حجم الخط:

[وصيته للناس]

ثم أوصى الناس بالأنصار، قائلًا: «أوصيكم بالأنصار، فإنهم كَرْشِي وعَيبَتي، وقد قضوا الذي عليهم، وبقي الذي لهم، فاقبلوا من مُحسنهم، وتجاوَزوا عن مسيئهم». وقال في رواية أخرى: «إن الناس يكثرون، وتقل الأنصار، حتى يكونوا كالملح في الطعام، فمن ولي منكم أمرًا يضر فيه أحدًا أو ينفعه فليقبل من محسنهم، ويتجاوز عن مسيئهم». [متفق عليه].

ثم قال في آخر خطبة له: «إن عبدًا خيَّره الله بين الدنيا وبين ما عند الله، فاختار ما عند الله»، قال الراوي: «فبكى أبو بكر رضي الله عنه فعجبوا لبكائه، فكان المخير رسول الله وكان أبو بكر أعلمهم بذلك»، فقال النبي : «لا تبك يا أبا بكر، إن أَمَنَّ الناس علي في صحبته وماله أبو بكر، لو كنت متخذًا خليلًا غير ربي لاتخذت أبا بكر خليلًا، ولكن أخوة الإسلام ومودته، لا يبقين في المسجد باب إلا سُدَّ، إلا باب أبي بكر». [متفق عليه].

وعندما حضرته الوفاة واشتد به الوجع، وذلك يوم الخميس قبل الوفاة بأربعة أيام، قال للصحابة الذين كانوا حوله بالمنزل، وفيهم عمر: «هلموا اكتب إليكم كتابًا لن تضلوا بعده»، فقال عمر: «قد غلب عليه الوجع، وعندكم القرآن، حسبكم كتاب الله»، فاختلفوا، فمنهم من يقول: قربوا يكتب لكم رسول الله ، ومنهم من يقول ما قال عمر. فلما أكثروا اللغط والاختلاف، قال رسول الله : «قوموا عني». [البخاري].

وأوصى في ذلك اليوم بإخراج اليهود والنصارى والمشـركين من جزيرة العرب، وإجازة الوفود بنحو ما كان يجيزهم، ونسي الراوي الوصية الثالثة، ولعلها عامة وصيته حين حضره الموت وهي: «الصلاة وما ملكت أيمانكم». [أحمد، صحيح]، وفي لفظ: «الله الله، الصلاة وما ملكت أيمانكم»، كان يتكلم به وما يكاد يفيض. [ابن ماجه، صحيح؛ الذهبي: السيرة، صحيح]، وفي رواية أحمد: حتى جعل يُغَرْغِرُ بها صدره، وما يكاد يفيض بها لِسَانُه.

وقبل الوفاة بثلاث أوصى قائلًا: «أحسنوا الظن بالله عز وجل». [الذهبي: السيرة، صحيح]، ثم أخذ يثقله المرض ويمنعه من الخروج للصلاة بالناس فقال: «مروا أبا بكر أن يصلي بالناس»، فقالت عائشة: «يا رسول الله، إن أبا بكر رجل أسيف - أي رقيق - وإنه متى ما يقم مقامك لا يسمع الناس، فلو أمرت عمر»، فقال: «مروا أبا بكر أن يصلي»، فقالت عائشة لحفصة: «قولي له إن أبا بكر رجل أسيف وإنه متى... فقال : «إنكن لأنتن صواحب يوسف، مروا أبا بكر أن يصلي بالناس...» ولما لم يكن أبو بكر موجودًا في تلك اللحظات، دعا عبد الله بن زمعة عمر ليصلي بالناس، فعندما سمع الرسول صوته، قال: «يأبى الله ذلك والمسلمون - مرتين -» فبعث إلى أبي بكر، فجاء فصلى بالناس. [أحمد، صحيح؛ الحاكم، صحيح].

وظل أبو بكر يصلي بالناس تلك الأيام، وفي أحدها وجد رسول الله من نفسه خفة فخرج بين رجلين لصلاة الظهر، وأبو بكر يصلي بالناس، وعندما رآه أراد أن يتأخر، فأومأ إليه أن لا يتأخر، فأجلسه بجانبه، فجعل أبو بكر يصلي وهو قائم بصلاة رسول الله والناس يصلون بصلاة أبي بكر. [متفق عليه].

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة