ولو كره الكافرون، وسيُظهره على الدين كله، ويجعل العاقبة لأهله.
ولكن الجاهلية المنظمة لا يغلبها إلا إسلام منظم، فعلى الأمة أن تستفيق من غفوتها، وتستعيد مكانتها، وتُعلم أبناءها كل ما من شأنه أن يرفع شأنها ويعلي قدرها بين الأمم، العلم العلم، والأدب الأدب، والأخلاق الأخلاق، ابنوا الأجيال، وربُّوا الرجال، واصنعوا الأبطال، وانهضوا بهم علمًا وعملًا، قولًا وفعلًا، أين يقضي الشباب أوقاتهم؟ وماذا يتعلم الصغار من والديهم ومعلميهم؟ كيف تعلو أمةٌ أضاعت شبابها بين شهوة وشبهة؟ وكيف ترتقي أمةٌ غرقت فتياتها بحب المعازف والملاهي، والانشغال بما لا ينفع دينًا ولا دنيا؟ لا بد من النهوض بالأمة في جميع مجالاتها لتتفوق على أعدائها، فلم يعد هناك جدوى من الجهود الفردية، ولا من العبثية والفوضوية، ﴿ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ ﴾ [الأنفال:46].
انهضوا بأمتكم، أعدّوا المعلم تستطيعوا إعداد الأجيال، وأعدّوا الأمهات تتمكنوا من صناعة الأبطال، واهتموا بأوقات الشباب تبلغوا الأسباب، وتعانقوا بهم السحاب، نظّموا الأولويات، واستغلوا الأوقات، واحشدوا الطاقات، واشحذوا الهمم لصعود القمم العاليات.. فإنّ العدو لا يرحم أمةً ضيّعت أوقاتها، وأهملت تعليمها، وفتنت شبابها، باللهو واللغو، والطرب والصخب.. يقول أحمد شوقي:
| قُمْ للمعلّمِ وَفِّهِ التبجيلا |
| كادَ المعلّمُ أن يكونَ رسولا |
| أعلمتَ أشرفَ أو أجلَّ من الذي |
| يبني وينشئُ أنفسًا وعقولا |
| ربُّوا على الإنصافِ فتيانَ الحِمى |
| تجدوهمُ كهفَ الحقوقِ كُهولا |
| فهوَ الذي يبني الطباعَ قويمةً |
| وهوَ الذي يبني النفوسَ عُدولا |
| وإذا المعلّمُ لم يكنْ عدلًا مشى |
| روحُ العدالةِ في الشبابِ ضئيلا |
| وإذا المعلّمُ ساءَ لحظَ بصيرةٍ |
| جاءتْ على يدِهِ البصائرُ حُولا |
| وإذا أصيبَ القومُ في أخلاقِهمْ |
| فأقمْ عليهم مأتمًا وعويلا |
| وإذا النساءُ نشأنَ في أُمّيَّةٍ |
| رضعَ الرجالُ جهالةً وخمولا |
| ليسَ اليتيمُ من انتهى أبواهُ |
| من همِّ الحياةِ، وخلّفاهُ ذليلا |
| إنَّ اليتيمَ هوَ الذي تلقى |
| لَهُ أمًّا تخلّتْ أو أبًا مشغولا |
هذا وصلّوا وسلّموا على النبي الهادي، والبشير الحادي...
صاحب هذه الخطبة
الشيخ /ناصر بن محمد الأحمد