سبل الهدى الرشاد في سيرة خير العباد للشامي (12/21)
قال القاضي أبو الفضل رضي الله عنه: قد تقدّم من الكتاب والسّنّة وإجماع الأمّة ما يجب من الحقوق للنبي صلى الله عليه وسلم، وما يتعيّن له من برّ وتوقير، وتعظيم وإكرام، وبحسب هذا حرّم الله تعالى أذاه في كتابه، وأجمعت الأمة على قتل متنقّصه من المسلمين وسابّه، قال الله تعالى:
إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذاباً مُهِيناً.
وقال تعالى: وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ.
وقال الله تعالى: وَما كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْواجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَداً، إِنَّ ذلِكُمْ كانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيماً.
وقال تعالى في تحريم التعريض به: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقُولُوا راعِنا وَقُولُوا انْظُرْنا وَاسْمَعُوا وَلِلْكافِرِينَ عَذابٌ أَلِيمٌ.
وذلك أن اليهود كانوا يقولون: راعنا يا محمد، أي أرعنا سمعك، واسمع منا، ويعرّضون بالكلمة، يريدون الرّعونة، فنهى الله المؤمنين عن التشبّه بهم، وقطع الذريعة بنهي المؤمنين عنها، لئلا يتوصّل بها الكافر والمنافق إلى سبّه والاستهزاء به.
وقيل: بل لما فيها من مشاركة اللفظ، لأنها عند اليهود بمعنى اسمع لا سمعت.
وقيل: بل لما فيها من قلّة الأدب، وعدم توقير النبي صلى الله عليه وسلم وتعظيمه، لأنها في لغة الأنصار بمعنى: ارعنا نرعك، فنهوا عن ذلك، إذ مضمّنه أنهم لا يرعونه إلا برعايته لهم، وهو- صلى الله عليه وسلم- واجب الرعاية بكل حال،
وهذا هو صلى الله عليه وسلم قد نهى عن التكني بكنيته، فقال: تسموا باسمي، ولا تكنّوا بكنيتي، صيانة لنفسه، وحماية عن أذاه، إذ كان صلى الله عليه وسلم استجاب لرجل نادى:
يا أبا القاسم، فقال: لم أعنك، إنما دعوت هذا، فنهى حينئذ عن التكنّي بكنيته لئلا يتأذّى بإجابة دعوة غيره لمن لم يدعه،
ويجد بذلك المنافقون والمستهزئون ذريعة إلى أذاه والإزراء به، فينادونه، فإذا التفت قالوا: إنما أردنا هذا- لسواه- تعنيتا له، واستخفافا بحقه على عادة المجان والمستهزئين، فحمى صلى الله عليه وسلم حمى أذاه بكل وجه، فحمل محقّقو العلماء نهيه عن هذا على مدة حياته، وأجازوه بعد وفاته لارتفاع العلّة.
وللناس في هذا الحديث مذاهب ليس هذا موضعها، وما ذكرناه هو مذهب الجمهور، والصواب إن شاء الله. وإنّ ذلك على طريق تعظيمه وتوقيره، وعلى سبيل النّدب والاستحباب، لا على التحريم، ولذلك لم ينه عن اسمه، لأنه قد كان الله منع من ندائه به بقوله: لا تَجْعَلُوا دُعاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً، وإنما كان المسلمون يدعونه برسول الله، وبنبيّ الله، وقد يدعوه- بكنيته أبا القاسم- بعضهم في بعض الأحوال.
سبل الهدى الرشاد في سيرة خير العباد للشامي (12/22)
اعلم- وفقنا الله وإياك- أن جميع من سب النبي صلى الله عليه وسلم، أو عابه، أو ألحق به نقصا في نفسه أو نسبه أو دينه، أو خصلة من خصاله، أو عرض به، أو شبهه بشيء على طريق السب له، أو الإزراء عليه، أو التصغير لشأنه، أو الغض منه، والعيب له، فهو ساب له، والحكم فيه حكم الساب، يقتل كما نبينه، ولا نستثني فصلا من فصول هذا الباب على هذا المقصد، ولا نمتري فيه تصريحا كان أو تلويحا.
وكذلك من لعنه أو دعا عليه، أو تمنى مضرة له، أو نسب إليه ما لا يليق بمنصبه على طريق الذم، أو عبث في جهته العزيزة بسخف من الكلام وهجر، ومنكر من القول وزور، أو عيره بشيء مما جرى من البلاء والمحنة عليه، أو غمصه ببعض العوارض البشرية الجائزة والمعهودة لديه.
وهذا كله إجماع من العلماء وأئمة الفتوى من لدن الصحابة رضوان الله عليهم إلى هلم جرا.
وقال أبو بكر بن المنذر: أجمع عوام أهل العلم على أن من سب النبي صلى الله عليه وسلم يقتل، وممن قال ذلك مالك بن أنس، والليث، وأحمد، وإسحاق، وهو مذهب الشافعي.
قال القاضي أبو الفضل: وهو مقتضى قول أبي بكر الصديق رضي الله عنه، ولا تقبل توبته عند هؤلاء المذكورين.
وبمثله قال أبو حنيفة، وأصحابه، والثوري وأهل الكوفة، والأوزاعي في المسلم، لكنهم قالوا: هي ردة.
روى مثله الوليد بن مسلم عن مالك.
وحكى الطبري مثله عن أبي حنيفة وأصحابه فيمن تنقصه صلى الله عليه وسلم، أو برئ منه أو كذبه.
وقال سحنون فيمن سبه: ذلك ردة كالزندقة.
سبل الهدى الرشاد في سيرة خير العباد للشامي (12/24)
وعلى هذا وقع الخلاف في استتابته وتكفيره، وهل قتله حد أو كفر؟ كما سنبينه في الباب الثالث إن شاء الله تعالى، ولا نعلم خلافًا في استباحة دمه بين علماء الأمصار وسلف الأمة، وقد ذكر غير واحد الإجماع على قتله وتكفيره، وأشار بعض الظاهرية- وهو أبو محمد علي بن أحمد الفارسي إلى الخلاف في تكفير المستخف به، والمعروف ما قدمناه،
قال محمد بن سحنون: أجمع العلماء أن شاتم النبي صلى الله عليه وسلم المتنقص له كافر، والوعيد جار عليه بعذاب الله، وحكمه عند الأمة القتل، ومن شك في كفره وعذابه كفر.
واحتج إبراهيم بن حسين بن خالد الفقيه في مثل هذا بقتل خالد بن الوليد مالك بن نويرة لقوله- عن النبي صلى الله عليه وسلم: صاحبكم.
وقال أبو سليمان الخطابي: لا أعلم أحدًا من المسلمين اختلف في وجوب قتله إذا كان مسلمًا.
وقال ابن القاسم- عن مالك في كتاب ابن سحنون، والمبسوط، والعتبية، وحكاه مطرف عن مالك في كتاب ابن حبيب: من سب النبي صلى الله عليه وسلم من المسلمين قتل، ولم يستتب.
قال ابن القاسم في العتبية: من سبه أو شتمه أو عابه أو تنقصه فإن يقتل، وحكمه عند الأمة القتل كالزنديق.
وقد فرض الله تعالى توقيره وبره. وفي المبسوط- عن عثمان بن كنانة: من شتم النبي صلى الله عليه وسلم من المسلمين قتل أو صلب حيا ولم يستتب والإمام مخير في صلبه حيا أو قتله.
ومن رواية أبي المصعب، وابن أبي أويس: سمعنا مالكا يقول: من سب رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو شتمه، أو عابه، أو تنقصه- قتل مسلما كان أو كافرا، ولا يستتاب.
وفي كتاب محمد: أخبرنا أصحاب مالك أنه قال: من سب النبي صلى الله عليه وسلم أو غيره من النبيين من مسلم أو كافر قتل ولم يستتب.
وقال أصبغ: يقتل على كل حال أسر ذلك أو أظهره، ولا يستتاب، لأن توبته لا تعرف.
وقال عبد الله بن الحكم: من سب النبي صلى الله عليه وسلم من مسلم أو كافر قتل ولم يستتب.
وحكى الطبري مثله عن أشهب، عن مالك.
وروى ابن وهب، عن مالك: من قال: إن رداء النبي صلى الله عليه وسلم-.
ويروي زر النبي صلى الله عليه وسلم- وسخ، أراد عيبه- قتل.
وقال بعض علمائنا: أجمع العلماء على أن من دعا على نبي من الأنبياء بالويل، أو بشيء من المكروه- أنه يقتل بلا استتابة.
وأفتى أبو الحسن القابسي فيمن قال في النبي صلى الله عليه وسلم: الحمال يتيم أبي طالب بالقتل.وأفتى أبو محمد بن أبي زيد بقتل رجل سمع قوما يتذاكرون صفة النبي صلى الله عليه وسلم إذ مر بهم رجل قبيح الوجه واللحية، فقال لهم: تريدون تعرفون صفته، هي في صفة هذا المار في خلقه ولحيته. قال: ولا تقبل توبته.
وقد كذب- لعنه الله، وليس يخرج من قلب سليم الإيمان.
وقال أحمد بن أبي سليمان صاحب سحنون: من قال: إن النبي صلى الله عليه وسلم كان أسود يقتل.
وقال في رجل قيل له: لا، وحق رسول الله. فقال: فعل الله برسول الله كذا وكذا- وذكر كلاما قبيحا، فقيل له: ما تقول يا عدو الله؟ فقال أشد من كلامه الأول، ثم قال: إنما أردت برسول الله العقرب. فقال ابن أبي سليمان الذي سأله: اشهد عليه وأنا شريكك- يريد في قتله وثواب ذلك.
قال حبيب بن الربيع: لأن ادعاءه التأويل في لفظ صراح لا يقبل، لأنه امتهان، وهو غير معزز لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا موقر له، فوجب إباحة دمه.
وأفتى أبو عبد الله بن عتاب في عشار قال لرجل: أد واشك إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وقال: إن سألت أو جعلت فقد جهل وسأل النبي صلى الله عليه وسلم- بالقتل.
وأفتى فقهاء الأندلس بقتل ابن حاتم المتفقه الطليطلي وصلبه بما شهد عليه به من استخفافه بحق النبي صلى الله عليه وسلم وتسميته إياه أثناء مناظرته باليتيم، وختن حيدرة، وزعمه أن زهده لم يكن قصدا، ولو قدر على الطيبات أكلها، إلى أشباه لهذا.
وأفتى فقهاء القيروان وأصحاب سحنون بقتل إبراهيم الفزاري، وكان شاعرا متفننا في كثير من العلوم، وكان ممن يحضر مجلس القاضي أبي العباس بن طالب للمناظرة، فرفعت عليه أمور منكرة من هذا الباب في الاستهزاء بالله وأنبيائه ونبينا صلى الله عليه وسلم، فأحضر له القاضي يحيى بن عمر وغيره من الفقهاء، وأمر بقتله وصلبه، فطعن بالسكين، وصلب منكسا، ثم أنزل وأحرق بالنار.
وحكى بعض المؤرخين أنه لما رفعت خشبته، وزالت عنها الأيدي استدارت، وحولته عن القبلة، فكان آية للجميع، وكبر الناس، وجاء كلب فولغ في دمه، فقال يحيى بن عمر:
صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذكر حديثا عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: لا يلغ الكلب في دم مسلم.
وقال القاضي أبو عبد الله بن المرابط: من قال: إن النبي صلى الله عليه وسلم هزم يستتاب، فإن تاب وإلا قتل، لأنه تنقص، إذ لا يجوز ذلك عليه في خاصته، إذ هو على بصيرة من أمره، ويقين من عصمته.وقال حبيب بن ربيع القروي: مذهب مالك وأصحابه أن من قال فيه صلى الله عليه وسلم: ما فيه نقص قتل دون استتابة.
وقال ابن عتاب: الكتاب والسنة موجبان أن من قصد النبي صلى الله عليه وسلم بأذى أو نقص، معرضا أو مصرحا، وإن قل- فقتله واجب، فهذا الباب كله مما عده العلماء سبا أو تنقصا يجب قتل قائله، لم يختلف في ذلك متقدمهم ولا متأخرهم، وإن اختلفوا في حكم قتله على ما أشرنا إليه ونبينه بعد.
وكذلك أقول: حكم من غمصه أو عيره برعاية الغنم أو السهو أو النسيان أو السحر، أو ما أصابه من جرح أو هزيمة لبعض جيوشه، أو أذى من عدوه، وشدة من زمنه، أو بالميل إلى نسائه، فحكم هذا كله لمن قصد به نقصه القتل.
وقد مضى من مذاهب العلماء في ذلك، ويأتي ما يدل عليه.
سبل الهدى الرشاد في سيرة خير العباد للشامي (12/26)
قال القاضي: [فأمّا الذّمّي إذا صرّح بسبّه أو عرّض، أو استخفّ بقدره، أو وصفه بغير الوجه الذي كفر به- فلا خلاف عندنا في قتله إن لم يسلم، لأنّا لم نعطه الذمّة أو العهد على هذا، وهو قول عامة الفقهاء، إلا أبا حنيفة والثوريّ وأتباعهما من أهل الكوفة، فإنهم قالوا: لا يقتل، ما هو عليه من الشّرك أعظم، ولكن يؤدب ويعزّر.
واستدلّ بعض شيوخنا على قتله بقوله تعالى: وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ، إِنَّهُمْ لا أَيْمانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ.
ويستدلّ عليه أيضا بقتل النبي صلى الله عليه وسلم لابن الأشرف وأشباهه، ولأنّا لم نعاهدهم، ولم نعطهم الذّمّة على هذا، ولا يجوز لنا أن نفعل ذلك معهم، فإذا أتوا ما لم يعطوا عليه العهد ولا الذمّة فقد نقضوا ذمّتهم، وصاروا كفارا يقتلون لكفرهم.
وأيضا فإنّ ذمّتهم لا تسقط حدود الإسلام عنهم، من القطع في سرقة أموالهم، والقتل لمن قتلوه منهم، وإن كان ذلك حلالا عندهم فكذلك سبّهم للنبي صلى الله عليه وسلم يقتلون به.
ووردت لأصحابنا ظواهر تقتضي الخلاف إذا ذكره الذميّ بالوجه الذي كفر به، ستقف عليها من كلام ابن القاسم وابن سحنون بعد.
وحكى أبو المصعب الخلاف فيها عن أصحابه المدنيين.
واختلفوا إذا سبّه ثم أسلم، فقيل: يسقط إسلامه قتله، لأن الإسلام يجبّ ما قبله، بخلاف المسلم إذا سبّه ثم تاب، لأنّا نعلم باطنة الكافر في بغضه له، وتنقّصه بقلبه، لكنّا منعناه من إظهاره، فلم يزدنا ما أظهره إلا مخالفة للأمر، ونقضا للعهد، فإذا رجع عن دينه الأول إلى الإسلام سقط ما قبله، قال الله تعالى: قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ ما قَدْ سَلَفَ.
والمسلم بخلافه، إذ كان ظنّنا بباطنه حكم ظاهره، وخلاف ما بدا منه الآن، فلم نقبل بعد رجوعه، ولا استنمنا إلى باطنه، إذ قد بدت سرائره، وما ثبت عليه من الأحكام باقية عليه لا يسقطها شيء.
وقيل: لا يسقط إسلام الذميّ السابّ قتله، لأنه حقّ للنبي صلى الله عليه وسلم وجب عليه، لانتهاكه حرمته، وقصده إلحاق النّقيصة والمعرّة به، فلم يكن رجوعه إلى الإسلام بالذي يسقطه، كما وجب عليه من حقوق المسلمين من قبل إسلامه من قتل وقذف، وإذا كنّا لا نقبل توبة المسلم فإنّا لا نقبل توبة الكافر أولى.وقال مالك في كتاب ابن حبيب، والمبسوط، وابن القاسم، وابن الماجشون، وابن عبد الحكم، وأصبغ- فيمن شتم نبيّنا من أهل الذّمّة أو أحدا من الأنبياء عليهم السلام قتل إلا أن يسلم، وقاله ابن القاسم في العتبية، وعند محمد، وابن سحنون.
وقال سحنون وأصبغ: لا يقال له: أسلم، ولا لا تسلم، ولكن إن أسلم فذلك له توبة.
وفي كتاب محمد: أخبرنا أصحاب مالك أنه قال: من سب رسول الله صلى الله عليه وسلم أو غيره من الأنبياء من مسلم أو كافر قتل ولم يستتب.
وروي لنا عن مالك: إلّا أن يسلم الكافر.
وقد روى ابن وهب، عن ابن عمر- أنّ راهبا تناول النبي صلى الله عليه وسلم! فقال ابن عمر: فهلّا قتلتموه! وروى عيسى عن ابن القاسم في ذمّيّ قال: إن محمدا لم يرسل إلينا، إنما أرسل إليكم، وإنما نبيّنا موسى أو عيسى، ونحو هذا: لا شيء عليهم، لأن الله تعالى أقرّهم على مثله.
وأمّا إن سبّه فقال: ليس بنبيّ، أو لم يرسل، أو لم ينزّل عليه قرآن، وإنما هو شيء تقوّله أو نحو هذا فيقتل.
وقال ابن القاسم: وإذا قال النصرانيّ: ديننا خير من دينكم، وإنما دينكم دين الحمير، ونحو هذا من القبيح، أو سمع المؤذّن يقول: أشهد أن محمدا رسول الله، فقال: كذلك يعطيكم الله، ففي هذا الأدب الموجع والسجن الطّويل.
قال: وأمّا إن شتم النبي صلى الله عليه وسلم شتما يعرف فإنه يقتل إلا أن يسلم، قاله مالك غير مرّة، ولم يقل: يستتاب.
قال ابن القاسم: ومحمل قوله عندي إن أسلم طائعا.
وقال ابن سحنون في سؤالات سليمان بن سالم في اليهوديّ يقول للمؤذّن، إذا تشهّد:
كذبت- يعاقب العقوبة الموجعة مع السّجن الطويل.
وفي النوادر من رواية سحنون عنه: من شتم الأنبياء من اليهود والنصارى بغير الوجه الذي به كفروا ضربت عنقه إلّا أن يسلم.
قال محمد بن سحنون: فإن قيل: لم قتلته في سبّ النبي صلى الله عليه وسلم ومن دينه سبّه وتكذيبه؟
قيل: لأنا لم نعطهم العهد على ذلك، ولا على قتلنا، وأخذ أموالنا، فإذا قتل واحدا منا قتلناه، وإن كان من دينه استحلاله، فكذلك إظهاره لسبّ نبينا صلى الله عليه وسلم.
قال سحنون: كما لو بذل هنا أهل الحرب الجزية على إقرارهم على سبّه لم يجز لنا ذلك في قول قائل.
سبل الهدى الرشاد في سيرة خير العباد للشامي (12/30)
فحدثنا الشيخ أبو عبد الله أحمد بن غلبون، عن الشيخ أبي ذر الهروي إجازة، قال: حدثنا أبو الحسن الدارقطني، وأبو عمر بن حيوة، حدثنا محمد بن نوح، حدثنا عبد العزيز بن محمد بن الحسن بن زبالة، حدثنا عبد الله بن موسى بن جعفر، عن علي بن موسى، عن أبيه، عن جده، عن محمد بن علي بن الحسين، عن أبيه، عن الحسين بن علي، عن أبيه- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: من سب نبيا فاقتلوه، ومن سب أصحابي فاضربوه.
وفي الحديث الصحيح: أمر النبي صلى الله عليه وسلم بقتل كعب بن الأشرف. وقوله: من لكعب بن الأشرف فإنه يؤذي الله ورسوله. توجه إليه من قتله غيلة دون دعوة، بخلاف غيره من المشركين، وعلل قتله بأذاه له، فدل أن قتله إياه لغير الإشراك، بل للأذى.
وكذلك قتل أبا رافع، قال البراء: وكان يؤذي رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويعين عليه.
وكذلك أمره يوم الفتح بقتل ابن خطل وجاريتيه اللتين كانتا تغنيان بسبه صلى الله عليه وسلم.
وفي حديث آخر أن رجلا كان يسبه- صلى الله عليه وسلم، فقال: من يكفيني عدوي؟ فقال خالد: أنا، فبعثه صلى الله عليه وسلم فقتله، وكذلك لم يقل جماعة ممن كان يؤذيه من الكفار ويسبه، كالنضر بن الحارث، وعقبة ابن أبي معيط.
وعهد بقتل جماعة منهم قبل الفتح وبعده، فقتلوا إلا من بادر بإسلامه قبل القدرة عليه.
وقد روى البزار، عن ابن عباس- أن عقبة بن أبي معيط نادى: يا معشر قريش، ما لي أقتل من بينكم صبرا! فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: بكفرك وافترائك على رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وذكر عبد الرزاق أن النبي صلى الله عليه وسلم سبه رجل، فقال: من يكفيني عدوي؟ فقال الزبير: أنا، فبارزه فقتله الزبير.
وروى أيضا أن امرأة كانت تسبه صلى الله عليه وسلم، فقال: من يكفيني عدوتي؟ فخرج إليها خالد ابن الوليد فقتلها.
وروي أن رجلا كذب على النبي صلى الله عليه وسلم، فبعث عليا والزبير إليه ليقتلاه.وروى ابن قانع أن رجلا جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله، سمعت أبي يقول فيك قولا قبيحا فقتلته! فلم يشق ذلك على النبي صلى الله عليه وسلم.
وبلغ المهاجر بن أبي أمية أمير اليمن لأبي بكر رضي الله عنه أن امرأة هناك في الردة غنت بسب النبي صلى الله عليه وسلم، فقطع يدها، ونزع ثنيتها، فبلغ أبا بكر رضي الله عنه ذلك، فقال له: لولا ما فعلت لأمرتك بقتلها، لأن حد الأنبياء ليس بشبه الحدود.
وعن ابن عباس: هجت امرأة من خطمة النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: من لي بها؟ فقال رجل من قومها: أنا يا رسول الله. فنهض فقتلها، فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: لا ينتطح فيها عنزان.
وعن ابن عباس أن أعمى كانت له أم ولد تسب النبي صلى الله عليه وسلم فيزجرها فلا تنزجر، فلما كانت ذات ليلة جعلت تقع في النبي صلى الله عليه وسلم وتشتمه، فقتلها، وأعلم النبي صلى الله عليه وسلم بذلك، فأهدر دمها.
وفي حديث أبي برزة الأسلمي: كنت يوما جالسا عند أبي بكر الصديق، فغضب على رجل من المسلمين- وحكى القاضي إسماعيل وغير واحد من الأئمة في هذا الحديث أنه سب أبا بكر.
ورواه النسائي: أتيت أبا بكر، وقد أغلظ لرجل فرد عليه، قال: فقلت: يا خليفة رسول الله، دعني أضرب عنقه. فقال: اجلس، فليس ذلك لأحد إلا لرسول الله صلى الله عليه وسلم.
قال القاضي أبو محمد بن نصر: ولم يخالف عليه أحد، فاستدل الأئمة بهذا الحديث على قتل من أغضب النبي صلى الله عليه وسلم بكل ما أغضبه أو آذاه أو سبه.
ومن ذلك كتاب عمر بن عبد العزيز إلى عامله بالكوفة، وقد استشاره في قتل رجل سب عمر رضي الله عنه، فكتب إليه عمر: إنه لا يحل قتل امرئ مسلم بسب أحد من الناس إلا رجلا سب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فمن سبه فقد حل دمه.
وسأل الرشيد مالكا في رجل شتم النبي صلى الله عليه وسلم، وذكر له أن فقهاء العراق أفتوه بجلده، فغضب مالك، وقال: يا أمير المؤمنين، ما بقاء الأمة بعد شتم نبيها! من شتم الأنبياء قتل، ومن شتم أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم جلد.
قال القاضي أبو الفضل رحمه الله تعالى: كذا وقع في هذه الحكاية، ورواها غير واحد من أصحاب مناقب مالك ومؤلفي أخباره وغيرهم، ولا أدري من هؤلاء الفقهاء بالعراق الذين أفتوا الرشيد بما ذكر! وقد ذكرنا مذهب العراقيين بقتله، ولعلهم ممن لم يشهر بعلم، أو من لا يوثق بفتواه، أو يميل به هواه بقتله أو يكون ما قاله يحمل على غير السب، فيكون الخلاف: هل هو سب أو غير سب؟ أو يكون رجع وتاب من سبه، فلم يقله لمالك على أصله، وإلا فالإجماع على قتل من سبه كما قدمناه.
ويدل على قتله من جهة النظر والاعتبار أن من سبه أو تنقصه صلى الله عليه وسلم فقد ظهرت علامة مرض قلبه، وبرهان سر طويته وكفره، ولهذا ما حكم له كثير من العلماء بالردة، وهي رواية الشاميين عن مالك والأوزاعي، وقول الثوري، وأبو حنيفة، والكوفيين.
والقول الآخر أنه دليل على الكفر، فيقتل حدا، وإن لم يحكم له بالكفر إلا أن يكون متماديا على قوله، غير منكر له، ولا مقلع عنه، فهذا كافر، وقوله: إما صريح كفر كالتكذيب ونحوه، أو من كلمات الاستهزاء والذم، فاعترافه بها وترك توبته عنها دليل استحلاله لذلك، وهو كفر أيضا، فهذا كافر بلا خلاف، قال الله تعالى في مثله: يحلفون بالله ما قالوا ولقد قالوا كلمة الكفر وكفروا بعد إسلامهم.
قال أهل التفسير: هي قولهم: إن كان ما يقول محمد حقا لنحن شر من الحمير.
وقيل: قول بعضهم: ما مثلنا ومثل محمد إلا قول القائل: سمن كلبك يأكلك.
وقد قيل: إن قائل مثل هذا إن كان مستترا به إن حكمه حكم الزنديق يقتل، ولأنه قد غير دينه، وقد قال صلى الله عليه وسلم: «من غير دينه فاضربوا عنقه»، ولأن لحكم النبي صلى الله عليه وسلم في الحرمة مزية على أمته، وساب الحر من أمته يحد، فكانت العقوبة لمن سبه صلى الله عليه وسلم القتل، لعظيم قدره، وشفوف منزلته على غيره.