حجم الخط:

الفراغ وفقه الترويح عن النفس

الخطبة الأولى:

الحمد لله المتوحد بالجلال بكمال الجمال تعظيمًا وتكبيرًا، المتفرد بتصـريف الأحوال على التفصيل والإجمال تقديرًا وتدبيرًا، المتعالي بعظمته ومجده الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرًا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وأصحابه الطيبين الطاهرين، وعن التابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:

فاتقوا اللهَ -معاشرَ المسلمين-، واعلموا أنّ أصدقَ الحديث كلام الله، وخيرَ الهدي هدي محمّد، وشرّ الأمور محدثاتها، وكلّ محدثة بدعة، وكلّ بدعةٍ ضلالة، وعليكم بجماعة المسلمين، فإنّ يدَ الله على الجماعة، ومن شذَّ عنهم فمات فميتتُه جاهليّة.

أيّها المسلمون: إنّ حياةَ النّاس بعامّة مليئة بالشّواغل والصّوارف المتضخِّمة، والتي تفتقر من حيث الممارساتُ المتنوِّعة إلى شيء من الفرز والتّرتيب لقائمة الأولويّات منها، مع عدمِ إغفال النّظر حول تقديم ما هو أنفع على ما هو نافع فحسب. ثمّ إنّ الضغوطَ النفسيّة والاجتماعيّة الكبيرة الناتجةَ عن هذا التضخّم ربّما ولَّدت شيئًا من النّهم واللّهث غير المعتاد تجاهَ البحثِ عمّا يبرِد غلّةَ هذه الرواسب المتراكمة ويطفئ أوارَها[1]. يقول تعالى: ﴿ لَا أُقْسِمُ بِهَٰذَا الْبَلَدِ ﴿ ١ وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَٰذَا الْبَلَدِ ﴿ ٢ وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ ﴿ ٣ لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ [البلد:1-4].

إنّ الحضارةَ العالميّة حينما توفِّر للإنسانِ بالتقدُّم العمليّ والجهد الصناعيّ قوّةَ الإنسان ونشاطَه، وتوفّر له مزيدًا من الوقت، ثمّ يكون في نفسِه وقلبه وروحِه ذلكم الفراغ، فهنا تحدُث المشكِلة ويكمُن الدّاء الذي يجعَل أوقاتَ الفراغ في المجتمعاتِ تعيش اتَّساعًا خطيرًا، حتّى صارت عبئًا ثقيلًا على حركتِها وأمنِها الفكريّ والذّاتيّ، ومَنفذًا لإهدارِ كثيرٍ مِن المجهودات والطّاقات المثمِرة.

إنّ غيابَ الضّبط والتّحليل والتّرشيد للظّاهرة الحضاريّة الجديدة المُنشِئةِ لأوقاتَ الفراغ ليمثِّل دليلا بارزًا على وجود شرخٍ في المشروع الحضاريّ والعولمَة الحرّة، غير بعيدٍ أن تؤتَى الأمّة المسلمة من قبله.

وإنّ عدمَ وعينا التامّ بخطورة هذا المسلك تجاهَ أوقات الفراغ وعدَم وعينا التامّ بالمادّة المناسبَة لشغل تلك الأوقات في استغلال العمليّات التنمويّة والفكريّة والاقتصاديّة البنَّاءة لجديرٌ بأن يقلِبَ صورتَه إلى مِعوَل هدم يضاف إلى غيره من المعاول، من حيثُ نشعر أو لا نشعر، والتي ما فتِئ الأجنبيّ عنّا يبثُّها ليلَ نهار، لنسفِ حضارة المسلمين على كافّة الأصعدة بلا استثناء، كيف لا؟! ورسول الله يقول: «نعمتان مغبونٌ فيهما كثيرٌ من الناس: الصحّة والفراغ»[2].

إنّ الإسلامَ دينٌ صالح للواقع والحياة، يعامِل الناسَ على أنّهم بشر، لهم أشواقهم القلبيّة وحظوظُهم النفسية، فهو لم يوجب عليهم أن يكونَ كلُّ كلامهم ذكرًا، وكلّ شرودهم فكرًا، وكلّ تأمّلاتهم عِبرة، وكلّ فراغِهم عبادة. كلاّ، ليس الأمر كذلك، وإنّما وسَّع الإسلام التّعاملَ مع كلّ ما تتطلَّبه الفطرة البشـريّة السّليمة من فرح وترح، وضحكٍ وبكاء، ولهو ومرَح، في حدود ما شرعه الله، محكومًا بآداب الإسلام وحدودِه.

