عندما أعلم الرسول ﷺ النفير ودعا إلى الإنفاق في تجهيز هذه الغزوة، أخذ المنافقون في تثبيط همم الناس، قائلين لهم: لا تنفروا في الحر، فأنزل الله تعالى فيهم: ﴿ وَقَالُوا لَا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ ۗ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا ۚ لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ ﴿٨١﴾ ﴾[التوبة:81] [ابن إسحاق، تفسير الطبري والشوكاني؛ الدر المنثور].
وقال رسول الله ﷺ ذات يوم - وهو في جهازه لتبوك - لِلجَدِّ بن قَيْس: «يا جَدُّ! هل لك العام في جِلَادِ بني الأصْفَر؟» فقال: «يا رسول الله أَوَ تَأْذَنُ لي ولا تفتني؟ فو الله لقد عَرَفَ قومي أنه ما من رجل بأشد عُجْبًا بالنساء مني وإني أخشى إن رأيت نساء بني الأصفر أن لا أصبر»، فأعرض عنه رسول الله ﷺ، وقال: «قد أذنت لك»، ففيه نزلت الآية: ﴿ وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلَا تَفْتِنِّي ۚ أَلَا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا ۗ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ ﴿٤٩﴾ ﴾[التوبة:49] [ابن إسحاق، الطبري في التفسير؛ الإصابة بأسانيد ضعيفة].
وذهب بعضهم إلى النبي ﷺ مبدين أعذارًا كاذبة، ليأذن لهم بالتخلف، فأذن لهم، فعاتبه الله بقوله تعالى: ﴿ عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ ﴿٤٣﴾ ﴾[التوبة:43] [الطبري: التفسير، من مرسل مجاهد بسند صحيح].
وبلغ رسول الله ﷺ أن ناسًا منهم يجتمعون في بيت سُوَيْلِم اليهودي يثبطون أناس عن رسول الله ﷺ، فأرسل إليهم من أحرق عليهم بيت سويلم [ابن هشام].
ووصلت بهم الجرأة على الله ورسوله أن يبنوا مسجدًا قُبيل غزوة تبوك ليجتمعوا فيه ويديروا حلقات تآمرهم على المسلمين، ويأملوا في مجيء أبي عامر الفاسق من عند الروم بجيش يغزو المدينة. وزعموا أنهم بنوه للمنفعة والتوسعة على أهل الضعف والعلة ومن عجز عن المسير إلى مسجد الرسول ﷺ للصلاة فيه، وطلبوا من الرسول ﷺ أن يصلي فيه خداعًا للناس، ولكن الله فضح حقيقة نواياهم عندما أنزل في هذه الآيات: ﴿ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ ۚ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَىٰ ۖ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ ﴿١٠٧﴾ لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا ۚ لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَىٰ مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ ۚ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا ۚ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ ﴿١٠٨﴾ ﴾[التوبة:107-108] [الطبري: التفسير، صحيح]. فامتنع الرسول ﷺ عن الصلاة فيه، ثم أحرقه عندما عاد من تبوك ومنعه الله من الصلاة على أمواتهم بعد أن صلى على عبد الله بن أبي بن سلول عقب عودته من تبوك، وذلك في قوله: ﴿ وَلَا تُصَلِّ عَلَىٰ أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَىٰ قَبْرِهِ ۖ ﴾[التوبة:84] [متفق عليه].
وقد تخلف منه جماعة كما ثبت في حديث كعب بن مالك في قوله: «فكنت إذا خرجت في الناس... أحزنني أني لا أرى إلا رجلًا مغموسًا بنفاق أو رجلًا ممن عذر الله من الضعفاء...». [متفق عليه].
وخرج بعضهم مع الرسول ﷺ لعلهم يتحينون الفرص للتخذيل، كما سترى.
لقد استنفر الرسول ﷺ المسلمين للخروج في هذه الغزوة، وهو ما أشارت إليه الآية الكريمة: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ ۚ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ ۚ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ ﴿٣٨﴾ ﴾[التوبة:38]، وكان تثاقلهم بسبب مجيء وقت جني التمر وطيب ثمره واشتهاء الظل لشدة الحر [الطبري: التفسير، من مرسل مجاهد]، وبعد المسافة ومشقة السفر، كما ذكرت الآية: ﴿ لَوْ كَانَ عَرَضًا قَرِيبًا وَسَفَرًا قَاصِدًا لَاتَّبَعُوكَ وَلَٰكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ ۚ وَسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَوِ اسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ ﴾ [التوبة:42] [الطبري: التفسير، من مرسل قتادة، حسن].
وتخلف عن الغزوة كثير من الأعراب والمنافقين، وعدد قليل من الصحابة من أهل الأعذار، وثلاثة ممن لم يكن لهم عذر عن الجهاد، وسيأتي ذكرهم.