حجم الخط:

مواقف من سيرة الفاروق رضي الله عنه

الخطبة الأولى:

الحمد لله واهب النعم، ومؤتي الحكم، جعل في كر الأيام معتبرًا، وفي تقلب الزمان مزدجرًا. أحمده سبحانه وأشكره، يقلب الليل والنهار، إن في ذلك لعبرة لأولي الأبصار.

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدًا عبد الله ورسوله، أرسله بالضياء، وقدمه في الاصطفاء، وجعله قدوة الحنفاء، صلى الله وسلم وبارك عليه، وعلى آل بيته وأهل صحبته وأنصار دعوته، ما رقَّت القلوب، وراقبت ربها علام الغيوب، وسلم تسليمًا كثيرًا إلى يوم الدين.

أما بعد:

فأوصيكم -أيها المسلمون- بتقوى الله عز وجل، فاتقوا الله رحمكم الله، وأقلوا الركون إلى الدنيا، فإن ما أمامكم عقبة كئود، ومنازل مخوفة لا بد من ورودها والوقوف عندها. فالمنية دانية، وأظفارها ناشبة، واحذروا التسويف وطول الأمل: ﴿ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَىٰ ۚ وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ [البقرة:197].

أيها الناس: إنّ هذه الأمة أمة عظيمة، كريمة مجيدة، ما شهد التاريخ مثلَها، وما عرف المخاض مولودًا أكرم على الله منها، أمّة تغفو ولكنّها لا تنام، قد تمرض ولكنّها لا تموت، أمّة أنجبت للدّنيا علماء فقهاء، وأخرجت للكون أبطالا عظماء، ولنا اليوم وقفةٌ مع تاريخِ هذه الأمة، لنقلّب الصفحات نلتمّس العبَر والعِظات.

اقرؤوا التاريخ إذ فيه العبرْ

ظل قوم ليس يدرون الخبرْ

ووقفةُ اليوم مع علَم من أعلام هذه الأمة، ورجلٍ من خِيرة رجالاتها، صائم إذا ذكر الصّائمون، وقائم إذا ذكِر القائمون، وبطَل مِغوار إذا ذكِر المجاهدون، إذا ذكر الخوف من الله قيل: كان له خطّان أسودان من البكاء، وإذا ذكر الزّهد والإيثار قيل: لم يكن يأكل حتى يشبَع المسلمون، وإذا ذكِرت الشدّة في الحق قيل: هو الذي كان إبليس يفرَق من ظلّه، والشياطين تسلُك فجًّا غيرَ فجِّه.

أحسبكم قد عرفتموه، إنه الفاروق عمر بن الخطاب بن نفيل القرشي العدوي، صاحب رسول الله ورفيقُه في دعوتِه وجهاده، ثاني الخلفاء الراشدين، وأحد العشرة المبشـرين بالجنَّة، قوي الإيمان، ذو الفراسة والفطنة والذكاء، والهيبة والشجاعة والدهاء، من أشراف قريش في الجاهليَّة، وله المكانة الرفيعة عندهم، رجل مُلهَم، كلامه من أجمع الكلام وأكمله؛ ولد بعد الفيل بثلاث عشرة سنة، أسلم وعمره سبعة وعشرون عامًا، كان إسلامه بعد إسلام حمزة بأيام، وذلك بعد خروج المسلمين إلى الحبشة في هجرتهم الأولى في السنة الخامسة من البعثة، أعز الله به الإسلام، قال عبدالله بن مسعود: ما زلنا أعزةً منذ أسلم عمر.

أسلم عمر فأعزّ الله به الإسلام، وهاجر جهرًا، وشهِد مع رسول الله بدرا وأحدًا والمشاهد كلَّها، وهو أوّل خليفة دعِي بأمير المؤمنين، وأوّل من كتب التاريخ للمسلمين، وأوّل من جمع القرآن في المصحف، وأوّل من جمع الناس على صلاةِ التراويح، وأوّل من طاف بالليل يتفقّد أحوالَ المسلمين، فتح الفتوحَ، وحمل الدِّرّة فأدّب بها كل نفس جَموح، وضع الخراجَ، ومصَّر الأمصار، واستقضَى القضاة، ودوّن الدواوين، وفرض الأُعطيات، وحجّ بأزواج رسول الله في آخر حجّةٍ حجّها، قال ابن عمر: سمعت رسول الله يقول: «بينما أنا نائم أوتيت بقدح من لبنٍ، فشربت منه حتى إني لأرى الرِّيّ يجري في أظفاري، ثم أعطيت فضلِي عمرَ»، قالوا: فما أوَّلتَ ذلك؟ قال: «العلم»[1].

كان يُحب الصلاة، ويأمر بها، وكان يقول: «لا حظَّ في الإسلام لمن ترك الصلاة». قال سعيد بن المسيب: (كان عمر يحب الصلاة في جوف الليل). وكان إذا صلى بالناس فبكى، يُسمع نشيجه إلى آخر الصفوف.

قال عبد الله بن مسعود: «إذا ذكِر الصالحون فحيّهلا بعمر، إنّ عمرَ كان أعلمنا بكتاب الله، وأفقهنا في دين الله، كان عمر شديد الخوف من ربّه، عظيم الخشية له، وكان يقول: «لو مات جديٌ بطفّ الفرات لخشيت أن يحاسب الله به عمر».

وعن عبد الله بن عامر قال: رأيت عمر بن الخطاب أخد تِبنة من الأرض فقال: «ليتني كنتُ هذه التّبنة، ليتني لم أُخلق، ليت أمّي لم تلِدني، ليتني لم أكن شيئًا، ليتني كنت نِسيًا منسيًّا».

وقال الحسن: (كان عمر يمرّ بالآية من وِرده فيسقطُ حتى يُعاد منها أيامًا). عرَف عمر ربَّه، وعرف قدرَ نفسه، فتواضع لله، فرفَع الله ذكرَه وأعلى شأنه، قال عبيد الله بن عمر ابن حفص: إنّ عمر بن الخطاب حمل قربةً على عنقه فقيل له في ذلك فقال: «إنّ نفسـي أعجبتني فأردتُ أن أذلَّها».

بويع بالخلافة فكان سيفًا على أهل الباطل شديدًا عليهم، وسندًا لأهل الحقّ ليِّنا معهم، قام على الأرامل والأيتام، فقضى لهم الحاجات، وفرّج عنهم الكربات.

ولما رجع من الشام إلى المدينة انفرد عن الناس ليتفقّد أحوالَ الرعية، فمرّ بعجوزٍ في خِباء لها فقصدها، فقالت: يا هذا، ما فعل عمر؟ قال: «قد أقبل من الشام سالمًا، فقالت: لا جزاه الله خيرًا، قال: ولم؟ قالت: لأنّه والله ما نالني من عَطائه منذ تولّى أمرَ المسلمين دينارٌ ولا درهم، قال: وما يدرِي عمر بحالِك وأنت في هذا الموضع؟! فقالت: سبحان الله! والله ما ظننت أن أحدًا يلي على النّاس ولا يدري ما بين مشرِقها ومغرِبها، فبكى عمر وقال: واعمراه، كلّ أحدٍ أفقه منك يا عمر، حتى العجائز. ثم قال لها: يا أمةَ الله، بكم تبيعيني ظلامَتك من عمَر، فإني أرحمه مِنَ النّار، فقالت: لا تستهزئ بنا يرحمك الله، فقال: لست بهزّاء، فلم يزل بها حتى اشتَرَى ظلامتَها بخمسةٍ وعشرين دينارا. فبينما هو كذلك إذ أقبل عليّ بن أبي طالب وعبد الله بن مسعود فقالا: السلام عليك يا أمير المؤمنين، فوضعَت العجوز يدَها على رأسها وقالت: واسوأتاه! شتمتُ أميرَ المؤمنين في وجهِه، فقال لها عمر: ما عليك يرحمك الله، ثم طلب رقعةً من جِلد يكتب عليها فلم يجد، فقطع قطعة من مرقعته وكتب فيها: «، هذا ما اشترى به عمر من فلانة ظلامتها منذ ولي إلى يوم كذا وكذا بخمسة وعشرين دينارا، فما تدّعي عند وقوفه في الحشر بين يدَي الله تعالى فعمر منه بريء. شهد على ذلك علي وابن مسعود»، ثم دفع الكتاب إلى أحدهما وقال: إذا أنا متّ فاجعله في كفني ألقى به ربي».

فرحم الله عمر، جُمعت له الدنيا فأعرض عنها وزهد فيها، قال معاوية: «أما أبو بكر فلم يرد الدنيا ولم ترده، وأما عمر فأرادته الدنيا ولم يرِدها». قال قتادة: (كان عمر يلبس وهو خليفة جُبّةً من صوف مرقوعا بعضها). وعن أبي عثمان النهدي قال: (رأيت عمر يطوف بالبيت وعليه جبّة صوف فيها اثنَتا عشرة رقعة).

وجيء بمال كثير من العراق فقيل: أدخِله بيت المال، فقال: «لا وربّ الكعبة، لا يُرى تحت سقفه حتى أقسمه بين المسلمين»، فجُعل بالمسجد وحرسه رجال من المهاجرين والأنصار، فلما أصبح نظر إلى الذهب والفضة والياقوت والزبرجد والدرّ يتلألأ فبكى، فقال له العباس: «يا أمير المؤمنين، ما هذا بيوم بكاء، ولكنه يوم بشرى، فقال: والله، ما ذهبتُ حيث ذهبتَ، ولكنه ما كثر هذا في قوم قطّ إلا وقع بأسهم بينهم، ثم أقبل على القبلة فقال: اللهم إني أعوذ بك أن أكون مُستدرَجا، فإني أسمعك تقول: ﴿ سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ [الأعراف:182]».

ويدخل عام الرمادة سنة ثماني عشرة للهجرة، فيقضي على الأخضـر واليابس، ويموت الناس جوعًا، فحلف عمر ألاَّ يأكل سمنًا حتَّى يرفع الله الضائقة عن المسلمين، وضرب لنفسه خيمة مع المسلمين حتَّى يُباشر بنفسه توزيعَ الطَّعام على الناس؛ عن طاووس عن أبيه، قال: «أجدب النَّاس على عهد عمر، فما أكل سمنًا ولا دسمًا حتَّى أكل الناس»، قال أسلم: «كنا نقول: لو لم يرفع الله الضَّائقة عام الرمادة، لظننا أنَّ عمر يموت همًّا بأمر المسلمين».

ومرض مرَّة فوصف له الأطباء العسل، وكان في بيت المال عُكَّة فيها شيء من العسل، فلم يأخذ منها حتَّى جاء المنبر، وقال للناس: «إن أذنتم لي فيها أخذت منها، وإلاَّ فهي عليَّ حرام»، فأذنوا له.

وروِي أنّه كان يقسِم شيئا من بيت المال فدخَلت ابنةٌ له صغيرة فأخذت دِرهما، فنهض في طلبها حتى سقطت مِلحفته عن منكبَيه، ودخلت الصّبيّة إلى بيت أهلها تبكي، وجعلت الدرهم في فمها، فأدخل عمر أصبعه في فمها فأخرج الدرهم وطرحه مع مال المسلمين.

وجاءته يومًا قافلة من مصر تحمل اللحم والسّمنَ والطعام والكِساء، فوزّعها على الناس بنفسه وأبى أن يأكل شيئا، وقال لقائد القافلة: «ستأكل معي في البيت»، ومنَّى الرجل نفسَه وهو يظنّ أن طعام أمير المؤمنين خير من طعام الناس. وجاء عمر والرجل إلى البيت جائعَين بعد التّعب، ونادى عمر بالطعام فإذا هو خبز مكسّر يابس مع صحنٍ من الزيت، فاندهش الرجل وتعجّب، وقال: لِمَ منعتني من أن آكل مع الناسِ لحمًا وسمنا؟! فقال عمر: «ما أُطعمك إلا ما أُطعم نفسي»، فقال الرجل: وما يمنعك أن تأكل كما يأكل الناس وقد وزّعتَ اللحم والطعامَ عليهم؟! قال عمر: «لقد آليتُ على نفسي أن لا أذوقَ السمن واللحم حتى يشبعَ منهما المسلمون جميعا».

ومن ورعه وتقشّفه رضي الله عنه ما روِي من أنّ امرأته اشتهَت الحلوى، فادّخرت لذلك من نفقةِ بيتها حتى جمعَت ما يكفي لصنعها، فلمّا بلغ عمرَ ذلك ردّ ما ادّخرته إلى بيت المال وأنقص من النفقة بقدرِ ما ادّخرت.

لله درُّك أيها الفاروق، فلقد أتعبتَ من بعدك، وكنت قدوة لكل مسلم صادق، وخليفة عادل.

الخطبة الثانية:

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

وبعد:

لقد كان للفاروق عمر رضي الله عنه سياسةً خاصة مع نفسه، فقد كان أشد الناس على نفسه وأهله، وكان إذا أمر الناس بأمر أو نهاهم عن شيء جاء إلى أهله فصاح بهم: إني قد أمرت الناس بكذا، أو نهيتهم عن كذا، ووالله لا أُوتينّ بأحد منكم قد خالف ما عليه المسلمون، إلا أضعفتُ له العقوبة!

تلك هي السياسة العُمرية، التي مدارها على الترفُّع عن شهوات النفوس، ومخالفة أهوائها ونزواتها.

قيل إنه دخل يومًا على ابنه عبد الله، وإذا عندهم لحم، فقال: ما هذا اللحم؟

فقال: «اشتهيته. قال: أو كلما اشتهيت شيئًا اشتريته؟! كفى بالمرء سرفًا أن يأكل كلّ ما اشتهاه». ويخرج رضي الله عنه ذاتَ مَرَّة إلى السوق، فيرى إبلًا سمانًا تميزت عن الإبل، فيسأل: إبل مَن هذه؟ فيقولون: إبل عبدالله بن عمر، فيرسل في طلبه، ويسأل عن الإبل، فيقول عبدالله بن عمر ȋ: إنها إبل هزيلة اشتريتها بمالي، وبعثت بها إلى الحِمى لأرعاها، فقال له عمر: «ويقول الناس حين يرونها: ارعوا إبل ابن أمير المؤمنين واسقوها، وهكذا تسمن إبلك، ويربو ربْحك يا ابن أمير المؤمنين، يا عبدالله، خذ رأس مالك الذي دفعته في هذه الإبل، واجعل الربحَ في بيت مال المسلمين!».

يأتي الهرمزان مستشار كسرى لابسًا تاجًا من ذهب وزبرجد، وعليه الحرير يدخل المدينة فيقول: أين قصر الخليفة؟ قالوا: ليس له قصر. قال أين بيته؟ فذهبوا فأروه بيتًا من طين وقالوا له: هذا بيت الخليفة، قال أين حرسه؟ قالوا ليس له حرس.

طرق الهرمزان الباب، خرج ولده، قال له: أين الخليفة؟ فقال: التمسوه في المسجد أو في ضاحية من ضواحي المدينة، فذهبوا إلى المسجد فلم يجدوه، بحثوا عنه، فوجدوه نائمًا تحت شجرة، وقد وضع درّته بجانبه، وعليه ثوبه المرقع وقد توسد ذراعه، في أنعم نومة عرفها زعيم. تعجب الهرمزان مما رأى، هو الذي فتح الدنيا ودرج الملوك والسلاطين، ينام بهذه الهيئة، تحت شجرة، وقال كلمته المشهورة: (حكمت فعدلت فأمنت فنمت يا عمر).

وراع صاحب كسـرى أن رأى

عمرًا بين الرعية عطلًا وهو راعيها

فوق الثرى تحت ظل الدوح

مشتملًا ببردة كاد طول العهد يبليها

فهان في عينه ما كان يكبره

من الأكاسر والدنيا بأيديها

وقال قولة حقٍ أصبحت مثلًا

وأصبح الجيل بعد الجيل يرويها

أمنت لما أقمت العدل بينهمو

فنمت نوم قرير العين هانيها

فمن يباري أبا حفصٍ وسيرته

أو من يحاول للفاروق تشبيها

حجَّ عمررضي الله عنه بالمسلمين آخر حجة له، ووقف يوم عرفة، فخطب الناس، ثم استدعى أمراءَ الأقاليم، وحاسبهم جميعًا أمام الناس، واقتصَّ للناس منهم، وبعد أن انتهى ذهب ليرمي الجمرات، فرماه أحدُ الحجاج بحصاة في رأسه، فسال دمه، فقال عمر: «هذا قتلي - يعني: أنني سوف أقتل» قال سعيد بن المسيب رضي الله عنه: لَـمَّا صدر عمر بن الخطابرضي الله عنه من منى، أناخ بالأبطح، ثم كوم كومة من بطحاء، ثم طرح عليها رداءه، واستلقى، ثم مدَّ يديه إلى السماء، فقال: «اللَّهم كبرت سني، وضعفت قوتي، وانتشرت رعيتي، فاقبضني إليك غير مضيع ولا مفرِّط».

فرجع إلى المدينة وهو يتمنَّى الشهادة، قالت له حفصة ابنته: يا أبتِ، موت في سبيل الله، وقتل في مدينة رسول الله ؟! إن من أراد أن يقتلَ، فلْيذهب إلى الثُّغور، فيجيب عمر: «سألت ربِّي، وأرجو أن يُلبي لي ربي ما سألت».

وَصَلَ عمر رضي الله عنه إلى المدينة، ورأى في المنام أنَّ ديكًا ينقره نقرتين أو ثلاثًا، فعبروا له الرُّؤيا، فقالوا: يقتلك رجل من العجم، فقام وخطب الناس، وقدَّم نفسه للمُحاسبة، وجِسْمَه للقصاص، ومالَه للمُصادرة، وأعلن في الناس: إنْ كان ضيع أحدًا أو ظلم أحدًا أو سفك دَمَ أحد، فهذا جسمي، فليقتص منه، فلما فعل ذلك، ارتجَّ المسجد بالبكاء، وأحسَّ المسلمون أنَّه يودعهم، ثُمَّ نزل من على المنبر، واستودع اللهَ الأُمَّة، وكانت هذه هي آخر جمعة يلتقي فيها أمير المؤمنين بأُمَّة محمد .

فبينما عمر يصلّي بالناس صلاةَ الفجر إذ طعنه أبو لؤلؤةَ المجوسي، وطعن معه ثلاثةَ عشر رجلا، فقال عمر: «قتلني الكلبُ»، وتناول عمر يدَ عبد الرحمن بن عوف فقدّمه ليتمّ الصلاة، وأهلُ المسجد لا يدرون ما يجرِي إلا من كان خلفَ عمر، غيرَ أنهم فقدوا صوتَ عمر وهم يقولون: سبحان الله! سبحان الله! فصلّى بهم عبد الرحمن صلاةً خفيفة، فلمّا انصـرفوا قال عمر: «يا ابن عباس، انظر من قتَلني»، فذهب ابن عباس ثم عاد فقال: قتلك غلامُ المغيرة، قال عمر: «قاتله الله، لقد أمرتُ به معروفا، الحمد لله الذي لم يجعل ميتَتي بِيَد رجُلٍ يدّعي الإسلام»، فاحتمل إلى بيته فانطلَقنا معه وكأن الناس لم تصِبهم مصيبة قبل يومئِذ، فقائل يقول: لا بأس، وقائل يقول: أخاف عليه، فأتي بنبيذ فشربه فخرج من جوفه، ثم أتي بلبن فشربه فخرج من جرحه، فعلموا أنه ميّت، فدخلنا عليه وجاء الناس يثنون عليه، وجاء رجل شابّ فقال: أبشر يا أمير المؤمنين ببشرى الله لك من صحبة رسول الله وقدمٍ في الإسلام ما قد علمت، ثمّ ولِّيتَ فعدَلت، ثم شهادة، قال عمر: «ودِدتُ أنّ ذلك كفاف، لا لي ولا عليّ»، فلما أدبر الشابّ إذا إزاره يمسّ الأرض، فقال عمر: «ردّوا عليّ الغلام، قال: ابن أخي، ارفع ثوبك، فإنه أبقى لثوبك وأتقى لربك».

ثم دعا ابنه عبد الله فأمره أن يقضيَ ما عليه من الديون، ثم أمره أن ينطلقَ إلى عائشة ليستأذنها في أن يدفَنَ مع صاحبَيه، فأذنت له وآثرته بالمكان على نفسها، فلمّا رجع عبد الله وأخبر عمر الخبر قال عمر: «إن أنا قضيتُ فاحملوني ثم سلّم فقل: يستأذنُ عمر بن الخطاب، فإن أذِنت فأدخلوني، وإن ردّتني ردّوني إلى مقابر المسلمين».

قال عثمان بن عفان: «أنا آخركم عهدا بعمَر، دخلتُ عليه ورأسُه في حجر ابنه عبد الله، فقال له: ضع خدي على الأرض، فقال عبد الله: فهل فخذي والأرض إلا سواء؟! فقال عمر: ضع خدّي بالأرض لا أمّ لك، وسمعتُه يقول: ويلي وويلَ أمّي إن لم تغفِر لي حتى فاضَت نفسه».

من بليغ مواعظه رضي الله عنه قوله: «إن في العزلة راحلة من أخلاط السوء، أو قال من أخلاق السوء».

وقال رضي الله عنه: «لا خير في قوم ليسوا بناصحين، ولا خير في قوم لا يحبون الناصحين».

وكان يقول: «كلّ يوم يقال: مات فلان وفلان، ولا بد من يوم يقال فيه: مات عمر».

وقال له رجل: إن فلانًا رجل صدق. فقال له: «هل سافرت معه؟» قال: لا. قال: «فهل كانت بينك وبينه معاملة بالدينار والدرهم؟» قال: لا. قال: «فهل ائتمنته على شيء؟» قال: لا. قال:« فأنت الذي لا علم لك به، أراك رأيته يرفع رأسه ويخفضه في المسجد».

وكان يقول: «لا تنظروا إلى صيام أحد ولا صلاته، ولكن انظروا إلى صدق حديثه إذا حدث، وأمانته إذا ائتمن، وورعه إذا أشفَى، أي: قدر على ما تشتهيه نفسه من الحرام».

وهو القائل لأبي عبيدة حينما استقبله مع الناس في الشام، فرآه يخوض في الماء والطين حافيًا، وهو يقود بغلته، وغلامه راكب، فقال أبو عبيده: «يا أمير المؤمنين، ما يسـرني أن أهل البلد استشرفوك. فقال عمر: لو قالها غيرك يا أبا عبيدة! إنا كنا أذل قوم، فأعزنا الله بالإسلام، فمهما ابتغينا العزة بغيره أذلنا الله».

هذا هو عمر الذي عجَزت نساء الدنيا أن يلدنَ مثله، وقصـرت أرحامهن أن تخرج للأرض رجلا على شاكلته، يلبس رداءه المرقع، ويتوسد حذاءه، ويضطجع تحت ظل شجرة، وبطنه يقرقر من الجوع، وهو رجل زلزل عروش الأباطرة، من الأكاسرة والقياصرة..

يا من يرى عمرًا تكسوه بُردته

والزيت أُدمٌ له والكوخ مأواهُ

يهتز كسـرى على كرسيه فرَقًا

من خوفه وملوك الروم تخشاه

ما بلغ عمر وأصحابُه ما بلغوا إلاّ بهذا الدين الذي أعزّهم الله به، حين تأدبوا بآدابه، وصدقوا مع ربهم في تربية أنفسهم، ومخالفة أهوائهم، وكبح جماح شهواتهم، فكانوا هم الرجال حقًا، ومن أراد أن يدرك الركبَ فليأخذ بما أخذوا، وليلتَزم ما التزموا، ومن يفعَل ذلك فقد هدِي إلى صراط مستقيم.

فتشبّهوا إن لم تكونوا مثلهم

إنّ التشبّهَ بالكرام فلاح

صاحب هذه الخطبة

الشيخ /سمير بن عبد الرحمن عبدات

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة