حجم الخط:

موقف المؤمنين من الخروج إلى تبوك:

عندما كشف الرسول للمسلمين عن وجهته خلافًا لما كان يفعل في مثل هذه الغزوات الكبيرة، ليتهيأ المسلون إلى الجهاد [البخاري]، سارع المؤمنون إلى مرافقة الرسول ولم ينظروا إلى ما سيلاقونه من مشقة، ولم تفتنهم طيبات الحياة الدنيا بالمدينة، فها هو علي بن أبي طالب لا يرضى أن يخلفه الرسول في أهله، فيلحق بالرسول وهو نَازِلٌ بالجُرْفِ ويقول: «يا رسول الله، تخلفني في النساء والصبيان؟» فقال له الرسول : «أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى، غير أنه لا نبي بعدي». [متفق عليه].

وها هو أبو خيثمة الأنصاري وقد سارع إلى حسم الصراع الدائر في نفسه بين البقاء والخروج، ثم يؤثر الخروج رغبة في ما عند الله عز وجل، وفي ذلك يقول: «تخلَّفت عن رسول الله ، فدخلت حائطًا لي - بستانًا - فرأيت عَرِيْشًا قد رُشَّ بالماء، ورأيت زَوْجَتَيَّ فقلت: ما هذا بإنصاف، رسول الله في السَّموم والحرور وأنا في الظل والنعيم، فقمت إلى ناضح لي وتمرات فخرجت، فلما طلعت على العسكر فرآني الناس، قال النبي : «كن أبا خيثمة»، فجئت فدعا لي. [ابن حجر: الفتح، من رواية الطبراني؛ ابن إسحاق، مرسلًا؛ الواقدي].

ويروى أن أبا ذر عندما أبطأ عليه بعيره أخذ متاعه فحمله على ظهره ثم خرج يتبع أثر رسول الله ماشيًا، وعندما نزل رسول الله في بعض منازله، رأى أحد المسلمين رجلًا يمشي وحده، فأخبر الرسول فقال: «كُنْ أبا ذر»، فعندما وصل كان هو أبا ذر، فقال رسول الله : «رَحِمَ الله أبا ذر، يمشي وحده، ويموت وحده، وَيُبْعَثُ وَحْدَهُ» [الحاكم، وصححه ووافقه الذهبي؛ البيهقي: الدلائل؛ ابن كثير: البداية، وحسنه].

وعندما أقام أبو ذر بالرَّبَذَة في عهد عثمان رضي الله عنه لم يكن معه أحد إلا امرأته وغلامه، فأوصاهما بأن يغسلاه ويكفناه إذا مات، ثم يضعاه على قارعة الطريق ويطلبا الإعانة على دفنه من أول ركب يمر بهما، ففعلا، ويومها أقبل ابن مسعود رضي الله عنه في رهط من أهل العراق عُمَّارًا، وكادت إبلهم أن تطأ الجنازة، وقام إليهم الغلام، فقال: هذا أبو ذر، صاحب رسول الله فأعينونا على دفنه، فبكى ابن مسعود وقال: «صدق رسول الله : تمشي وحدك وتموت وحدك، وتبعث وحدك»، ثم نزل هو وأصحابه فدفنوه، ثم حدثهم حديثه، وما قال له رسول الله في مسيره إلى تبوك. [الحاشية نفسها، حسن بطرقه].

وهذه معجزة من معجزات الرسول الكثيرة في هذه الغزوة وغيرها، كما هو معلوم. وأفردنا لذلك فصلًا فيما بعد.

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة