اللهم إنَّا نحمدُك ونستعينُك ونتوب إليك، ونثني عليك الخير كله، نحمدك اللهم كما ينبغي لجلال وجهك وعظيم سلطانك، لك الحمد كله، وإليك يرجع الأمر كله، لك الحمد حتى ترضى، ولك الحمد إذا رضيت، ولك الحمد بعد الرضا، لك الحمد كالذي نقول وخيرًا مما نقول، ولك الحمد كالذي تقول، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأنَّ محمدًا عبده ورسوله، أرسله رحمة للعالمين، وحجة على الهالكين، فصلى الله عليه وعلى آله الطيبين الطاهرين، وصحبه الغرِّ الميامين، والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين، وسلّم تسليمًا كثيرًا.
أما بعد:
فيا أيها الناس: اتقوا الله ربكم، فبتقواه سبحانه وتعالى تزكوا النفوس، وتصلح الأحوال، ﴿ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَىٰ ۚ وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ ﴾ [البقرة:197]، ﴿ اتَّقَىٰ ۗ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ ﴾ [البقرة:203].
روى البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه عن الرسول ﷺ: «أن رجلًا سأل بعض أهله سلف ألف دينار، قال: ائتني بالشهداء أُشهدهم قال: كفى بالله شهيدًا، قال: ائتني بكفيل قال: كفى بالله كفيلًا قال: صدقت، فدفعها إليه إلى أجل مسمى، فخرج في البحر فقضـى حاجته؛ ثم التمس مركبًا يقدم عليه للأجل الذي كان أجله، فلم يجد مركبًا، فأخذ خشبة فنقرها وأدخل فيها ألف دينار وصحيفة معها إلى صاحبها، ثم زجَّج موضعها، ثم أتى بها البحر، ثم قال: اللهم إنك قد علمت أني استلفت من فلان ألف دينار فسألني كفيلًا فقلت: كفى بالله كفيلًا؛ فرضي بك، وسألني شهيدًا فقلت: كفى بالله شهيدًا، فرضي بك، وإني قد جهدت أن أجد مركبًا أبعث إليه بالذي له فلم أجد مركبًا، وإني أستودعكها، فرمى بها في البحر حتى ولجت فيه، ثم انصرف ينظر، وهو في ذلك يطلب مركبًا، يخرج إلى بلده. فخرج الرجل الذي كان أسلفه ينظر لعل مركبًا يجيء بماله، فإذا بالخشبة التي فيها المال، فأخذها لأهله حطبًا، فلما كسرها وجد المال والصحيفة، ثم قدم الرجل الذي تسلف منه فأتاه بألف دينار، فقال: والله ما زلتُ جاهدًا في طلب مركبٍ لآتيك بمالك فما وجدت مركبًا، قبل الذي أتيت فيه. قال: هل كنتَ بعثت إليَّ بشيء؟ قال: أخبرك أني لم أجد مركبًا قبل الذي جئت فيه. قال: فإنَّ الله قد أدى عنك الذي بعثت به في الخشبة، فانصرِف بألفك راشدًا»[1].
أيها المسلمون:
أخرج الطبراني في الكبير وابن أبي الدنيا في قضاء الحوائج عن ابن عمر رضي الله عنهما، أن النبي ﷺ قال: «أحب الناس إلى الله أنفعهم، وأحب الأعمال إلى الله عز وجل سرور تدخله على مسلم، أو تكشف عنه كربة، أو تقضي عنه دينًا، أو تطرد عنه جوعًا، ولأن أمشي مع أخي المسلم في حاجة أحب إلي من أن أعتكف في المسجد شهرًا، ومن كف غضبه ستر الله عورته، ومن كظم غيظًا، ولو شاء أن يمضيه أمضاه، ملأ الله قلبه رضى يوم القيامة، ومن مشى مع أخيه المسلم في حاجته حتى يثبتها له، أثبت الله تعالى قدمه يوم تزل الأقدام، وإن سوء الخلق ليفسد العمل، كما يفسد الخل العسل»[2].
إن من محاسن شريعتنا الغرَّاء سعيُها للتعاون والتكافل من أجل تحقيق مصالح العباد في أمور المعاش والمعاد، وحرصُها على إقامة المجتمع الإسلامي الفريد المتماسك المتعاضد، في بُعدٍ عن الأنانية المقيتة، وحبِّ الذات، وعدم الشعور والاهتمام بأحوال المسلمين وظروفهم.
ولذلك كله حرص الإسلام على إشاعة المحبة بين أفراد المجتمع، وتقوية الروابط والصلات والعلائق والمودات، ولا يكون ذلك إلاّ بالتعاون والتعاضد بين أفراد المجتمع.
إن الإنسان في هذه الحياة معرض للابتلاء والامتحان، ومعرّض لمحن الدنيا ونائبات الدهر، فقد تظهر له حاجة، أو تُلّمُ به فاقةٌ لا يجدُ ما يسدها ولا ما يقضيها به، مّما قد يوقعه في الحرج والضيق.
وبهذا -عباد الله- تبرزُ مكانةٌ القرض في الشريعة، فحين يحتاجُ أحد لمبلغ من المال؛ من أجل حاجةٍ أو فاقةٍ أو جائحةٍ فإنّ الشريعة تتيح له الاقتراض من أخيه لسدِّ حاجته، وإغناء فاقته، وتفريج كربته.
وقد كان رسول الله ﷺ يستقرض من أصحابه ╚ عند حاجته، وكان أحسن الناس قضاءً، قال عبد الله بن أبي ربيعة المخزومي رضي الله عنه: استقرض منيّ رسول الله ﷺ أربعين ألفًا، فجاء مالٌ فدفعه إليَّ، وقال: «إنّما جزاء السلف الحمدُ والأداء»[3].
كما ندب الإسلام إلى مساعدة المسلم عند حاجته، وأمرَ بإعانته وتفريج كربته؛ فقد روى الإمام مسلم في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «مَن نفَّسَ عن مُسلمٍ كُربةً من كرَبِ الدُّنيا، نفَّسَ اللهُ عنهُ كُربةً من كُرَبِ يومِ القيامةِ، ومَن سترَ مسلِمًا سترَهُ اللهُ في الدُّنيا والآخرةِ، ومَن يسَّرَ على مُعسرٍ يسَّـرَ اللهُ عليهِ في الدُّنيا والآخرةِ، واللهُ في عونِ العبدِ ما كانَ العبدُ في عونِ أخيهِ»[4].
ولقد تواترت نصوص الكتاب والسنة وإجماع الأمة سلفًا وخلفًا على فضل القرض وثوابه، بل إنَّ القرضَ في الشريعة الإسلامية من أبرز مبادئها، وأظهر معالمها الدالة على سعيها للتيسير والتسهيل على المسلمين. يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿ مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً ۚ وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴾ [البقرة:245].
وقد ذكر الله هذه الآية في كتابه مرارًا مبينًا فضل القرض وثوابه، وأنه سبحانه متكفلٌ بالأجر العظيم، والثواب الكبير لمن أقرض مسلمًا، ونفس عنه كربته، فكأنه إنما يقرض الله سبحانه وتعالى.
قال أبو الدرداء رضي الله عنه «لأن أقرضَ مسلمًا دينارين ثم يردان ثم أقرضهما أحبُّ إليّ من أتصدق بهما». وما ذاك إلاّ لما في القرض من تفريج كُربِ المسلمين، وقضاء حوائجهم، والعون لهم على البعد عن الحرام. وروى النسائي وابن ماجة من حديث ابن مسعود رضي الله عنه أنه ﷺ قال: «ما من مسلم يقرض مسلمًا قرضًا مرتين إلا كان كصدقة مرة»[5].
وإن من أفضل الطاعات وأجلّ القربات إمهال المدين وإنظار المُعسِر، فقد أمر الله تعالى بإنظار المعسر حيث لم يجد وفاء فقال: ﴿ وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَىٰ مَيْسَرَةٍ ﴾ [البقرة:280]. ثم ندب إلى الوضع عنه والتصدق عليه به أو ببعضه فقال: ﴿ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ ۖ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ [البقرة:280].
وروى مسلم (3014) عن أبي الْيَسَرِ رضي الله عنه عن رَسُول اللَّهِ ﷺ قال: «مَنْ أَنْظَرَ مُعْسِـرًا أَوْ وَضَعَ عَنْهُ أَظَلَّهُ الله فِي ظِلِّهِ».
وأخبر النبي ﷺ أن من أنظر معسرا كان له بكل يوم مثل قرضه صدقة قبل أن يحل ميعاد الدين، وله مثل ضعفَي قرضه صدقة بعد حلول الدين عن كل يوم من أيام التأجيل والتوسعة على المدين؛ وذلك ترغيبًا في إعانة المسلم وإنظار المعسر لئلا يلجئه إلى التعامل بالربا المحرم الذي يوبق عليه كسبه ويؤذنه بحرب من الله ورسوله، أو يضيق عليه أمره، ويوقعه في الحرج.
روى الإمام أحمد (22537) عَنْ بُرَيْدَةَ رضي الله عنه قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «مَنْ أَنْظَرَ مُعْسِرًا فَلَهُ بِكُلِّ يَوْمٍ مِثْلِهِ صَدَقَةٌ» قَالَ ثُمَّ سَمِعْتُهُ يَقُولُ: «مَنْ أَنْظَرَ مُعْسِرًا فَلَهُ بِكُلِّ يَوْمٍ مِثْلَيْهِ صَدَقَةٌ» قُلْتُ: سَمِعْتُكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ تَقُولُ مَنْ أَنْظَرَ مُعْسِرًا فَلَهُ بِكُلِّ يَوْمٍ مِثْلِهِ صَدَقَةٌ، ثُمَّ سَمِعْتُكَ تَقُولُ مَنْ أَنْظَرَ مُعْسِرًا فَلَهُ بِكُلِّ يَوْمٍ مِثْلَيْهِ صَدَقَةٌ؟ قَالَ: «لَهُ بِكُلِّ يَوْمٍ صَدَقَةٌ قَبْلَ أَنْ يَحِلَّ الدَّيْنُ، فَإِذَا حَلَّ الدَّيْنُ فَأَنْظَرَهُ فَلَهُ بِكُلِّ يَوْمٍ مِثْلَيْهِ صَدَقَةٌ»[6].
وفي هذا من الشرع الحكيم ومن رحمة الله بعباده ما هو ظاهر بأدنى تأمل، ولو علم الميسورون والدائنون بما لهم من الأجر عند الله تعالى بالتعاون مع المعسرين؛ لأحسنوا إليهم بالإمهال لهم والتيسير عليهم.
أيها الناس:
ولقد وضعت الشريعة الإسلامية للقرض الحسن المشروع ضوابط شرعية تُحقِّقُ المقصود منه دون ضرر أو إضرار، وتُخرجه من الربا والشبهات المحرمة، ومن أهمّ هذه الضوابط:
أن يردَّ القرض كما هو دون زيادةٍ أو نقصان. وأن لا يكون القرض وسيلة وحيلة توّصله إلى المحاباة في بيع أو شراء أو نحوه. وأن لا يشترط المقرضُ شرطًا فيه ضررٌ على المقترض؛ كاشتراط الوفاء ببلدٍ معّين يكون في الوفاء فيه كُلفةٌ ومشقة على المقترض.
وذلك لما أخرجه الإمام البغويٌ من حديث العلاء بن مسلم أنّه ﷺ قال: «كلُّ قرضٍ جرَّ منفعةً فهو ربا»[7]. وهذا الحديث ضعّفَه جمهور المحدثين لكنَّ العمل عند أهل العلم بما دلَّ عليه، وله من الأحاديث والآثار ما يُعضِّدَه ويُقويّه، فقد جاء عن أُبيّ بن كعبٍ وابن مسعود وابن عباس -╚ أجمعين-: «أنّهم نُهُوا عن قرضٍ جرَّ منفعةً»[8].
ومثله ما رواه البخاري والبيهقي والطبراني من حديث أبي بُردةَ قال: «أتيتُ المدينة فلقيت عبد الله بن سلام فقال لي: ألا تجيءُ إلى البيت حتى أُطعمَك سويقًا وتمرًا؟!. فذهبنا، فأطعمنا سويقًا وتمرًا، ثم قال: إنّك بأرضٍ الربا فيها فاشٍ، فإن كان لك على رجلٍ دينٌ فأهدي إليك حبْلةً من عَلَفٍ أو شعيرٍ أو حبْلةً من تبن فلا تقبله؛ فإنَّ ذلك من الربا»[9].
وعند البيهقي وصححه الألباني من حديث الأثرم: أنّ رجلًا كان له على سمّاكٍ عشـرون درهمًا، فجعل يُهدي إليه السمكَ، ويُقوّمه حتى بلغ ثلاثةَ عشر درهمًا، فسأل ابن عباسٍ فقال: «أعطه سبعةَ دراهم».
فلا يجوز أيّها الإخوة الاقتراض بفائدة كما هو الحال في البنوك الربوية وغيرها؛ فإنّ ذلك ربًا محرم.
وأمّا ما رواه الإمام مسلم في صحيحه عن أبي رافع رضي الله عنه قال: «استسلف النبي ﷺ بكْرًا، فجاءته إبلُ الصدقةِ فامرني أن أقضي الرجلَ بكْرَه، فقلتُ: يا رسول الله إنيّ لم أجد في الإبل إلا جملًا رَبَاعيًّا، فقال: أعطه إيّاه، فإنّ من خير الناس أحسنهم قضاءً».
فإنّه محمولٌ على حُسن القضاء منه ﷺ، وردّه لجميل المقرض، واعترافه بفضله، وإحسانه إليه دون أن يكونَ هناكَ شرطٌ من المقرضِ أن يردَّ إليه زيادةً على قرضه. فأمّا إذا وجدَ الشرطُ بالزيادة عن الاقتراض؛ كأن يُقرضه ألفًا، ويشترطَ عليه أن يردَّ ألفين -مثلًا- فهذا هو الربا الذي لا يجوز.
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبد الله ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا.
أمّا بعد:
فيا أيَها الناس: اتقوا الله تعالى واشكره وأطيعوه وراقبوه، واعلموا أنّكم ملاقوه.
عباد الله: إن العَجَب أن بعض المدينين -للأسف- قد يستدين لغير حاجة ماسة، وتحمل الديون العظيمة، وذلك بسبب الإغراق في الكماليات، والبذخ في الحفلات والمناسبات والزواجات والملابس والجوالات والأثاث وغير ذلك! فيستدين البعض من أجل شراء حاجيات ليست ضرورية، بل ربما استدان البعض لأمر محرم وعبث وإسراف، ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرًا كثيرًا، ومن يُحرمها فقد حُرم خيرًا كثيرًا.
أيها المسلمون: وكما أمر الإسلام بالقرض وندب إليه أمر بالوفاء وحرص عليه؛ وفاءً لحقوق الناس، وشكرًا لجميلهم، وعرفانًا بفضلهم.
وقد بين رسول الله ﷺ وجوب أداء الدين، والنية الحسنة في قضائه، وبين أنّ مدار الأعمال على ذلك، وأنَّ من استدان الناس ناويًا الإيفاء لحقِّهم أعانه الله على قضاء دينه، فقد روى البخاري وغيره عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: «من أخذ أموال الناس يريد أداءها أدى الله عنه، ومن أخذها يريد إتلافها أتلفه الله تعالى»[10].
وعند ابن ماجة والحاكم بإسنادٍ حسن أنّه ﷺ قال: «إنَّ الله مع الدائن حتى يقضي دينه»[11].
ولكن ومع شديد الأسف لمّا ضَعُفَ إيمانُ كثير من الناس، ضيّعوا الأمانة وتساهلوا بالحقوق فلم يعودوا يهتمون بوفاء ديون الناس، وإعطائهم حقوقهم، بل يماطلون صاحب الحقّ حقه، حتى أحجم كثيرٌ من الناس عن القرض والتسليف خوفًا على أموالهم من الضياع؛ لضعف ذِمَمِ الناس؛ حيث يأتي الإنسان إلى أخيه فيشكو إليه الحاجة والفقر فيقرضه على أن يرد إليه حقه بعد شهر أو بعد سنةٍ أو نحو ذلك، فإذا استقرض منه مضت تلك المدة وتوالت الشهور وتتابعت السنون، وهو لا يزال يماطله في الوفاء بحقه، حتى لربما احتاج الدائن ووقع في الحرج الشديد ودخل في المتاهات التي ليس لها نهاية وهو يطالب بحقه فلا يجد وفاءً، فإذا بالجميل ينقلب على صاحبه همّا وندمًا، وبدل أنه أنقذ صاحبه ليكسب قلبه، إذا به يفقد نقوده ويفقد ود ووفاء صاحبه، بل إن البعض قد يماطل عمدًا مع قدرته على الوفاء، فإذا جدّ صاحب الحق في مطالبته جحد وأنكر وقابل الحسنة بالسيئة، وذلك كله لرقّة الدين، وضعف الإيمان، وغياب الأخلاق وضياع المروءة.
قال رسول الله ﷺ: «لَيُّ الواجد يُحلُّ عِرضَه وعقوبَتَه»[12]. والمراد بذلك: أنّ مطل الغنيِّ لحقوق الناس، يُحلُّ التظلم عليه بقوله مطلني حقي، ويُحلُّ حبسَه عقوبةً له على ذلك حتى يفي بالدَيْنِ لصاحبه.
ومثله ما ثبتَ في الصحيحين من قوله ﷺ: «مطلُ الغنيِّ ظلمٌ»[13].
إنّ الواجب على المسلم إذا اقترضَ من أخيه مبلغًا من المال، أو استلف منه شيئًا أن يردّه إليه شاكرًا لفضله، معترفًا بجميله، سائلًا له الأجر من الله تعالى، ولقد كان النبي ﷺ أحسن الناس قضاءً.
وقد ورد الترهيب والوعيد على عدم وفاء الحقوق والديون لأصحابها، فعن جابر رضي الله عنه قال: توفي رجلٌ منّا، فغسلناه، وحنّطناه، وكفّناه، ثم أتينا به رسول الله ﷺ؛ ليُصلي عليه، فخطا خُطىً، ثم قال: أعليه دين؟ قلنا: عليه ديناران، فانصـرف، فتحملّها أبو قادة. فأتيناه، فقال أبو قتادة: الديناران عليّ. فقال رسول الله ﷺ: «حقَّ الغريمُ، وبرئ منهما الميت؟. قال نعم!. فصلى عليه»[14].
في رواية الحاكم: أنّه ﷺ جعل إذا لقي أبا قتادة يقول: «ما صنعت الديناران، حتى كان آخرُ ذلك أن قال: قضيتُها يا رسول الله، قال: الآن بردت جلدته»[15]. وروى الشيخان عن أبي هريرة رضي الله عنه أنّه ﷺ كان يُؤتى بالرجل المُتوفى عليه الدين، فيسأل: «هل ترك لدينه من قضاء؟ فإن حُدِّثَ أنّه ترك وفاءً صلى عليه، وإلاّ قال: صلوا على صاحبكم»[16].
إن أمر الدين خطير أيها الإخوة، ويكفي في ذلك أن نعلم أن الشهيد يُغفر له كل ذنب إلا الدَّين؛ ذلك لأهمية حقوق العباد، وعظم شأنها عند الله تعالى.
عباد الله: ألا وإن من الحقوق الواجبة التي أكد الإسلام على الحرص عليها، وعلى عدم تأخيرها عند استحقاقها، أجرة العمال الضعفاء كالسائقين والخدم و عموم الأجراء، فعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي ﷺ قال: «قال الله عز وجل - ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة»، وذكر منهم: «رجل استأجر أجيرًا فاستوفى منه ولم يعطه أجره»[17].
وفي حديث ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي ﷺ قال: «أعطوا الأجير أجره قبل أن يجف عرقه»[18].
فاتقوا الله رحمكم الله، أدّوا الحقوق لأصحابها، وإيّاكم ومماطلة ذي الحقِّ حقّه، وحاسبوا أنفسكم قبل أن تُحاسبوا، وزنوا أعمالكم قبل أن توزنوا، وتزّينوا للعرض الأكبر على الله يومئذٍ تُعرضون لا تخفى منكم خافية، واحذروا دعوة المظلوم فإنّه ليس بينها وبين الله حجاب، واستغفروا الله وتوبوا إليه إنّه هو الغفور الرحيم.
ثم صلوا وسلموا رحمكم الله على محمد بن عبد الله عليه الصلاة والسلام...
صاحب هذه الخطبة
الشيخ /ناصر بن محمد الغامدي