عبادَ الله: إنّ قضيّةَ إشغال الفراغ باللّهو واللّعب والمرح والفرح لهيَ قضيّة لها صِبغة واقعيّة على مضمار الحياة اليوميّة، لا يمكن تجاهلُها لدى كثيرٍ من المجتمعات، بل قد يشتدُّ الأمر ويزداد عند وجودِ موجبات الفراغ كالعُطَل ونحوِها، حتّى أصبَحت عند البعضِ منهم مصنَّفةً ضمنَ البرامج المنظّمة في الحياة اليوميّة العامّة، وهي غالبًا ما تكون غوغائيّة تلقائيّة ارتجاليّة، ينقصها الهدفُ السّليم، ولا تحكمُها ضوابط زمانيّة ولا مكانيّة، فضلا عن الضّوابط الشرعية وما يحسُن من اللّهو وما يقبح.

التّرويح والتّرفيه عبادَ الله هو إدخال السّـرور على النفس، والتنفيس عنها، وتجديد نشاطِها، وزمُّها عن السّآمة والمَلل.

وواقعُ النبيّ إبَّانَ حياتِه يؤكِّد أحقِّية هذا الجانب في حياة الإنسان، يقول سماك بن حَرب: قلتُ لجابر بن سمرة: أكنتَ تجالس رسول الله؟ قال: «نعم، كان طويلَ الصّمت، وكان أصحابه يتناشَدون الشعرَ عنده، ويذكرون أشياء من أمر الجاهليّة، ويضحكون فيبتسمُ معهم إذا ضحكوا» [3].

وأخرج البخاريّ في الأدب المفرد عن أبي سلمة بن عبد الرحمن قال: (لم يكن أصحاب رسول الله منحرفين ولا متماوتِين، وكانوا يتناشدون الأشعارَ في مجالسهم ويذكرون أمرَ جاهليتهم، فإذا أريد أحدُهم على شيءٍ من دينه دارَت حماليق عينيه)[4][5].

وذكر ابن عبد البر رحمه الله عن أبي الدرداء أنّه قال: «إنّي لأستجمّ نفسي بالشيء من اللّهو غيرِ المحرّم، فيكون أقوى لها على الحقّ»[6].

وذكر ابن أبي نجيح عن أبيه قال: قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: «إنّي ليعجبُني أن يكونَ الرّجل في أهله مثلَ الصبيّ، فإذا بُغي منه حاجة وُجِد رجلا»[7].

يقول ابن الجوزيّ: (ولقد رأيت الإنسانَ قد حُمّل من التكاليف أمورًا صَعبة، ومِن أثقل ما حُمّل مداراةُ نفسِه وتكليفها الصبرَ عمَّا تحبّ وعلى ما تكرَه، فرأيتُ الصّوابَ قطعَ طريق الصّبر بالتسلية والتلطّف للنّفس). وبِمثل هذا تحدّث أبو الوفاء بن عقيل فقال: (العاقلُ إذا خلا بزوجاتِه وإمائه لاعبَ ومازح وهازل، يعطي للزوجة والنفسِ حقَّهما، وإن خلا بأطفاله خرجَ في صورة طفلٍ وهجَر الجدَّ في بعضِ الوقت).

هذه -عبادَ الله- بعضُ الشّذرات حولَ مفهوم اللّهو والتّسلية والترويح، يُؤكَّد من خلالِه أنّ الإسلام قد عُني بهذا الجانب حقَّ العناية، غيرَ أنّنا نودّ أن نبيّن هنا وجهَ الهوّة بَين مفهوم الإسلام للتّرويح والتّسلية وبين اللّهو والمرَح في عصرنا الحاضر، والذي هو بطبيعته يحتاج إلى دراساتٍ موسَّعة تقتنِص الهدف للوصول إلى طريقةٍ مثلى للإفادة منها في الإطار المشروع.

فينبغي دراسةُ الأنشطةِ الترويحيّة الإيجابيّة منها والسلبيّة، والربط بينها وبين الخلفيّة الشرعيّة والاجتماعيّة للطبقة الممارسة لهذا النشاط، ومدَى الإفادة مِن الترويح والإبداع في الوصول إلى ما يقرّب المصالحَ ولا يبعّدها، وما يُرضي الله ولا يسخطه، وتحليل الفِعل وردود الفِعل، بين معطيات المتطلّبات الشرعيّة والاجتماعيّة، وبين متطلّبات الرّغبات الشخصيّة المشبوهة، وأثرِ تلك المشاركاتِ في إذكاءِ الطاقات والكفاءات الإنتاجيّة العائدة للأسَر والمجتمعات بالنّفع في دينِهم ودنيَاهم.

إنّ علينا جميعًا كمسلمين أن نشدَّ عزائمَنا لصيانتها ما أمكنَ من أيِّ ضياع في مرحٍ أو لهو غير سليم، أو ممّا إثمه أكبرُ من نفعه، فلا ينبغي للمسلمين أن يطلِقوا لأنفسهم العِنانَ في التّرويح، بحيث يزاحِم آفاقَ العمل الجادّ واليقظة المستهدفة، ولا أن يشغلَ عن الواجبات أو تضيع بسبب الانغماس فيه الفرائضُ والحقوق، إذ ليست إباحة التّرويح وسطَ رُكام الجدّ إلا ضربًا من ضروب العَون وشحذِ الهمّة على تحمّل أعباء الحقّ، والصبر على تكاليفه، والإحساس بأنّ ما للجدّ أولى بالتّقديم ممّا للَّهو والتّرويح، وبهذا يُفهَم قول النبيّ لحنظلةَ بن عامر وقد شكا إليه تخلُّلَ بعض أوقاتِه بشـيءٍ من الملاطفة للصّبيان والنّساء، فقال له: «ولكن ساعة وساعة»[8].

أمّا أن يصبِحَ التّرويح للنفس طابعَ الحياة في الغدوِّ والآصال والخَلوة والجَلوة، وهمًّا أساسًا من هموم المجتمعات في الحياة، فهو خروجٌ به عن مقصده وطبيعته، واتّجاهٌ بالحياة إلى العبث والضّياع، وفي الحديث: «ولا تكثر الضحك؛ فإن كثرة الضحك تميت القلب»[9]، فنهى عن الإفراط في ذلك مع جواز الأصل.

فالإنسان الجادّ عليه أن يجعلَ من اللّهو والترويح له ولمن يعوله وقتًا ما، ويجعل للعمل والجدّ أوقاتًا، لا العكس، فاللهو والاستجمام والترويح وسيلة لا غاية، فهو كاستراحة المحارب، لا سيّما ونحن نعيش في عصرٍ استهوت معظم النّفوسِ فيه كلّ جديد وطريف، حتّى صارت أكثرَ انجذابًا إلى احتضان واعتناقِ ما هو وافد عليها في ميدان اللّهو والمرح، ولا غروَ في ذلك عبادَ الله، فإنّ الاسترخاءَ الفكريّ وهشاشةَ الضابط القيمِيّ لدى البعضِ منّا هما أنسبُ الأوقات لنفاذ الطرائف والبدائع إلى النفوس، وهنا تكمن الخطورة ويستفحِل الداء.

فاللهوُ المنفتِح -عبادَ الله- والذي لا يضبَط بالقيود الواعيّة، إنّه ولا شكّ يتهدَّد الأصالةَ الإسلاميّة، من خلال بعض المسابقات تُدعَى ثقافيّةً، والتي تقوم في الغالب على جمع للتضادِّ الفكريّ، أو تنميّة الصراع الثقافي، أو تصديع الثوابت العقائدية والقيم الأخلاقية والحدود الشرعية لدى المسلمين، من خلال وسائلَ للترويح والتسلية سواء عبر الملتقيات والأماكن التي لا تتقيد بقيود القيم ولا تُحَدّ بحدود الشرع، أو عبرَ القنوات المرئيّة التي تنتِج مفاهيمَ وطرائق مضلِّلة، عبرَ طرق جاذِبة في الثقافاتِ والشهوات، لاسترقاق الفِكر من خلالِ فنونٍ أو أساطيرَ أو عروض لما يفتِن أو للسِّحر والشعوذة وما شاكلها.

وما حال من يقَع في مثل هذا الترويح إلا كقول من يقول: (وداوني بالتي كانت هي الداءَ)[10].

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإيّاكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، قد قلت ما قلت، إن صوابا فمن الله، وإن خطأ فمن نفسـي والشيطان، وأستغفر الله إنه كان غفارًا.

الخطبة الثانية:

الحمد لله الواحدِ الأحَد، الفردِ الصمَد، الذي لم يلِد ولم يولد. وأشهَد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنّ محمّدًا عبده ورسوله، صلوات الله وسلامُه عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين.

أمّا بعد:

فإن من أعظم الدلائل على عظمة دين الإسلام أن تشريعاته قامت على جلب المصالح ودرء المفاسد؛ المبنية على رفع الحرج، ومراعاة التيسير، ومجافاة العنَت والتشديد؛ وهي بذلك تراعي الفطرة البشرية ومتطلباتها؛ فلم تكبتها أو تضيق عليها، وفي الوقت نفسه لم تطلق لها العنان، أو تترك لها الحبل على الغارب، وإنما حرصت على الموازنة بين الحقوق والواجبات، وما يباح وما يمنع، في مختلف جوانب الحياة البشرية.

وإن من أبرز ما تتصف به النفس البشرية أنها تصاب بالملل والفتور؛ فتحتاج إلى الترويح لتستعيد نشاطها، وتواصل سيرها بجد نحو البناء والتقدم.

ونظرًا لهذه الطبيعية البشرية نجد أن الإسلام شرع مبدأ الترويح عن النفس؛ تخفيفًا لما تتحمله من تكاليف ومشاق؛ فقد صحَّ أنّ النبيّ قال: «كلُّ شيءٍ ليس مِنْ ذِكرِ اللهِ لهوٌ ولَعِبٌ، إلَّا أنْ يكونَ أربعةً: ملاعَبَةُ الرجلِ امرأتَهُ، وتأديبُ الرجُلِ فرَسَهُ، ومشْـيُ الرجلِ بينَ الغَرَضَيْنِ، وتعليمُ الرجلِ السباحَةَ»[11].

يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله معلِّقًا على هذا الحديث: (والباطل مِن الأعمال هنا ما ليس فيه منفعة ولم يكن محرّمًا، فهذا يرخَّص فيه للنفوس التي لا تصبِر على ما ينفع، وهذا الحقّ في القَدر الذي يُحتاج إليه في الأوقات التي تقتضي ذلك، كالأعياد والأعراس وقدوم الغائِب ونحو ذلك) انتهى كلامه[12]، ويقول ابن العربي رحمه الله عن هذا الحديث: (ليس مرادُه بقوله: «باطل» أي: أنّه حرام، وإنّما يريد به أنه عارٍ من الثواب، وأنّه للدنيا محض، لا تعلّقَ له بالآخرة، والمباح منه باطل) انتهى كلامه[13].

هذا في اللهو المُباح عباد الله، وأمّا اللّهو المحرّم أو اللهو المباح الذي قد يفضـي إلى محرّم فاستمعوا يا رعاكم الله إلى كلام الإمام البخاريّ رحمه الله في صحيحه حيث يقول: (باب: كلّ لهوٍ باطل إذا أشغله عن طاعة الله)[14]، ويعلِّق الحافظ ابن حجر على هذا فيقول: (أي: كمَن التهى بشيء من الأشياء مطلقًا، سواء كان مأذونا في فعله أو منهيًّا عنه، كمن اشتغل بصلاة نافلة أو بتلاوة أو ذكر أو تفكّرٍ في معاني القرآن مثلا، حتّى خرج وقت الصلاة المفروضة عمدًا، فإنّه يدخل تحت هذا الضابط، وإذا كان هذا في الأشياء المرغَّب فيها المطلوب فعلها، فكيف حال ما دونها؟!)[15].

عباد الله: إن الترويح عن النفس أمر أباحته الشرائع؛ لكونه من متطلبات الفطرة البشرية؛ فقد أخبرنا الله سبحانه وتعالى عن إخوة يوسف حينما احتالوا لأخذ أخيهم يوسف عليه السلام مخاطبين أباهم بقولهم: ﴿ أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَدًا يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ [يوسف:12]؛ يقول الإمام الجصاص رحمه الله: (وفي الآية دلالة على أن اللعب الذي ذكروه كان مباحًا، لولا ذلك لأنكره يعقوب عليه السلام عليهم)[16].

وقال الطاهر ابن عاشور رحمه الله: (يقصد منه الاستجمام ودفع السآمة، وهو مباح في كافة الشرائع إذا لم يصر دأبًا)[17].

وقال أبو الليث السمرقندي رحمه الله: (وفيه دليل أن القوم إذا خرجوا من المِصْر، فلا بأس بالمطايبة والمزاح، في غير مأثم)[18]. ومن دلائل إباحة الترويح واللعب المباح، ما جاء في حديث عائشة رضي الله عنها في قصة لعب الحبشة في المسجد يوم العيد أن النبي قال: «لِتَعْلَمَ يَهُودُ أَنَّ في دِينِنَا فُسْحَةٌ، إِنِّي أُرْسِلْتُ بِحَنِيفِيَّةٍ سَمْحَةٍ»[19].

وعن عائشة رضي الله عنها قالت: «خَرَجْتُ مَعَ النَّبِيِّ فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ وَأَنَا جَارِيَةٌ لَمْ أَحْمِلِ اللَّحْمَ وَلَمْ أَبْدُنْ، فَقَالَ لِلنَّاسِ: تَقَدَّمُوا، فَتَقَدَّمُوا، ثُمَّ قَالَ لِي: تَعَالَيْ حَتَّى أُسَابِقَكِ؛ فَسَابَقْتُهُ فَسَبَقْتُهُ، فَسَكَتَ عَنِّي، حَتَّى إِذَا حَمَلْتُ اللَّحْمَ وَبَدُنْتُ وَنَسِيتُ، خَرَجْتُ مَعَهُ فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ، فَقَالَ لِلنَّاسِ: تَقَدَّمُوا، فَتَقَدَّمُوا، ثُمَّ قَالَ: تَعَالَيْ حَتَّى أُسَابِقَكِ فَسَابَقْتُهُ، فَسَبَقَنِي، فَجَعَلَ يَضْحَكُ، وَهُوَ يَقُولُ: هَذِهِ بِتِلْكَ»[20].

ومع هذه الفسحة في الترويح عن النفس، إلا أنه ينبغي للمسلم أن لا يجعلها غاية له وهدفًا في هذه الحياة الدنيا، وأن لا يتخذها وسيلة ومطية لانتهاك حرمات الله، وتعدي حدوده، وإنما عليه أن ينظر إليها كوسيلة لغاية عظمى وهدف أسمى؛ هو بقاء الإنسان نشيطًا، ذا همّة وعطاء، من أجل بناء المجتمعات، وعمارة الأرض، وإقامة الشرع؛ وهذا وفقًا للتوجيه الرباني: ﴿ قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الأنعام:162].

ومن هنا نعلم أن الترويح عن النفس لا بد أن ينضبط بضوابط الشَّرع وقواعده، ويُعرَضَ على مِيزانه؛ لضمان تحقيق أهدافه التي أبيح من أجلها، حتى لا يؤول إلى وسيلة لضياع الأوقات وهَدْر المُقدَّرات، والتَّرَدِّي في مَهاوي الخمول والكسل والانحراف والضياع، وإلا كان وبالًا وهلاكًا؛ فمَن أراد أن يفرحَ ويلهو فليكن فرحَ العقلاء الأتقياء، وهو في نفس الوقت لا يزيغ ولا يبغي، بل يتّقي الأهازيج والضّجيج التي تقلق الذاكرَ وتكسِـر قلبَ الشاكر. ويمكن إجمال ضوابط اللهو المباح فيما يلي:

أولًا: النية والاحتساب في الترويح:

من أهم ما تؤثر فيه النية المباحات والعادات؛ فإنها تتحول بالنية إلى عبادات وقربات؛ والترويح من جملة المباحات التي يثاب عليها الإنسان إذا نوى بها الاستجمام والنشاط للطاعة والعبادة، وأداء الواجبات الدنيوية، كما أنه قد يأثم إذا قصد به الهروب من المسؤوليات، وتضييع الواجبات؛ فعن أبي ذر رضي الله عنه عن النبي قال: «وَفِى بُضْعِ أَحَدِكُمْ صَدَقَةٌ. قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ؛ أَيَأْتِي أَحَدُنَا شَهْوَتَهُ وَيَكُونُ لَهُ فِيهَا أَجْرٌ؟ قَالَ: أَرَأَيْتُمْ لَوْ وَضَعَهَا فِي حَرَامٍ أَكَانَ عَلَيْهِ فِيهَا وِزْرٌ؟ فَكَذَلِكَ إِذَا وَضَعَهَا فِي الْـحَلاَلِ كَانَ لَهُ أَجْرٌ»[21].

وقد كان السلف الصالح تعالى يحرصون على ذلك ويتعاهدون نياتهم في جميع أعمالهم؛ فعن معاذ رضي الله عنه قال: «لكني أنام ثم أقوم فأقرأ، فأحتسب نومتي كما أحتسب قومتي»[22]، وعن زبيد اليامي رحمه الله قال: (إني لأحب أن تكون لي نية في كل شيء؛ حتى في الطعام والشراب)، وقال أيضًا: (انو في كل شيء تريده الخير، حتى خروجك إلى الكُناسة)[23]. فلا ينبغي للمسلم أن يغفل عن تلك اللحظات؛ فإنه يُسأل عنها يوم القيامة؛ لم فعله؟ وما الذي قصد به.

ثانيًا: اختيار الصحبة الطيبة للترويح:

يشعر الإنسان بمتعة أكبر وسعادة غامرة إذا كان ترويحه في رفقة أو صحبة من الناس، ونظرًا لكون اللهو والمرح مما يشغل القلب عن أداء الواجبات والتكاليف؛ فيحتاج المسلم إلى من يذكره بها؛ ولذا ينبغي أن يختار من الرُّفقة من يعينوه على الطاعة، ويحذروه من المعصية؛ ممن يَقْدُرُ للدِّينِ قَدْرَه، ويَعرِفُ أنَّ للشَّرعِ حَدَّه، وإن: «مَثَلُ الْـجَلِيسِ الصَّالِحِ وَالسَّوْءِ كَحَامِلِ الْـمِسْكِ وَنَافِخِ الْكِيرِ؛ فَحَامِلُ الْـمِسْكِ إِمَّا أَنْ يُحْذِيَكَ، وَإِمَّا أَنْ تَبْتَاعَ مِنْهُ، وَإِمَّا أَنْ تَجِدَ مِنْهُ رِيحًا طَيِّبَةً، وَنَافِخُ الْكِيرِ إِمَّا أَنْ يُحْرِقَ ثِيَابَكَ، وَإِمَّا أَنْ تَجِدَ رِيحًا خَبِيثَةً»[24].

ثالثًا: اختيار أوقات الترفيه وعدم تعدي حدود الله في ذلك:

ينبغي للمسلم أن ينظم وقته بين العمل واللهو، والجد واللعب، فلا يعتدي على الوقت الذي هو حق لله تعالى؛ كوقت الصلوات المفروضة، أو أن يغفل عن ذكر الله في أوقات هو أحوج ما يكون فيها إلى القرب من ربه؛ كإهدار ساعات الليل كلها في السَّمر واللَّهو والحرام، فلا هو في نوافل العبادات قضاها، ولا لأمر واجب أحياها.

ومما ينبغي أن يجتنبه المسلم أيضًا التعدي على الأوقات التي تتعلق بأداء حقوق العباد؛ كالعمل الرسمي؛ فلا ينبغي أن يقضيه المسلم في الترفيه والترويح، تاركًا وراءه مسؤوليات أُنيطت به؛ فوقت العمل مرتبط بما التزم به الإنسان من عقود ومواثيق يجب الوفاء بها واحترامها؛ قال عز وجل: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ [المائدة:1].

رابعًا: أن لا يستهلك الترويح جُلَّ وقت الإنسان:

إن من أخطر الأمور في ممارسة الترفيه والترويح؛ أن لا يكون الإنسان حكيمًا في سياسة نفسه، فيستهلك كل وقته أو معظمه في اللهو والترفيه حتى يضيع عمره وتنفرط عليه أموره؛ فهذه الأوقات يسأل عنها الإنسان يوم القيامة؛ كيف قضاها، كما أخبر بذلك النبي ؛ فعن ابن مسعود رضي الله عنه عن النبي قال: «لاَ تَزُولُ قَدَمَا ابْنِ آدَمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ عِنْدِ رَبِّهِ حَتَّى يُسْأَلَ عَنْ خَمْسٍ: عَنْ عُمْرِهِ فِيمَا أَفْنَاهُ، وَعَنْ شَبَابِهِ فِيمَا أَبْلاَهُ، وَمَالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ وَفِيمَ أَنْفَقَهُ، وَمَاذَا عَمِلَ فِيمَا عَلِمَ»[25].

فالوقت عند المسلم له قيمة، وهو يعلم أن ما ضاع منها سُدَى لا يَعُودُ، وأن ما يقضيه في الترويح والترفيه يهدف من ورائه مضاعفة الهمة والنشاط؛ لتعويض ما فات، وأن الحكمة والتَّعقُّلَ في استغلال الأوقات لا في إهدارها وتضييعها.

والوقت أنفَسُ ما عُنيتَ بحفظهِ

وأراه أسهل ما عليك يضيعُ

خامسًا: أن تكون وسيلة الترويح مشروعة:

أما كون الوسيلة مشروعة؛ فتأتي هذه المشروعية من وجهين:

الأول: أن تكون مباحة في ذاتها؛ بمعنى أنه لم يرد في الشـرع الكريم نهيٌ عنها لذاتها، وإلا كانت ممنوعة؛ فلا يجوز للمسلم أن يترفَّه أو يلهو فيما ما حرّمه الله تعالى؛ كالضحك والسخرية من الآخرين، أو الاستهزاء بهم، أو ترويعهم وتخويفهم، أو إزعاجهم في طرقهم ومساكنهم، أو استعمال آلات اللهو والطرب للترويح عن النفس، أو اللهو بألعاب محرَّمة كالنرد والقمار، وغير ذلك مما وردت النصوص الشرعية بتحريمها.

الثاني: أن تكون الغاية -التي تستعمل لها الوسيلة المباحة- مشـروعة أيضًا؛ ذلك أن الوسائل لها أحكام المقاصد؛ فالوسيلة وإن كانت مشـروعة أو مباحة في ذاتها، وقصد بها التوصل إلى ما حرّم الله، كانت محرّمة تبعًا لمقصدها؛ فالسفر بحد ذاتها وسيلة مشـروعة أو مباحة؛ فإن استعملها الإنسان في التوصل إلى خير؛ كان السفر جائزًا مشروعًا، أما إذا قصد الإنسان بسفره هذا ارتكاب المحرمات، وفعل المنكرات؛ كان السفر والحالة هذه ممنوعًا غير مشروع؛ تبعًا للمقصد الذي استعمل لأجله.

عباد الله: التوازن مطلوب في هذه الحياة، فهل فقهنا عن الله أحكامه؟ وهل فهمنا يُسـر الشريعة وسماحة الدين كما ينبغي؟ أليس من الإفراط والتفريط أن ترى المسلم عابسًا جافًا يتكلف الرزانة ويحرم على نفسه ما أحل الله حتى يشق على من حوله؟ أو أن تراه معظم وقته مازحًا هازلًا حتى يقع في المحظور ويترك المأمور ويثقل على من حوله من الحضور؟ لذا كانت الحكمة تقتضي التوازن بلا إفراط ولا تفريط، ﴿ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا ۗ وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ [البقرة:269].

ههذا وصلُّوا -رحمكم الله- على خير البرية وأزكى البشـرية محمد بن عبد الله ابن عبد المطلب بن هاشم، صاحبِ الحوض والشّفاعة، فقد أمرَكم الله بأمر بدأ فيه بنفسه، وثنّى بملائكتِه المسبّحة بقدسه، وثلث بكم فقال جل وعلا: ﴿ إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [الأحزاب:56].

صاحب هذه الخطبة

الشيخ /سعود الشريم

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة