المبحث الثالث: كتاب النبي ﷺ إلى قيصر
ثبت في الصحيحين أن الرسول ﷺ قد كتب إلى هرقل مع دِحْيَة بن خَلِيفَة الكَلْبِي يدعوه إلى الإسلام. وذلك في مدة هدنة الحديبية، وهو النص الثاني الذي ثبتت صحته وفق شروط المحدثين من بين سائر نصوص الكتب التي وجهت إلى الزعماء، ونصه:
«بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد عبد الله ورسوله إلى هرقل عظيم الروم. سلام على من اتبع الهدى، أما بعد، فإني أدعوك بدعاية الإسلام، أسلم تسلم، وأسلم يؤتك الله أجرك مرتين. فإن توليت فعليك إثم الأَرِيسيين. ﴿ قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَىٰ كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ ۚ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ ﴿٦٤﴾ ﴾[آل عمران:64]. ولعل في إيراد البخاري ومسلم لنص خطاب الرسول ﷺ إلى قيصر ما يشير إلى ترجيحهما للروايات القائلة بتقدم نزول الآية المذكورة، أي قبل تاريخ إرسال هذه الرسالة، وليس في العام التاسع كما ورد في روايات ضعيفة [دبلوماسية محمد؛ المجتمع المدني].
وعندما قرأ قيصر رسالة النبي ﷺ أرسل يبحث عن بعض المتصلين بالنبي ﷺ، وفضل أن يكونوا من قومه وعشيرته، فعلم بوجود جماعة من التجار فيهم أبو سفيان، فدعاهم لمجلسه مع الترجمان، فقال: «أيكم أقرب نسبًا بهذا الرجل الذي يزعم أنه نبي؟»، فقال أبو سفيان: «أنا أقربهم نسبًا»، فأدناه منه وقرب أصحابه منه لئلا يستحيوا أن يواجهوه بالتكذيب إن كذب، فأخذ يسأله عن جميع أحوال النبي ﷺ كما في الحديث الطويل المشهور، حديث هرقل مع أبي سفيان، المروي في الصحيحين، واستنتج من أجوبة أبي سفيان أن محمدًا ﷺ نبي، وقال في ختام كلامه مع أبي سفيان: «فإن كان ما تقول حقًا فسيملك موضع قدمي هاتين. وقد كنت أعلم أنه خارج ولم أكن أظن أنه منكم، فلو أني أعلم أني أَخْلُصُ إليه لتجشمت لقاءه، ولو كنت عنده لغسلتُ عن قدميه».
ثم قال للرسول (دحية الكلبي): «إني لأعلم أن صاحبك نبي مرسل، والذي كنا ننتظره ونجده في كتابنا، ولكني أخاف الروم على نفسي ولولا ذلك لاتبعته»، ثم صرفه إلى ضَغَاطِرَ الأُسْقُف صاحب الفتوى عندهم بحجة أنه أعلم الروم بهذا الشأن.
وروى ابن حبان [في صحيحه: موارد الظمآن، بسند صحيح] أن دحية عندما جاء وافى قيصر ببيت المقدس، فرمى بالكتاب على بساطه وتنحى، فلما انتهى قيصر من الكتاب، أخذه، وأمَّن من جاء به فظهر له دحية، فطلب من دحية أن يأتيه في عاصمته، فلما جاءه أمر بأبواب قصره فغلِّقت، ثم أمر مناديًا ينادي: ألا إن قيصـر قد اتبع محمدًا وترك النصرانية، فأقبل جنده وقد تسلَّحوا حتى أطافوا به، فقال لرسول رسول الله ﷺ: «قد ترى أني خائف على مملكتي»، ثم أمر مناديه فنادى: «ألا إن قيصر قد رضي عنكم، وإنما اختبركم لينظر كيف صبركم على دينكم، فارجعوا»، فانصرفوا، وكتب إلى رسول الله ﷺ: إني مسلم، وبعث إليه بدنانير، فقال رسول الله ﷺ: «كذب عدو الله، وهو على دين النصرانية»، وقسم الدنانير.
وفي عدم إسلام قيصر دليل على أنه قد شح بالملك وطلب الرئاسة وآثرهما على الإسلام، ولو أراد الله هدايته لوفقه كما وفق النجاشي، فإنه لما أسلم ما زالت عنه الرياسة. [النووي بشرح مسلم].