الحمد لله الذي أراد فقدر، وملك فقهر، وخلق فأمر، عُبد فأثاب وشكر، وعُصـي فأمهل وغفر، جعل مصير الكافرين إلى سقر، والمتقين في جنات ونهر، في مقعد صدق عند مليك مقتدر..
أحمده سبحانه وأشكره على سابغ نواله، وجميل أفضاله، فله الحكمة البالغة، والنعمة السابغة، والآلاء المتتابعة، وأشهد أن لا إله إلا هو وحده لا شريك له، إلهًا واحدًا أحدًا، لم يتخذ صاحبةً ولا ولدًا، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وصفيه وخليله، بعثه ربه حين لا عَلَمٌ للباطل دافع، ولا منارٌ للحق ساطع، فبلغ ونصح، ودعا للتوحيد فأفصح، صلى الله عليه وسلم تسليمًا كثيرًا.
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ﴾ [آل عمران:102].
﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا ﴾ [النساء:1].
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا ﴿ ٧٠ ﴾ يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا ﴾ [الأحزاب:70-71].
أما بعد:
عباد الله: إن أوجب الواجبات على العبد معرفة توحيد الله عز وجل ومعرفة ما يضاده من الشرك، ذاك أن التوحيد هو القاعدة والأصل والأساس لدين الإسلام الذي لا يقبل الله عملًا إلا به، ويغفر لمن أتى به إن شاء، ولا يغفر لمن ناقض التوحيد، ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ ﴾ [النساء:48].
ولهذا لما اشتملت كلمة الإخلاص على إقرار التوحيد ونفي الشرك كانت أفضل الكلام وأعظمه، من قالها مستيقنًا بها كان أسعد الناس بشفاعة النبي ﷺ، كما جاء عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ أَنَّهُ قَالَ: قلتُ يَا رَسُولَ اللهِ! مَنْ أَسْعَدُ النَّاسِ بِشَفَاعَتِكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «لَقَدْ ظَنَنْتُ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ أَنْ لاَ يَسْأَلَنِي عَنْ هَذَا الْـحَدِيثِ أَحَدٌ أَوَّلُ مِنْكَ، لِمَا رَأَيْتُ مِنْ حِرْصِكَ عَلَى الْـحَدِيثِ، أَسْعَدُ النَّاسِ بِشَفَاعَتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَنْ قَالَ: لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ، خَالِصًا مِنْ قَلْبِهِ أَوْ نَفْسِهِ»[1]. ومن كانت آخر كلامه من الدنيا دخل الجنة، قال ﷺ: «من كان آخر كلامه من الدنيا لا إله إلا الله دخل الجنة»[2].
فلا يستقيم الأمر إلا بالتوحيد، ولا يستقيم التوحيد إلا بمعرفة الشـرك ثم الحذر منه، وهذا القرآن كله آمر بالتوحيد ومحذر من الشرك، ﴿ قُلْ هَٰذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ ۚ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي ۖ وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ ﴾ [يوسف:108]. معرفة التوحيد والتمسك به ومعرفة الشرك والحذر منه مصلحتها راجعة إلى العبد لا إلى غيره، هو المنتفع بالتوحيد كما أنه المتضرر بالشرك، ﴿ إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ ﴾ [إبراهيم:8]، ﴿ إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ ۖ وَلَا يَرْضَىٰ لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ ۖ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ ﴾ [الزمر:7].
لا نجاة أيها الناس ولا فوز إلا بالتمسك بسبيل الله تعالى، ﴿ وَأَنَّ هَٰذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ ۖ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ﴾ [الأنعام:153].
عباد الله: لم يأت نبي من الأنبياء إلا وأمر قومه بإخلاص التوحيد لله ونهاهم عن أن يشركوا معه غيره، ﴿ وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ ﴾ [النحل:36]، ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ ﴾ [الأنبياء:25]، ولقد كتب الله على من خالف هذا النهج وأشرك معه غيره أن كانت عقوبته أفظع عقوبةٍ وأعظمها، ﴿ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ ۖ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ ﴾ [المائدة:72].
عباد الله: هذا إمام الحنفاء إبراهيم عليه السلام الذي ضحَّى بحياته من أجل إقامة التوحيد وقضى عمره في دعوة الناس إلى الملة الحنيفية السمحة، خليل الرحمن الذي كان أمةً وحده، كما قال الله عنه: ﴿ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ﴾ [النحل:120] ها هو يخاف الشرك على نفسه وعلى ذريته، فيسأل ربه قائلًا: ﴿ رَبِّ اجْعَلْ هَٰذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ ﴾ [إبراهيم:35].
إن أعظم الناس منزلة وأعلاهم درجة عند الله هم أنبياء الله ورسله؛ ولهذا اختارهم لحمل أفضل أمر في هذا الكون وهو الدعوة إلى الله، غير أن أعمالهم لا تنفعهم شيئًا إذا أخلّوا بجناب التوحيد، ﴿ وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ ﴾ [الزمر:65].
ولقد اقتضت حكمة الله أن الأرض لا تخلو أبدًا من موحّدٍ إلى أن تقوم الساعة، «لا تزالُ طائفةٌ من أمَّتي علَى الحقِّ ظاهرينَ لا يضرُّهم من خذلُهم حتَّى يأتيَ أمرُ اللهِ»[3]، فإذا خلت الأرض من موحدين آن للوضع حينئذٍ أن يتغير وللساعة أن تقوم، يقول الرسول ﷺ: «لا تقومُ السَّاعةُ حتَّى لا يقالَ في الأرضِ: اللهُ، اللهُ»[4].
أيها الناس: أرأيتم هذه السماوات كيف قامت بدون عماد؟ أرأيتم هذه الأرض كيف بُسطت ورسَت بهذه الأوتاد؟ أرأيتم هذه الجبال ورسوخها وعظمتها ما مالت ولا سقطت منذ أن خلقها الله، كل هذه المخلوقات العظيمة يكاد يختلّ نظامها، وتهتز أركانها، ويتزلزل بنيانها؛ من الإشراك بالله تعالى، واقرؤوا إن شئتم قول الله سبحانه وتأملوه: ﴿ تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا ﴾ [مريم:90]، أمور فظيعة تقع، ما سببها؟ ﴿ أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَٰنِ وَلَدًا ﴿ ٩١ ﴾ وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَٰنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا ﴾ [مريم:91-92]، حين وُصِف الله عز وجل بالحاجة إلى الولد، وهل يحتاج إلى الولد إلا الضعيف؟!
أنى يستقيم نظام الكون إلا بإله واحد؟ ﴿ أَمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِنَ الْأَرْضِ هُمْ يُنْشِرُونَ ﴿ ٢١ ﴾ لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا ﴾ [الأنبياء:21-22]. ﴿ إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا ۚ وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ ۚ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا ﴾ [فاطر:41]..
عباد الله: لما كان الأمر بهذا الصورة جاء الإسلام مانعًا من كل ما يكون سببًا للإشراك بالله، لا نتوكل إلا على الله، لا نذبح إلا له، لا ننذر إلا له، لا ندعو إلا إياه، لا نطلب العون إلا منه، من حلف بغير الله فقد أشرك، ولذا لما سمع الرسول ﷺ رجلًا يحلف بأبيه قال ﷺ: «إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم، من كان حالفًا فليحلف بالله أو ليصمت»[5]. وروى الترمذي وأبو داود والحاكم وصححه: «من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك»[6].
فاتقوا الله عباد الله وأطيعوه، وراقبوه في كل ما تأتون وما تذرون.
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم من كل ذنب فاستغفروه، إن ربي غفور رحيم.
الحمد الله الذي وعد الموحّدين بالجنة، وتوعّد المشركين بالنار، أحمده سبحانه لا إله غيره ولا رب سواه، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، حمى جناب التوحيد عن كل ما يخل به ويشينه، صلى الله عليه وعلى آله وصحابته وسلم تسليمًا كثيرًا، أما بعد:
يا أيها الناس: إن شر البلية ضلال بعد هدى، وعمًى بعد بصيرة، وغيّ بعد رشد، ولقد خلق الله الخلق يميلون بفطرهم إلى التوحيد دين الفطرة، فانحازت الشياطين بفريقٍ منهم وحوّلوهم عن السداد، وانحرفوا بهم عن طريق الرشاد، يقول الله سبحانه في الحديث القدسي: «خلقت عبادي حنفاء، فاجتالتهم الشياطين»[7].
وإن من الباطل الذي زينته الشياطين وأوقعوا فيه ذوي العقول الضعيفة من الإنس الغلوَّ في الصالحين والأولياء في قالب محبتهم والسير على منهاجهم أو التبرك بآثارهم.
عباد الله: إن للشيطان خطوات، وإن الشـرك لا يقع في الأرض جملةً واحدةً، بل تقع ذرائعه إليه أولًا، ويستسهل الجهال الوسائل الموصلة إليه فيزينها الشيطان على صورة قُربات إلى الله، وهكذا حتى يسقط الناس في وحل الشرك وهم لا يشعرون، وانظروا إلى قوم نوح، حين جاء يدعوهم إلى عبادة الله وترك ما يعبدونه من الأصنام: ﴿ وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا ﴾ [نوح:23] قال ابن عباس رضي الله عنهما: «هذه أسماء رجالٍ صالحين من قوم نوح، فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم أن انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون فيها أنصابًا وسمُّوها بأسمائهم، ففعلوا، ولم تُعبَد، حتى إذا هلك أولئك ونُسي العلمُ عُبدَتْ»[8].
قال القرطبي رحمه الله: (وإنما صور أوائلهم الصور ليستأنسوا بهم ويتذكروا أفعالهم الصالحة فيجتهدوا كاجتهادهم، ثم خلفهم قوم جهلوا مرادهم فوسوس لهم الشيطان أن أسلافهم كانوا يعبدون هذه الصور ويعظمونها)[9].
عباد الله: لقد حذّر النبيّ ﷺ قبل موتِه من أمورٍ هي ذريعة للشرك ووسيلة إليه؛ خشية أن تقع في أمته، كالغلو فيه فضلًا عن غيره من الصالحين، فقد روى ابن عمر رضي الله عنهما أن النبيّ ﷺ قال: «لا تطروني كما أطرت النصارى المسيح ابن مريم، إنما أنا عبد، فقولوا: عبد الله ورسوله»[10].
كما حذر لما نزل برسول الله ﷺ المرض جعل يطرح خميصةً على وجهه ويقول: «لعنة الله على اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد، فإني أنهاكم عن ذلك»[11]، بل لقد حذر النبي ﷺ من الغلو بجميع أنواعه فقال: «إياكم والغلو، فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو»[12].
وإن من ذرائع الشرك والوسائل المفضية إليه: ما يقع من مخالفات بعض الجهال في السعي لحل المشكلات والتداوي من الأمراض، بوسائل غير صحيحة شرعًا ولا عقلًا؛ كل ذلك سعيًا للدواء وطمعًا في الشفاء، كتعليق التمائم والحروز، والذهاب إلى العرافين والسحرة والمشعوذين.
عباد الله: ما من أحد إلا وهو عرضة للبلاء والمرض، وقد نُهينا عن فعل ما يضر ولا ينفع، فقد روى الحاكم وابن حبان عن عقبة بن عامر الجهني أن رسول الله ﷺ أقبل إليه رهط، فبايع تسعة وأمسك عن واحد، فقالوا: يا رسول الله، بايعتَ تسعة وتركتَ هذا! قال: «إن عليه تميمة»، فأدخل يده فقطعها، فبايعه ﷺ، ثم قال ﷺ: «من علق تميمة فقد أشرك»[13].
فأي فائدة تحصل من خيوط تربط أو خرزٍ يجمع أو حلقة توضع في اليد أو الرجل أو حجب أو حروفٍ مقطعة؟! وهل أحدٌ يشفي سوى الله؟ كلا؛ كما قال إمام الحنفاء وأبو الأنبياء: ﴿ وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ ﴾ [الشعراء:80]. إنما ذلك شرك وضلال ناشئ عن فساد في الفطرة والعقول.
عباد الله: لقد جُبِل الإنسان على الذهاب إلى أصحاب العلاج والأطباء، غير أن الدواء من الطبيب والشفاء من القريب المجيب سبحانه، فينبغي أن يكون التوكل واعتماد القلب على الله لا على الوسيلة المتمثلة في الطبيب أو الدواء.
ومن صور الشرك ووسائله إتيان الكهنة والعرافين وسؤالهم عن أمور الغيب، والغيب لا يعلمه إلا الله، قال ﷺ: «من أتى عرافًا فسأله عن شيء فصدقه بما يقول لم تقبل له صلاة أربعين يومًا»[14]، وقال صلوات ربي وسلامه عليه: «من أتى كاهنًا أو عرّافًا فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمدٍ»[15].
ويا لله كم نُكب التوحيد من عرَّاف شاع أمره بين الناس، وكم من الناس اليوم يترددون على السحرة والعرافين، ويسألونهم عن ما لا يعلمون، ويطلبون منهم ما لا يملكون، ويلجؤون إليهم فيما ليس يقدرون، ولما ناظر بعض أهل العلم عرافًا من العرافين، فقال له العالم: إني أريد أن أسألك سؤالًا، فقال العراف: ما هو؟ فقال العالم: واعجبًا إنك كنت عرافًا تعلم الغيب، فكيف لم تدر ما هو السؤال قبل أن اسألك إياه؟! ﴿ قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ ۚ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ ﴾ [النمل:65].
ومن ذلك: التشاؤم بالأيام والشهور أو التشاؤم من المرضى أو الطيور، وفي الصحيحين قال عليه الصلاة والسلام: «لا عدوى ولا طيرة ولا هامة ولا صفر»[16]، وفي مسند الإمام أحمد: «من رَدَّتْهُ الطيرة عن حاجته فقد أشرك»[17]، إلى غير ذلك من أمور هي عند بعض الناس صغيرة، ولكنها عند الله كبيرة.
يقول عمر بن الخطاب رضي الله عنه: «إنما تُنقض عُرى الإسلام عروةً عروةً، إذا نشأ في الإسلام من لا يعرف الجاهلية»[18]، ويقول حذيفة رضي الله عنه: «كان الناس يسألون رسول الله ﷺ عن الخير، وكنت أسأله عن الشر مخالفة أن يدركني»[19].
ومن هنا كان لا بد من معرفة خطورة الشرك، كما قال الشاعر:
| عرفتُ الشـرَّ لا للشـرِّ لكن لتوَقِّيْهِ |
| ومن لا يعرفُ الشـرَّ من الخيرِ يقعْ فيهِ |
فاتقوا الله عباد الله: وأخلصوا له العبادة، واجتنبوا كل وسيلة قد تقدح في إيمانكم وتوحيدكم، وتُفضي إلى الإشراك بالله، واعلموا أن وراءكم جنةً ونارًا، وأن أفضل الأعمال الموصلة إلى الجنة توحيد الله، وأن أشنع الأعمال الموصلة إلى النار الإشراك بالله، يقول الرسول ﷺ: «من لقي الله لا يشرك به شيئًا دخل الجنة، ومن لقي الله يشرك به شيئًا دخل النار»[20].
هذا وصلوا وسلّموا على نبي الهدى، وإمام الورى، محمدٍ ﷺ...
صاحب هذه الخطبة
الشيخ / عبد الرحمن بن علي العسكر