حجم الخط:

أحكام وحكم وعظات وعبر من غزوة أحد:

عقد ابن القيم [في الزاد] فصلًا فيما اشتملت عليه هذه الغزوة من الأحكام الفقهية، ننقلها هنا باختصار لتعميم الفائدة: [ما بين المعكوفتين من كلامي]:

1- إن الجهاد يلزم بالشروع فيه، حتى إن استعد له وتأهب للخروج، ليس له أن يرجع عن ذلك حتى يقاتل عدوه.

2- إنه لا يجب على المسلمين إذا طرقهم عدوهم في ديارهم الخروج إليه، بل يجوز لهم أن يلزموا ديارهم، ويقاتلوهم فيها إذا كان ذلك أنصر لهم على عدوهم، كما أشار به رسول الله عليهم يوم أحد.

3- جواز سلوك الإمام بالعسكر في بعض أملاك رعيته إذا صادف ذلك طريقه، وإن لم يرض المالك، كما كان حال مربع بن قيظي مع الرسول وجيشه.

4- إنه لا يأذن لمن لا يطيق القتال من الصبيان غير البالغين، بل يردهم إذا خرجوا، كما رد رسول الله ابن عمر ومن معه.

5- جواز الغزو بالنساء والاستعانة بهن فيما دون القتال مثل السقي والتطبيب، [إذا أُمِنَتِ الفتنة].

قلت: أخرج ابن أبي شيبة [في المصنف، بسند ضعيف كما حققه د. خالد الدريس]، بسنده إلى سعيد بن عمرو القرشي، أن أم كبشة، امرأة من بني عذرة - عذرة قضاعة - قالت: يا رسول الله! إني لستُ أُريدُ أن أقاتل، إنما أريد أن أداوي الجريح والمريض أو أسقي المريض، فقال: «لولا أن تكون سنة، ويقال فلانة خرجت، لأذنت لك، ولكن اجلسي».

ذكرت هذا الحديث لأن بعض طلاب العلم يحتج به على أن الرسول نهى في آخر حياته عن خروج النساء في الغزو. وقد علمت درجته، ولكن إذا ترجح احتمال وقوع نساء المسلمين في أسر الكفار وتعرضهن للاغتصاب، فالذي أميل إليه الاحتجاج بحديث أم كبشة على الرغم من ضعفه، لأن الاحتجاج بالضعيف في فضائل الأعمال قال به بعض العلماء، وعلى رأسهم الإمام أحمد يرحمه الله، خاصة أن حديث أم كبشة كان بعد الفتح وحنين، وهما آخر غزوتين خرجن فيهما بعض النساء كما علمت من أحداثهما وأحداث ما بعدهما من غزوات.

6- جواز الانغماس في العدو، كما انغمس أنس بن النضر وغيره. [ولابن تيمية كتاب في هذا].

7- إن الإمام إذا أصابته جراحة صلى بأصحابه قاعدًا، وصلوا وراءه قعودًا كما فعل رسول الله واستمرت على ذلك سنته إلى حين وفاته [المغني والمحلى ونيل الأوطار].

8- جواز دعاء الرجل وتمنيه أن يقتل في سبيل الله، وليس ذلك من تمني الموت المنهي عنه، كما فعل عبد الله بن جحش.

9- إن المسلم، إذا قتل نفسه، فهو من أهل النار، كما في حال قزمان.

10- السنة في الشهيد أن لا يغسل ولا يكفن في غير ثيابه، بل يدفن فيها بدمه، إلا أن يسلبها العدو، فيكفن في غيرها. والحكمة في ذلك كما روى الترمذي: «حتى يلقوا ربهم بكُلُومِهِم - جُروحهم-، ريح دمهم ريح المسك، واستغنوا بإكرام الله لهم». وكما روى ابن إسحاق [بسند حسن] أن الرسول قال عن شهداء أحد: «أنا شهيد على هؤلاء، ما من جريح يُجرَح في الله، إلا والله يبعثه يوم القيامة يَدْمَى جرحه، اللون لون دم والريح ريح مسك...».

11- أما الصلاة على الشهيد فقد اختلف فيها العلماء، وقد رجح ابن القيم أن الإمام مخير بين الصلاة عليه وتركها لمجيء الآثار بكل واحد من الأمرين.

وقد خَرَّجَ محققا الزاد تلك الآثار وبيَّنا درجتها من الصحة، ثم قالا: «ففي هذه الأحاديث مشروعية الصلاة على الشهداء، لا على سبيل الإيجاب، لأن كثيرًا من الصحابة استشهد في غزوة بدر وغيرها، ولم ينقل أن النبي صلى عليهم، ولو فعل لنقل عنه، وقد جنح المؤلف رحمه الله في [تهذيب السنن: (4/3295)] إلى هذا.

12- السنة في الشهداء أن يدفنوا في مصارعهم.

13- إن من عذره الله في التخلف عن الجهاد، لمرض أو عرج [شديد أو شيخوخة]، يجوز له الخروج إليه، وإن لم يجب عليه، كما خرج عمرو بن الجَمُوح وهو أعرج، [واليَمَان والد حُذَيْفَة، وثابت بن وَقْش، وهما شيخان كبيران].

14- إن المسلمين إذا قتلوا واحدًا منهم في الجهاد يظنونه كافرًا، فعلى الإمام دفع ديته من بيت المال، كما في واقعة قتل اليمان.

وذكر ابن القيم بعض الحكم والغايات المحمودة التي كانت في غزوة أحد.

وقد أشار الله سبحانه وتعالى إلى أمهاتها وأصولها في سورة آل عمران، حيث افتتح القصة بقوله: ﴿ وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ ۗ [آل عمران:121] إلى تمام نحو ستين آية من هذه السورة.

نذكر هنا باختصار ما ذكره ابن القيم:

1- تعريف المؤمنين بسوء عاقبة المعصية والفشل والتنازع، وأن الذي أصابهم هو لذلك السبب، كما قال تعالى: ﴿ وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ ۖ حَتَّىٰ إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ ۚ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ۚ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ ۖ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ ۗ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ ﴿١٥٢﴾ [آل عمران:152]. فلما ذاقوا عاقبة معصيتهم للرسول وتنازعهم وفشلهم، كانوا بعد ذلك أشد حذرًا ويقظة، وتحرزًا من أسباب الخذلان.

2- إن حكمة الله وسنته في رسله وأتباعهم جرت بأن يُدَالوا مرة ويُدَالُ عليهم أخرى، لكن تكون لهم العاقبة، فإنهم لو انتصـروا دائمًا لم يحصل المقصود من البعثة والرسالة، فاقتضت حكمة الله أن جمع لهم بين الأمرين، ليتميز من يتبعهم ويطيعهم للحق وما جاؤوا به ممن يتبعهم على الظهور والغلبة، خاصة وإن هذا من أعلام الرسل، كما قال هرقل لأبي سفيان: «هل قاتلتموه؟ قال: نعم، قال: كيف الحرب بينكم وبينه؟ قال: سِجَالٌ، يدال علينا المرة، وندال عليه الأخرى، قال: كذلك الرسل تُبتلى، ثم تكون لهم العاقبة» [متفق عليه].

3- ميزت محنة أُحد بين المؤمن والمنافق الذي دخل الإسلام ظاهرًا بعد انتصار المسلمين ببدر، وفي ذلك قال تعالى: ﴿ مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَىٰ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّىٰ يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ ۗ [آل عمران:179].

4- استخراج عبودية أوليائه وحزبه في السـراء والضـراء، فإذا ثبتوا على الطاعة والعبودية فيما يحبون وما يكرهون، فهم عبيده حقًا، وليسوا كمن يعبد الله على حرف واحد من السراء والنعمة والعافية.

5- لا يصلح عباده إلا السراء والضراء، فهو المدبر لأمر عباده كما يليق بحكمته، فهو (سبحانه) إذا أراد أن يعز عبده ويجبره وينصـره، كسـره أولًا، ويكون جبره له ونصره على مقدار ذله وانكساره.

وهذا ما وقع للمسلمين ببدر: ﴿ وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ ۖ [آل عمران:123]، وبحنين: ﴿ كَثِيرَةٍ ۙ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ ۙ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ [التوبة:25].

6- إنه سبحانه هيَّأ لعباده المؤمنين منازل في دار كرامته، لم تبلغها أعمالهم، ولم يكونوا بالغيها إلا بالبلاء والمحنة، فقيض لهم الأسباب التي توصلهم إليها من ابتلائه وامتحانه، كما وفقهم للأعمال الصالحة التي هي من جملة أسباب وصولهم إليها.

7- إن النفوس تكتسب من العافية الدائمة والنصـر والغنى طغيانًا وركونًا إلى العاجلة، وذلك مرض يعوقها عن جدها في سيرها إلى الله والآخرة، فإذا أراد الله بها الرحمة والكرامة قيض لها من الابتلاء ما فيه دواء وشفاء لذلك المرض.

8- إن الشهادة عند الله من أعلى مراتب أوليائه، ولا سبيل إلى نيل هذه الدرجة إلا بتقدير الأسباب المفضية إليها من تسليط العدو وغيره.

9- إن في الابتلاء من الله تمحيص وتكفير لذنوب عباده وفرصة لهم لنيل الشهادة، قال تعالى: ﴿ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ ۗ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ ﴿١٤٠﴾ وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ ﴿١٤١﴾ [آل عمران:140-141].

10- إن الأنبياء عليهم السلام إذا أصيبوا ببعض العوارض الدنيوية من الجراحات والآلام والأسقام - تعظيمًا لأجرهم - تأسى بهم أتباعهم في الصبر على المكاره والعاقبة للمتقين، وهذه سنة الله فيهم. [الباكري].

11- إن اشتراك الرسول في القتال مثله كأي فرد من أفراد جيشه دليل على حرصه على عدم تميزه عن جنده ومساواة نفسه بهم. وفيه دليل على شجاعته وصبره وتحمله الأذى في سبيل دعوته.

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة