حجم الخط:

المبحث الرابع: سرية عبد الله بن حُذَافَة السَهْمِيّ

روى البخاري ومسلم أن الرسول استعمل رجلًا من الأنصار على سرية وأمرهم أن يطيعوه. فأغضبوه في شيء فقال: اجمعوا لي حطبًا، فجمعوه، وأمرهم فأوقدوه، ثم قال: ألم يأمركم رسول الله أن تسمعوا لي وتطيعوا؟ قالوا: بلى، قال: فادخلوها، فنظر بعضهم إلى بعض وقالوا: إنما فررنا إلى رسول الله من النار، فسكن غضبه، وطفئت النار. فلما قدموا على رسول الله ذكروا له ذلك فقال: «لو دخلوها ما خرجوا منها، إنما الطاعة في المعروف».

والراجح عندي أن أمير هذه السرية هو عبد الله بن حذافة السهمي. فقد روى الشيخان وبقية الجماعة، أن الآية: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ ۖ [النساء:59] نزلت فيه عندما أرسله الرسول في سرية. وصرح به في رواية أحمد وابن ماجه [صحيح]. وذكر القصة بمثل مضمون رواية البخاري في كتاب الأحكام، ومسلم في كتاب الإمارة.

أما الرواية المرجوحة فهي التي رواها ابن كثير [التفسير] والطبري [التفسير]، وفيها أنها نزلت في خالد بن الوليد عندما بعثه الرسول في سرية فيها عمار بن ياسر، فعندما سمع بهم العدو هرب إلا رجلًا واحدًا، جاء إلى معسكر المسلمين في جنح الليل، وسأل عن عمار بن ياسر، فدلوه عليه، فأخبره أنه مسلم، واستفتاه إن كان ذلك ينفع وإلا هرب مع قومه، فطلب منه عمار البقاء، وفي الصباح أغار خالد على مكان العدو فلم يجد إلا هذا الرجل، فأخذه وماله، فاعترض عمار على هذا الإجراء، فتلاحا واستبَّا، ولام الرسول خالدًا، فاعتذر إلى عمار، فأنزل الله تعالى الآية: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ الآية.

وخلاصة رأيهما أن الآية عامة في جميع أولي الأمر من الأمراء والعلماء. وقد استشكل العلماء وصف أمير هذه السرية بأنه أنصاري، لأن ابن حذافة مهاجري، ولذا قال ابن حجر [في الفتح]: (ويحتمل الحمل على المعنى الأعم: أي أنه نصر رسول الله في الجملة). وجنح إلى تعدد القصة لاختلاف سياقي القصة واسم أميرها. وأما ابن الجوزي [كما ذكر ابن حجر] فقال: (قومه من الأنصار، وهم من بعض الرواة، وإنما هو سهمي). ولعلي أرجح تعليل ابن الجوزي.

وذكر الواقدي وابن سعد في سببها أنه بلغ رسول الله أن ناسًا من الحبشة تراءاهم أهل جُدَّة، فبعث إليهم عَلْقَمَة بن مُجَزِّر، في ربيع الآخر من سنة تسع، في ثلاثمئة، فانتهى إلى جزيرة في البحر، فلما خاض البحر إليهم هربوا، فلما رجع تعجل بعض القوم إلى أهلهم، فأمَّر عبد الله بن حذافة على من تعجل.

وذكر ابن إسحاق في سببها أن وقاص بن مجزز كان قد قتل يوم ذي قرد، فأراد علقمة بن مجزز أن يأخذ بثأره، فأرسله رسول الله في هذه السـرية. ويمكن الجمع بين الأمرين. [ابن حجر: الفتح].

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة