المبحث الأول: سرية ذات السلاسل
بعد عودة سرية مؤتة إلى المدينة بأيام قليلة، وبالتحديد في جمادى الثانية من سنة ثمان هجرية كما ذكر ابن سعد، بلغ الرسول ﷺ أن قضاعة بدأت تتجمع مرة أخرى تريد الدنو من المدينة، فأرسل إلى عمرو بن العاص، فلما جاءه قال له: «... إني أريد أن أبعثك على جيش فيسلِّمك الله ويغنمك، وأرغب لك من المال رغبة صالحة»، فقال له عمرو: «يا رسول الله، ما أسلمت من أجل المال، ولكن أسلمت رغبة في الإسلام وأن أكون مع رسول الله ﷺ »، فقال يا عمرو: «نِعم المال الصالح للمرء الصالح» [أحمد: المسند؛ صحيح؛ البخاري: الأدب، صحيح]. ثم بعثه في ثلاثمئة من المهاجرين والأنصار ليقضى عليهم في ديارهم، وأمره أن يستعين ببعض فروع قضاعة من بَلِّي وعذرة وبَلْقَيْن على ذلك العدو، لأن أم عمرو كانت من بلي، وفي ذلك استئلاف لهم. وعندما وصل في مسيره إلى ماء بأرض جذام، يقال له السَّلسَل - وبه سميت السرية - بلغه كبر جمعهم، فأرسل رافع بن مَكِيث الجُهَنِي إلى الرسول ﷺ، فأمده بمائتين من المهاجرين والأنصار، عليهم أبو عبيدة عامر بن الجراح، وفيهم أبو بكر وعمر، وطلب من عمرو وأبي عبيدة أن يتطاوعا. وعندما أصر عمرو على تولي الإمامة في الصلاة، لم يرد أبو عبيدة أن يخالفه في هذا، امتثالًا لوصية الرسول ﷺ. [ابن إسحاق؛ عروة؛ ابن سعد؛ الواقدي].
في حديث أحمد [المسند، من مرسل الشعبي] أن النبي ﷺ استعمل أبا عبيدة على المهاجرين وعمرو بن العاص على الأعراب، وأمرهم بالإغارة على بكر، فانطلق عمرو فأغار على قضاعة لأن بكرًا أخواله، فأطاعه أبو عبيدة، ولم يخالفه أبو عبيدة في ذلك لأنه لم يرد الخلاف. ويستبعد هذا التعليل الذي ساقه الشعبي.
وسار عمرو بالناس حتى وطئ بلاد بَلِّي ودوخها، حتى أتى أقصـى بلادهم وبلاد عُذْرَة وبَلْقِين، ولقي في آخر ذلك جمعًا، فحمل عليهم المسلمون، فهربوا، فعاد بعد هذا إلى المدينة. [ابن سعد، الواقدي].
وفي طريق العودة احتلم عمرو في ليلة باردة فتيمم ولم يغتسل غسله للجنابة، خشية البرد، مستندًا إلى قوله تعالى: ﴿ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا ﴿٢٩﴾ ﴾[النساء:29]. ثم صلى بالناس، وقد أقر الرسول ﷺ هذا الاجتهاد منه. [أبو داود، صحيح؛ البيهقي: الدلائل والسنن، بسند قوي؛ البخاري، معلقًا].
وعندما أصابهم برد أمرهم عمرو بألَّا يوقدوا نارًا ولا يتبعوا العدو، واعترض بعض المسلمين على ذلك، وعندما شكوه إلى رسول الله ﷺ [ابن عساكر؛ ابن حبان في صحيحه] قال عمرو: «كان في أصحابي قلة فخشيت أن يرى العدو قلَّتهم عندما يوقدون النار، ونهيتهم أن يتبعوا العدو مخافة أن يكون لهم كمين»، فأعجب ذلك رسول الله ﷺ.
فوائد فقهية في أحداث هذه السرية:
1- إن في خبر تأمير عمرو بن العاص على جيش فيه أبو بكر الصديق رضي الله عنه دليلًا على جواز تأمير المفضول على الفاضل، إذا امتاز المفضول على الفاضل بصفة تتعلق بتلك الإمارة أو الولاية [ابن حجر: الفتح]. فعمرو خبير حرب.
2- وفي حديث تيمم عمرو جواز التيمم لمن يتوقع الهلاك من استعمال الماء البارد.
3- وفيه جواز صلاة المتيمم بالمتوضئين.
4- جواز الاجتهاد في زمن الرسول ﷺ كما في خبر تيمم عمرو وصلاته وهو جنب. [زاد المعاد].