حجم الخط:

ب- العبر والعظات والدلائل:

1- دل تصرف خديجة إزاء ما وقع للرسول في الغار على رجاحة عقلها، وحسن تصرفها، وفضلها، وسلامة فطرتها.

2- دل تحليل ورقة لظاهرة ما حدث للرسول في الغار على صحة علمه وفضله.

3- يتبين من رؤية الرسول جبريل بعينية، يقظة، أن ظاهرة الوحي ليست أمرًا ذاتيًا داخليًا مرده إلى حديث النفس المجرد أو ما شابه ذلك من التمحلات، وإنما هي استقبال وتلق لحقيقة خارجية لا علاقة لها بالنفس وداخل الذات. وضم الملك إياه ثم إرساله ثلاث مرات، قائلًا في كل مرة: «اقرأ...» يعتبر تأكيدًا لهذا التلقي الخارجي ومبالغة في نفي ما قد يتصور من أن الأمر لا يعدو كونه خيالًا داخليًا فقط.

4- أ- يدل خوفه مما حدث له مع جبريل على أنه لم يكن متوقعًا الرسالة التي سيدعى إلى حملها وبثها في العالم. وبذلك يتضح لكل عاقل مفكر أن ظاهرة الوحي هذه لم تأت منسجمة أو متممة لشيء مما قد يتصوره أن يخطر في باله، وإنما طرأت طروءًا على حياته وفوجئ بها دون أي توقع سابق. ولا شك أن هذا ليس شأن من يتدرج في التأمل والتفكير إلى أن تتكون في نفسه - بطريقة الكشف التدريجي المستمر - عقيدة يؤمن بالدعوة إليها!، كما يدعي بعض المستشرقين مثل كارادوفو الفرنسي.

ب- الله عز وجل قادر على أن يربط على قلب رسول الله ويطمئن نفسه بأن الذي كلمه ليس إلا جبريل - ملك من ملائكة الله عز وجل جاء ليخبره أنه رسول الله إلى الناس - ولكن الحكمة الإلهية الباهرة تريد إظهار الانفصال التام بين شخصية محمد قبل البعثة وشخصيته بعدها، وبيان أن شيئًا من أركان العقيدة الإسلامية أو التشـريع الإسلامي لم يكن في ذهن الرسول مسبقًا ولم يتصور الدعوة إليه سلفًا.

جـ- إن فيما ألهم الله سبحانه وتعالى به خديجة من الذهاب به إلى ورقة، تأكيدًا من جانب آخر بأن هذا الذي فوجئ به إنما هو الوحي الإلهي الذي كان قد أنزل على الأنبياء من قبله، وإزالة لغاشية اللبس التي كانت تحوم حول نفسه بالخوف والتصورات المختلفة عن تفسير ما رآه وسمعه [البوطي].

د- لو كان الوحي أمرًا ذاتيًا لما جاءت آيات في القرآن تعتب عليه أو تلومه لبعض التصرفات. مثل: عتابه له حين أعرض عن صاحبه عبد الله بن أم مكتوم، حين حضـر إليه ليعلمه مما علمه الله، وفي حضرته بعض كبار كفار قريش. وسميت سورة في القرآن بمضمون هذا الموقف. وهي سورة (عبس)، وعتابه له في أسرى بدر كما سيأتي ذكره، وفي زواجه من زينب بنت جحش رضي الله عنها كما سيأتي ذكره، وعتابه له حين أذن لمن طلب منه التخلف عن غزوة تبوك: ﴿ عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ ﴿٤٣﴾ [التوبة:43]، وعتابه حين أراد أن يعطي كفار قريش ما أرادوا، حين طلبوا عدم الجلوس مع الموالي، فنزل قول الله تعالى: ﴿ وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ ۖ [الأنعام:52].

هـ- لو كان الوحي أمرًا ذاتيًا لما خاطب الله تعالى نبيه بقوله: ﴿ فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ ۚ لَقَدْ جَاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ ﴿٩٤﴾ [يونس:94]

و- لو كان الوحي أمرًا ذاتيًا لما كان الرسول يسكت عن إجابات السائلين لفترة زمنية قد تطول وقد تقصر، ولما عانى من نتائج بعض الأحداث، مثل حادث الإفك الذي استمرت محنته لشهر... إلخ.

5- اقتضت حكمة الله تعالى أن يكون الرسول أميَّا لا يعرف القراءة ولا الكتابة، وفي ذلك إبعاد لشبهة الشك في مصدر القرآن، وفي ذلك يقول المولى عز وجل: ﴿ وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ ۖ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ ﴿٤٨﴾ [العنكبوت:48].

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة