وقفة مع بعض الآيات التي نزلت بمناسبة غزوة تبوك:
نزلت آيات كثيرة من سورة براءة - التوبة - حول موضوع هذه الغزوة، نزل بعضها قبل الخروج، وبعضها بعد الخروج وهو مسافر، وبعض آخر منها بعد الرجوع إلى المدينة. وقد اشتملت على ذكر ظروف الغزوة، وفضح المنافقين، وفضل المجاهدين المخلصين، وقبول التوبة من المؤمنين الصادقين، الخارجين منهم في الغزوة والمتخلفين.
1- قال تعالى: ﴿ وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴿١٠٢﴾ ﴾[التوبة:102].
قال الطبري [التفسير]: (وقد اختلف أهل التأويل في المعني بهذه الآية، والسبب الذي من أجله أنزلت فيه. فقال بعضهم: نزلت في عشرة أنفس كانوا تخلفوا عن رسول الله ﷺ في غزوة تبوك، منهم أبو لبابة، فربط سبعة منهم أنفسهم إلى سواري المسجد عند مقدم النبي ﷺ من تبوك، توبة منهم من ذنبهم... وقال آخرون: الذين ربطوا أنفسهم كانوا ثمانية... وقال آخرون: كانوا سبعة... وقال آخرون: بل نزلت في أبي لبابة بسبب تخلفه عن تبوك. وقال بعضهم: عنى بهذه الآية الأعراب...)، وذكر الطبري المرويات فيمن قال بكل قول من الأقوال المذكورة... وكلها روايات لا تقوم بها الحجة حسب دراسة الدكتور السندي [الذهب] لها، ولذا قال الطبري [في التفسير]: (وأولى هذه الأقوال بالصواب في ذلك، قول من قال: نزلت هذه الآية في المعترفين بخطأ فعلهم في تخلفهم عن رسول الله ﷺ، وتركهم الجهاد معه، والخروج لغزو الروم، حين شخص إلى تبوك، وأن الذين نزل ذلك فيهم جماعة، أحدهم أبو لبابة... قد تبين أن هذه الصفة لم تكن إلا لجماعة فعلت ذلك، فيما نقله أهل السير والأخبار وأجمع عليه أهل التأويل، إلا جماعة من المتخلفين عن غزوة تبوك... منهم أبو لبابة، لإِجماع الحجة من أهل التأويل على ذلك).
2- قال الله تعالى: ﴿ وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ ۚ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ ﴿٦٥﴾ ﴾[التوبة:65]
روى الطبري [بسند صحيح] عدة آثار في سبب نزول هذه الآية، منها أثر صحيح عن ابن عمر مضمونه أن رجلًا قال في مجلس في غزوة تبوك: ما رأينا مثل قرائنا هؤلاء أرغب بطونًا، ولا أكذب ألسنًا، ولا أجبن عند اللقاء، فقال رجل في المجلس: كذبت، ولكنك منافق، لأخبرن رسول الله ﷺ. فبلغ ذلك النبي ﷺ، ونزل القرآن؛ قال ابن عمر: فأنا رأيته متعلقًا بِحَقَبِ ناقة رسول الله ﷺ تَنْكُبُهُ [تصيبه] الحجارة، وهو يقول: يا رسول الله إنما كنا نخوض ونلعب، ورسول الله ﷺ يقول: «أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزئون، لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم». واستدل بعضهم بهذه الآية على أن الجد واللعب في إظهار كلمة الكفر سواء ولا خلاف بين الأئمة في ذلك. [زاد المسير]. [وحَقَب: حبل يشد به الرحل على بطن البعير].
ويقول الله تعالى تعقيبًا على ما صدر من هذا الرجل: ﴿ لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ ۚ إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ ﴿٦٦﴾ ﴾[التوبة:66].
ومما روي في تفسير هذه الآية أن الذي عُفِيَ عنه هو وحشي بن حمير الأشجعي، وذلك لأنه أنكر منهم بعض ما سمع. [الدر المنثور، من حديث ابن إسحاق وابن المنذر بسند حسن].