حجم الخط:

قرآن الفجر (صلاة الفجر أهميتها وفضلها)

الخطبة الأولى:

الحمد لله الذي جعل الصلاة عماد الدين، وعصام اليقين، وخيرة القربات وغُرّة الطاعات، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له رب الأرض والسموات، وأشهد أن سيدنا محمدًا عبد الله ورسوله أفضل البريات، وخاتم الرسالات، القائل: «وجُعلت قرة عيني في الصلاة»[1]، اللهم صلِّ وسلم وبارك على الرحمة المهداة، والنعمة المسداة، نبينا محمد بن عبد الله، وعلى آله وأصحابه، وأزواجه ومن اهتدى بهداه؛ أما بعد:

فيا عباد الله اتقوا الله كما أمركم في محكم كتابه: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102].

أيها الأحبة: لقد جعل الله الليل والنهار خلفةً لمن أراد أن يتذكر أو أراد شكورًا، وإن بعد ظلام الليل الحالك يتنفس الصبح بضيائه، ويشهد الكون في تلك اللحظات المهيبة صراع النور والظلمة واعتراك الليل والنهار، ويبصر ميلاد يوم جديد، ويُقبل الفجر في زُهُوّه وبهائه يتهادى اختيالًا، مِلءَ عينيه أسرار وأخبار، ومواقيت وأقدار، وفي هذا الوقت البديع المبارك يدوّي في سماء الكون النداء الخالد، نداء الأذان لصلاةٍ سُنّتها خير من الدنيا وما فيها، فكيف بفريضتها!

إنها صلاة الفجر، فتهتف الأرض كلها: الله أكبر الله أكبر.. الصلاة خير من النوم. وتكون صلاة الفجر فاتحة يوم مبارك في حياة المسلم، لكأنما يعلّم الإسلام أهله أن يباركوا ابتداء كل أمر بطاعة الله والإقبال عليه، والانقياد والإنابة إليه، وكأنما هي شكر لله على نعمة الإصباح بعد الإظلام حسًّا ومعنى، ويبدأ وقت صلاة الفجر من ظهور الفجر الصادق الذي هو عبارة عن بياض ممتد من الشمال إلى الجنوب إلى طلوع الشمس، والسنة فيها التعجيل، فيصليها بغَلَس قبل الإسفار.

والعجب أنك حين تقارن عدد المصلين في هذه الصلاة مع عددهم في بقية الصلوات ترى أمرًا عجبًا! هل لي أن أطالب نفسي وإياكم بأن يحصي كل فرد مقدار ما فاته من صلاته الفجر في جماعة منذ عام أو حتى شهر مثلًا؟! هل حاولت إحصاء ذلك؟! كيف ستكون النتيجة؟! أليست محزنة؟! جاء عن هُشيم وهو أحد أعلام السلف: أنه صلى الفجر بوضوء العشاء عشـرين سنة! فهل يسوغ لنا مثل هذا التفريط؟!

أيها المسلمون: لقد جعل الله هذه الصلاة العظيمة مشهودة تشهدها ملائكة الرحمن، وسماها: ﴿ قُرْآنَ الْفَجْرِ [الإسراء:78]، فقال سبحانه: ﴿ أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَىٰ غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ ۖ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا [الإسراء:78]، قال ابن كثير رحمه الله: (يعني صلاة الفجر).

وروى البخاري في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي ﷺ قال: «فضل صلاة الجميع على صلاة الواحد خمس وعشرون درجة، وتجتمع ملائكة الليل وملائكة النهار في صلاة الصبح»، يقول أبو هريرة رضي الله عنه: اقرؤوا إن شئتم: ﴿ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ ۖ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا [الإسراء:78][2].

وهكذا تكون صلاة الفجر مجتمعًا للملائكة ومحفلًا من محافل الخير الإلهي والعطاء الرباني، لا يحضره إلا كل طاهر مطهر من الأبرار، يستحق أن يكون في ضيافة الرحمن، وقد صح في الحديث عند أبي نعيم عن رجل من أصحاب النبي ﷺ اسمه ميثم أنه قال: «بلغني أن الملك يغدو برايته مع أول من يغدو إلى المسجد، فلا يزال بها معه حتى يرجع فيدخل بها منزله، وإن الشيطان ليغدو برايته إلى السوق مع أول من يغدو، فلا يزال بها معه حتى يرجع فيدخلها منزله»[3].

وليست هذه هي الفضيلة الوحيدة لصلاة الفجر، بل لقد تكاثرت النصوص بما لها من الفضائل، فهل تعلم أخي الكريم أن صلاة الفجر في جماعة تعدل قيام ليلة كاملة؟!

روى مسلم في صحيحه عن عثمان بن عفان قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من صلى العشاء في جماعة فكأنما قام نصف الليل، ومن صلّى الصبح في جماعة فكأنما صلّى الليل كله»[4]، وروى مالك بسند صحيح أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه فَقَدَ سليمان بن أبي حثْمة في صلاة الصبح، فمَرّ على الشِّفاء أم سليمان فقال لها: لم أرَ سليمان في الصبح! فقالت: إنه بات يصلي فغلبته عيناه، فقال عمر: «لأن أَشْهد صلاة الصبح في جماعة أحب إلي من أن أقوم ليلة!»[5].

وعن رجل من النخع قال: سمعت أبا الدرداء حين حضرته الوفاة قال: أحدّثكم حديثًا سمعته من رسول الله ﷺ، سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من استطاع منكم أن يشهد الصلاتين: العشاء والصبح ولو حبوًا فليفعل»[6].

وإذا كانت الصلاة نورًا، فإن أهل الفجر هم أصحاب النور التام يوم القيامة؛ فعن سهل بن سعد الساعدي قال: قال رسول الله ﷺ: «بشّر المشّائين في الظُلَم إلى المساجد بالنور التام يوم القيامة»[7].

هل تعلم أن هذه الصلاة أمان وحفظ من الله لك سائر اليوم؟! قال ﷺ: «من صلّى الصبح فهو في ذمة الله»[8]. قال النووي[9]: (الذِّمَّة هنا: الضمان، وقيل الأمان).

فأهل الفجر في ذمة الله تعالى وجواره، كما جاء في صحيح مسلم من حديث جُندَب بن عبد الله رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: «من صلّى الصبح فهو في ذمة الله، فلا يطلبنكم الله من ذمته بشيء، فإنه من يطلبه من ذمته بشيء يدركه، ثم يكبه على وجهه في نار جهنم»[10].

وما ظنكم بمن كان في جوار الله تعالى؟! وأنتم ترون الناس يطمئنون ويأمنون حين يكون أحدهم في جوار عظيم من عظماء الدنيا، وإن من كان في جوار الله فوالله لهو أشد أمانًا وأعظم اطمئنانًا.

قال الطيبي رحمه الله: (وإنما خص صلاة الصبح بالذكر؛ لما فيها من الكلفة والمشقة، وأداؤها مظنة خلوص الرجل، ومنه إيمانه؛ ومن كان مؤمنا خالصا فهو في ذمة الله تعالى وعهده)[11].

وفي المراد بالحديث قولان للعلماء:

الأول: أن يكون فيه نهي عن التعرض بالأذى لكل مسلم صلى صلاة الصبح، فإن من صلى صلاة الصبح فهو في أمان الله وضمانه، ولا يجوز لأحد أن يتعرض لِمَن أمَّنَه الله، ومن تعرض له فقد أخفر ذمة الله وأمانه، أي أبطلها وأزالها، فيستحق عقاب الله له على إخفار ذمته، والعدوان على من في جواره[12]. قال ابن عثيمين في[13]: (في هذا دليل على أنه يجب احترام المسلمين الذي صدَّقوا إسلامهم بصلاة الفجر؛ لأن صلاة الفجر لا يصليها إلا مؤمن، وأنه لا يجوز لأحد أن يعتدي عليهم).

ويدل لهذا المعنى ما جاء عن سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب أنه كان قاعدًا عند الحجاج، فقال له الحجاج: قم فاضرب عنق هذا، فأخذ سالم السيف، وأخذ الرجل، وتوجه باب القصر، فنظر إليه أبوه - عبد الله بن عمر - وهو يتوجه بالرجل، فقال: أتراه فاعلًا؟! فردَّه مرتين أو ثلاثًا، - وخشي ابن عمر أن ابنه سالمًا سيقتل الرجل - فلما خرج به سالم قال له: أصليت الغداة - أي: الفجر -؟ قال الرجل: نعم. قال: فخذ أي الطريق شئتَ، ثم جاء فطرح السيف، فقال له الحجاج: أضربتَ عنقه؟ قال: لا، قال: ولِمَ ذاك؟ قال: إني سمعت أبي هذا يقول: قال رسول الله ﷺ: «مَن صَلَّى الغَدَاةَ فَهُوَ فِي ذِمَّةِ اللهِ حَتَّى يُمسِيَ»[14].

والقول الثاني من أقوال أهل العلم: أن يكون المقصود من الحديث التحذير من ترك صلاة الصبح والتهاون بها، فإن في تركها نقضًا للعهد الذي بين العبد وربه، وهذا العهد هو الصلاة والمحافظة عليها.

قال البيضاوي: (ويحتمل أن المراد بالذمة الصلاة المقتضية للأمان، فالمعنى: لا تتركوا صلاة الصبح ولا تتهاونوا في شأنها، فينتقض العهد الذي بينكم وبين ربكم، فيطلبكم الله به، ومن طلبه الله للمؤاخذة بما فرط في حقه أدركه، ومن أدركه كبه على وجهه في النار)[15].

فيا عبد الله: أين أنت من هذه الفضائل العظيمة والتي واحدةٌ منها لكافية في أن تتنازل من أجلها عن لذيذ نومك وليّن فراشك وتقوم لتصلي مع المسلمين؟! فكيف إذَا سمعتَ فضائل أخرى؟!

هل تعلم أن صلاة الفجر هي ضمان للجنة؟! فقد قال ﷺ قال: «من صلّى البردين دخل الجنة»[16]، والبردان: هما الصبح والعصر. وهل يعمل العاملون ويتنافس المتنافسون في هذه الدنيا إلاّ من أجل الجنة؟! فأين هو في صلاة الفجر وعنده هذا الضمان من النبي ﷺ؟!

وهل تعلم أن صلاة الفجر حاجز عن النار؟! وماذا يريد كل مسلم سوى النجاة من النار؟! فقد جاء عنه ﷺ أنه قال: «لن يَلِج النار أحد صلّى قبل طلوع الشمس وقبل غروبها» يعني: الفجر والعصر[17].

إن أهل الفجر هم أهل الأمان في الدنيا ولهم وعد صادق بأن يروا ربهم عز وجل يوم القيامة؟!

ففي الصحيحين من حديث جرير بن عبد الله البجلي رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: «أما إنكم سترون ربكم كما ترون القمر لا تضامّون في رؤيته، فإن استطعتم أن لا تُغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها فافعلوا»، يعني: صلاة العصر والفجر، ثم قرأ: ﴿ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا [طه:130][18].

أسأل الله جل وتعالى بأسمائه الحسنى وصفاته العلا أن يعيننا على أنفسنا، وأن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، أقول ما قلت، فإن كان صوابًا فمن الله وحده، وإن كان غير ذلك فمن نفسي والشيطان، والله ورسوله منه بريئان، وأستغفر الله لي ولكم.

الخطبة الثانية:

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد:

أيها المسلمون: ولما كانت صلاة الفجر بهذه المنزلة العظيمة كان التفريط فيها جرمًا كبيرًا وغفلة عظيمة، قال ابن عمر رضي الله عنهما: «كنا إذا فقدنا الرجل في الفجر والعشاء أسأنا به الظنّ» أي: أن يكون من المنافقين الذين تثقل عليهم هذه الصلاة، وعن أبي بن كعب قال: صلى بنا رسول الله ﷺ يومًا الصبح فقال: «أشاهد فلان؟» قالوا: لا، قال: «أشاهد فلان؟» قالوا: لا، قال: «إن هاتين الصلاتين أثقل الصلوات على المنافقين، ولو تعلمون ما فيهما لأتيتموها ولو حَبْوًا على الركب»[19].

عباد الله: لقد تعلّقت قلوب السلف Ȋ بهذه الصلاة لما علموا من جليل فضلها وسوء عاقبة التخلّف عنها، فكانوا أحرص الناس عليها، حتى لقد قال عبد الله بن مسعود: «ولقد رأيتُنا وما يتخلف عنها إلا منافق معلوم النفاق، ولقد كان الرجل يُؤتى به يَتَهَادَى بين الرجلين حتى يُقام في الصف».

وكان علي بن أبي طالب رضي الله عنه يمر في الطريق مناديًا: «الصلاة، الصلاة»، يوقظ الناس لصلاة الفجر، وكان يفعل ذلك كل يوم. وحين اشتكى سعيد بن المسيب عينه قالوا له: لو خرجت إلى العقيق فنظرت إلى الخضرة لوجدت لذلك خفة، يرغّبونه في التنزه في ضواحي المدينة حيث الخضرة والجو الطليق، فقال لهم: (فكيف أصنع بشهود العَتَمَة والصبح؟!) أي: العشاء والفجر، فلم يُطِقْ ترك هاتين الصلاتين في جماعة. وتزوج الحارث بن حسان رضي الله عنه في ليلة من الليالي فحضر صلاة الفجر مع الجماعة، فقيل له: أتخرج وإنما بنيتَ بأهلك الليلة؟ فقال: (والله إن امرأةً تمنعني من صلاة الغداة في جمع -أي: جماعة- إنها لامرأة سوء!) وقام عبد الرحمن بن مهدي ليلة حتى جهد، فلما طلع الفجر رمى بنفسه على الفراش فنام عن صلاة الصبح حتى طلعت الشمس، فقال: (هذا مما جنى عليّ الفراش)، فجعل على نفسه أن لا يجعل بينه وبين الأرض شيئًا شهرين، ومكث تلك المدة ينام بلا فراش تأديبًا لنفسه!

ومكث الإمام مدين بن أحمد الحميري دهرًا إلى حين وفاته لا تفوته التكبيرة الأولى من صلاة الصبح، وكان يمكث في مصلاه وهو على طهارة إلى أن يركع الضحى، وربما جلس بعد ذلك. وبقي الشيخ الغرناطي نحوًا من عامين أو أزيد يخرج للصلوات الخمس يُهَادَى بين رجلين لشيء كان برجله، حتى كان بعض أصحابه يقول: الغرناطي حجة الله على من لم يحضر الجماعة.

(لقد كانوا يرون فَوْتَ صلاة الفجر في الجماعة غبنًا عظيمًا وخَطْبًا جَليلًا يستحق العزاء. فهذا حاتم الأصم يقول: فاتتني صلاة الجماعة، فعزّاني أبو إسحاق البخاري وحده، ولو مات لي ولد لعزّاني أكثر من عشرة آلاف؛ لأن مصيبة الدين أهون عند الناس من مصيبة الدنيا! هذا شيء يسير من أخبارهم).

فأين نحن أيها الأحبة من هذه الهمم، ومن هدي هؤلاء الرجال؟

أيها المسلمون: ولقد بلغ من منزلة صلاة الفجر أن خُصّت راتبتها القبلية دون سائر الرواتب بمحافظة النبي ﷺ وحرصه عليها حضرًا وسفرًا، مع أنه يقصر الصلاة المفروضة!

قال ابن القيم رحمه الله: (وكان رسول الله ﷺ في السفر يواظب على سنة الفجر والوتر أشد من جميع النوافل دون سائر السنن، ولم يُنقل عنه في السفر أنه صلى سنة راتبة غيرها)، وكان ابن تيمية رحمه الله يقول: (سنة الفجر تجري مجرى بداية العمل والوتر خاتمته). بل وصف النبي ﷺ راتبة الفجر بقوله: «ركعتا الفجر خير من الدنيا وما فيها»، وقال عن هاتين الركعتين الخفيفتين: «لهما أحب إلي من الدنيا جميعًا»[20]، قالت عائشة رضي الله عنها: «لم يكن النبي ﷺ على شيء من النوافل أشد تعاهدًا -أي: حرصًا وتفقُّدًا- منه على ركعتي الفجر»[21]. فإذا كانت هذه منزلة النافلة فكيف بالفريضة؟!

إن من حكمة الله تعالى أنه لم يجعل صلاة الفجر ثلاثًا كالمغرب أو أربعًا كباقي الصلوات، ولعل من اللطائف هنا: أنه ليس السر في كثرة ركعاتها بقدر ما يكون في الاستيقاظ لها ابتلاءً واختبارًا من الله لعباده، وهكذا في راتبتها، لم تكن أربعًا قبلها، أو أربعًا قبل وأربعًا بعد، بل هما ركعتان خفيفتان، يقرأ المصلي في الأولى الحمد والكافرون، وفي الثانية الحمد والإخلاص، لكنهما آكد السنن الرواتب، وخير من الدنيا جميعًا.

ومع هذا اليُسر في الكيفية والعظمة في مضاعفة الأجر؛ فقد كثر التخلفَ عن هذه الصلاة في المسجد مع الجماعة؛ فقط لأنها تأتي بعد نوم، وإنك لترى المسجد في الحي المزدحم يمتلئ في الصلوات كلها، حتى إذا جئت لصلاة الفجر ألفيتَه شبه خاوٍ ليس فيه إلا الصفوف القليلة! وهذه والله مصيبة وإن لم ندركها، وغبن وإن لم يشعر به الكثير إلا بعد أن يلقوا ربهم، إذ كيف يفوّت المسلم على نفسه هذا الخير العظيم ويهنأ بالنوم والنعاس؟! كيف يطيب له الفراش ليحرم نفسه بركات الفجر المتنزلة وخيراته المتواترة؟! بل كيف يرضى المسلم أن يتلاعب به الشيطان فيبول في أذنه؟! كما جاء عن عبد الله رضي الله عنه قال: ذُكِر عند النبي ﷺ رجل، فقيل: ما زال نائمًا حتى أصبح ما قام إلى الصلاة، فقال: «بال الشيطان في أذنه»[22]. قال الحافظ ابن حجر رحمه الله: (واختُلِف في بول الشيطان فقيل: هو على حقيقته، وقيل: هو كناية عن سد الشيطان أذن الذي ينام عن الصلاة حتى لا يسمع الذكر، وقيل: معناه أنه ملأ سمعه بالأباطيل، وقيل: هو كناية عن ازدراء الشيطان به، وقيل: معناه أن الشيطان استولى عليه واستخف به حتى اتخذه كالكنيف المعدّ للبول. وخُصّ البول لأنه أسهل مدخلًا في التجاويف وأسرع نفوذًا في العروق، فيورث الكسل في جميع الأعضاء). وهذه معانٍ كيفما قلّبتها وجدت بعضها شرًا من بعض.

فهل أدرك المتخلّف عن صلاة الفجر متعمّدًا أن فِعْلته من أكبر الكبائر وأشد الموبقات؟!

قال ابن حزم رحمه الله: (لا ذنب بعد الكفر أعظم من تأخير الصلاة حتى يخرج وقتها، ومن قتل امرئ مسلم بغير حق).

وهل علم هذا النائم الساهي عن صلاته بقول الله تعالى: ﴿ فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ ﴿٤﴾ الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ [الماعون:4- 5]؟! وهل نسي قوله تعالى: ﴿ فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ ۖ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا [مريم:59]؟! وإضاعتها تأخيرها عن وقتها.

أخي: يا من اعتدتَ النوم عن هذه الصلاة حتى استهنتَ بها وأهملتها، هل سمعت بذلك الحديث العظيم الرهيب الذي رواه البخاري في صحيحه عن سمرة بن جندب رضي الله عنه قال: كان رَسُول اللَّهِ ﷺ مما يكثر أن يقول لأصحابه: «هل رأى أحد منكم رؤيا» فيقص عليه من شاء اللَّه أن يقص، وإنه قال لنا ذات غداة: «إنه أتاني الليلة آتيان، وإنهما قالا لي: انطلق، وإني انطلقت معهما، وإنا أتينا على رجل مضطجع وإذا آخر قائم عليه بصخرة وإذا هو يهوي بالصخرة لرأسه فَيَثْلَغُ رأسه -أي: يشدخه ويشقه- فيتدهده الحجر ها هنا -أي: يتدحرج- فيتبع الحجر فيأخذه فلا يرجع إليه حتى يصح رأسه كما كان، ثم يعود عليه فيفعل به مثل ما فعل المرة الأولى!» قال: «قلت لهما: سبحان اللَّه! ما هذان؟ فقالا لي: انطلق انطلق... -ثم قال في آخر القصة: - فإني رأيت منذ الليلة عجبًا فما هذا الذي رأيت قالا لي: أما إنا سنخبرك: أما الرجل الأول الذي أتيت عليه يثلغ رأسه بالحجر فإنه الرجل يأخذ القرآن فيرفضه، وينام عن الصلاة المكتوبة»[23]. نسأل الله العافية.

فأين من يتعمد ضبط المنبه على وقت العمل في السابعة أو الثامنة، ولا يصلي الفجر إلا في هذا الوقت، وقد قال الشيخ العثيمين رحمه الله في هذا: (صلاته هذه غير مقبولة، ولا تبرأ بها ذمته، وسوف يُحاسَب عنها)، ولو كان العمل في الساعة الرابعة أو الخامسة فجرًا؛ لقام لها!

أيها الأخ الكريم: ما الذي غرَّك بربك وألهاك عن صلاة فجرك؟! أهو السهر أمام القنوات؟ أم هي الجلسات والسهرات؟ أم الانشغال والالتهاء بالمراسلات على النت والصفحات؟

ترى أي خير فاتك؟! وأي موت للقلب ابتليت به؟! فهل لك من عودة؟! وهل لك من رجوع؟!

ألا تستحق منك صلاة الفجر أن تبكّر بالنوم رهبةً ورغبةً لله؟ ألا تنام مبكرًا وتكون مأجورًا على نومك لأنك بكّرت به لأجل الله، كما قال معاذ: «إني لأحتسب نومتي كما أحتسب قومتي؟»

ألا تحب أن تكون من رجال الفجر؟! أولئك الرجال الذين ما إن سمعوا النداء يدوّي: (الله أكبر، الله أكبر، الصلاة خير من النوم)، هبّوا وفزعوا وإن طاب المنام، وتركوا الفرش وإن كانت وثيرة، مُلبّين النداء، لأن ذلك أحب إلى نفوسهم من التقلب على فُرشهم، فيخرج الواحد منهم إلى بيت من بيوت الله تعالى، على نور من الله، يرجو ثواب الله، ويخاف عقاب الله، وهو يردد: اللهم اجعل في قلبي نورًا، وفي لساني نورًا، واجعل في سمعي نورًا، واجعل في بصري نورًا، واجعل من خلفي نورًا، ومن أمامي نورًا، واجعل من فوقي نورًا. فما ظنكم بمن خرج لله في ذلك الوقت؟! لم تخرجه دنيا يصيبها، ولا أموال يكتسبها، أليس هو أقرب إلى السعادة، وأولى بمعية الله وكرمه وتوفيقه، وفضله وتيسيره، وعونه وتسديده؟! ماذا يقول ذلك الذي آثر فراشه معرضًا عن نداء ربه عز وجل؟! ماذا يقول وقد فوّت على نفسه ذلك الفضل العظيم؟! ويظل خلف سقط المتاع يلهث من صبحه إلى مسائه، ماذا يقول وهو يهدر الوقت الطويل في السهر الضائع وجلسات اللهو واللعب التي ليس وراءها طائل، ولا فيها نفع، بل فيها المضرة في الدين والدنيا؟!

فيا من فقدك مسجدك في صلاة الفجر، يا من تعوّدت النوم عن الصلاة، وجعلتَ النوم معجزة المعجزات، التي لا يمكن التغلب عليها والفكاك منها، إنما وقعت في ذلك القيد لأنك آثرتَ السهَر والسمر على القيام لصلاة الفجر.

أخي الحبيب: يكفي إلى هنا، اطوِ صفحة الماضي، وأقبل إلى ربك تائبًا مستغفرًا، مستعينًا مستهديًا، وافتح مع نفسك ومع ربك صفحةً بيضاء نقية، إن المسجد يفتح لك أبوابه، وداعي الرحمن يدعوك، فأقبل أيها الحبيب الموفق تكن من الفائزين.

ولعل أول خطوة في طريق العلاج هي أن تستشعر أهمية هذه الصلاة وأن تدرك قيمتها، فلو شعر الإنسان بذلك وأدرك أنه يفوته بفواتها خير كثير لربما تحركت همته وانبعثت عزيمته، كما تتحرك وتنبعث لكل أمر عزيز نفيس لديه.

وإن من أنفع ما يعينك عليها: أن تحافظ على أذكار النوم وتدعو الله في الوتر أن يوفّقك للقيام، مع الابتعاد عن المعاصي جملة وتفصيلًا، ولا سيما معاصي العين واللسان، ما استطعت إلى ذلك سبيلًا؛ فإن المعاصي تقيّد المرء عن الطاعة، وتحرمه لذتها وخفّتها وحلاوتها.

فاعزم من هذه الساعة أن تكون ضمن الركب المبارك لأهل الفجر، لتحظى بفضائلهم، ولتنجو من الوعيد الشديد للذين ينامون عن فرائض الله تعالى.

يقول تعالى مُثنيًا على أهل ذكره وشكره، ومنهم أهل الغداة والفجر: ﴿ وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ ۖ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا [الكهف:28]، وقال سبحانه: ﴿ أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَىٰ غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ ۖ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا [الإسراء:78]، وفي الصحيحين أن النبي ﷺ قال: «يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار، ويجتمعون في صلاة الصبح وصلاة العصـر، فيعرج الذين باتوا فيكم فيسألهم ربهم وهو أعلم بكم: كيف تركتم عبادي؟ فيقولون: أتيناهم وهم يصلون، وتركناهم وهم يصلون»[24].

نسأل الله أن يجعلنا من المداومين على صلاة الفجر، لينالوا بذلك عظيم الثواب والأجر..

هذا وصلّوا وسلّموا على من أُمرتم بالصلاة والسلام عليه، عملًا بقول من لم يزَل قائلًا عليمًا: ﴿ إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [الأحزاب:56].

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة