حجم الخط:

[مشاركة النبي في القتال]

ويفهم من النصوص الواردة في شأن القتال ببدر أن الرسول شارك في القتال، ولم يمض كل وقته داخل هذا العريش أو في الدعاء، كما فهم بعض كتاب السيرة.

فقد روى أحمد [في المسند، بسند صحيح] عن علي، قال: «لقد رأيتنا يوم بدر ونحن نلوذ برسول الله وهو أقربنا من العدو، وكان من أشد الناس يومئذ بأسًا»، وفي موضع آخر بالسند نفسه: «لما حضر البأس يوم بدر، اتقينا برسول الله ، وكان من أشد الناس، ما كان أو لم يكن أحد أقرب إلى المشـركين منه». [أحمد: المسند، بسند صحيح].

وروى مسلم أن رسول الله قال لأصحابه يوم بدر: «لا يتقدمن أحد منكم إلى شيء حتى أكون أنا دونه».

وقال ابن كثير [في البداية]: (وقد قاتل بنفسه الكريمة قتالًا شديدًا ببدنه، وكذلك أبو بكر الصديق، كما كانا في العريش يجاهدون بالدعاء والتضرع، ثم نزلا فحرضا وحثا على القتال، وقاتلا بالأبدان جمعًا بين المقامين الشريفين).

وبعد أن اتخذ الرسول كل الوسائل المادية الممكنة للنصر في حدود الطاقة البشرية، بات ليلته تلك يتضرع إلى الله سبحانه وتعالى أن ينصره، ومن دعائه كما جاء في رواية عند مسلم: «اللهم أنجز لي ما وعدتني، اللهم آت ما وعدتني، اللهم إن تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام لا تعبد في الأرض» وتقول الرواية: «فما زال يهتف بربه حتى سقط رداؤه عن منكبيه. فأتاه أبو بكر، فأخذ رداءه فألقاه على منكبيه ثم التزمه من ورائه وقال: يا نبي الله كفاك مناشدتك ربك، فإنه سينجز لك ما وعدك، فأنزل الله عز وجل: ﴿ إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ ﴿٩﴾ [الأنفال:9] فأمَّده الله بالملائكة».

ومما رواه البخاري من دعائه في ذلك اليوم: «اللهم إني أنشدك عهدك ووعدك، اللهم إن تشأ لا تُعبد بعد اليوم»، وتقول الرواية: «فأخذ أبو بكر بيده فقال: حسبك يا رسول الله، ألححت على ربك، وهو يثب في الدرع فخرج وهو يقول: ﴿ سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ ﴿٤٥﴾ [القمر:45]».

وروى ابن أبي حاتم بإسناده إلى عكرمة أنه قال: لما نزلت: ﴿ سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ قال عمر: «أي جمع يهزم؟ أي جمع يغلب؟ قال عمر: فلما كان يوم بدر رأيت رسول الله يثب في الدرع، وهو يقول: ﴿ سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ ﴿٤٥﴾ ، فعرفت تأويلها يومئذ». [البخاري، النسائي، ابن كثير: التفسير، أحمد، صحيح].

وفي صباح يوم الجمعة، السابع عشـر من رمضان - السنة الثانية من الهجرة. [ابن حجر: التلخيص الحبير، ومتفق عليه عند أئمة المغازي]. وعندما تراءى الجمعان، دعا رسول الله ربه قائلًا: «اللهم هذه قريش قد أقبلت بخُيَلائِها وفَخْرِها تُحَادِّك وتكذب رسولك، اللهم فَنَصْرَكَ الذي وعدتني، اللهم أَحِنْهُم الغداةَ». [رواه ابن إسحاق معلقًا كما في (ابن هشام 2/314)]، وقد ثبت أن أبا جهل قال حين التقى القوم: «اللهم أقطعنا للرحم وأتانا بما لا نعرفه فأحنه [أي أهلكه] الغداة». فكان هو المستفتح، أي الحاكم على نفسه بهذا الدعاء، والفتاح الحاكم. وفي ذلك نزل قول الله تعالى: ﴿ إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ ۖ وَإِنْ تَنْتَهُوا فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ ۖ وَإِنْ تَعُودُوا نَعُدْ وَلَنْ تُغْنِيَ عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئًا وَلَوْ كَثُرَتْ وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ ﴿١٩﴾ [الأنفال:19] [وقد روى الخبر بإسناد صحيح أحمد: الرباني (21/44)، والطبري في التفسير (13/ 454، شاكر) بإسناد صحيح، والحاكم (2/ 328) وصححه. والدعاء إلى قول الراوي: (فكان هو المستفتح)، رواه ابن إسحاق بإسناد مرسل، ابن هشام (2/323). والخُيلاء: التكبر والإعجاب، وتحادك: تعاديك، أحنهم: أهلكهم الآن].

وعندما وقف المسلمون في صفوف القتال، أخذ الرسول في تعديل صفوفهم وفي يده قِدْح [سهم بلا ريش] فطعن به سَوَاد بن غَزِيَّة في بطنه، لأنه كان مستنتلًا [متقدمًا] من الصف عمدًا، وقال له: استو يا سواد، فقال سواد: يا رسول الله أوجعتني، وقد بعثك الله بالحق، فأقدني [أي أعطني القود من نفسك، أو القصاص]، فكشف عن بطنه وقال: استقد، فاعتنقه سواد وقبل بطنه، فقال النبي : ما حملك على هذا يا سواد؟ قال: يا رسول الله، قد حضر ما ترى، فأردت أن يكون آخر العهد بك أن يمس جلدك جلدي»، فدعا له رسول الله بخير. [ابن إسحاق؛ عبد الرزاق، مرسلًا يتقوى بغير؛ الهيثمي برجال ثقات].

وشهد سواد المشاهد كلها بعد هذا، كما ذكر ابن عبد البر في الاستيعاب [من حديث ابن عقبة].

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة