موسوعة الإعجاز العلمي ص(234)
نأتي بعد ذلك إلى قول الله تعالى: (النبأ: 6، 7) هاتان الآيتان الكريمتان جاءتا في مقدمات سورة النبأ، وهي سورة مكية، وعدد آياتها أربعون آية، ويدور محورها حول قضية العقيدة، والعقيدة هي تلك القضية الغيبية التي لا يمكن للإنسان أن يصل فيها إلى تصور صحيح بغير هداية ربانية، ومن هنا كانت من قواعد الدين الذي من لوازم صحته أن يكون وحي ً ارباني ًّ اخالص ً الا يداخله أدنى قدر من التصورات البشرية.
ومن أصول العقيدة الإسلامية الإيمان بالبعث وبالحساب والجزاء وبالخلود في حياة قادمة إما في الجنة أبدا أو في النار أبدا، والإيمان بالبعث هو موضوع سورة النبأ ومحورها الأساسي، وذلك لأن إنكار البعث كان حجة كفار قريش كما كان حجة الكفار والمتشككين عبر التاريخ في نبذهم للدين كفرا برب العالمين، وجهلا بطلاقة قدرته التي لا تحدها حدود، أو قياس ً اللقدرة الإلهية بقدرات البشر المحدودة ظلما وعدوانا وجهلا بمدلول الألوهية الحقة، ومن ثم عجز الكافرون عن تصور إمكانية البعث أو تعاجزوا عنه؛ انصياعًا لشهواتهم التي يرون ممارستها دون أدنى مسئولية أو مساءلة، فانطلقوا في إنكار البعث وما يستتبعه من الحساب والجزاء، وفي التشكيك في كل ذلك، وهو من صلب الدين الذي جاء به آلاف من الأنبياء ومئات من المرسلين، وتكامل في بعثة النبي والرسول الخاتم - صلى الله وسلم وبارك عليه.
ومن أجل التأكيد على حقيقة البعث بعد الموت، وما يستتبعه من حساب وجزاء ابتدأت سورة النبأ باستنكار تساؤل الكافرين عنه تساؤل المنكر له أوالمتشكك في إمكانية وقوعه، وألمحت بالتهديد القاطع لكل منكر أو متشكك في تلك الحقيقة الربانية الحاسمة، ثم أوردت عددًا من الآيات الكونية الدالة على طلاقة القدرة الإلهية في إبداع الخلق لتكون شاهدة على أن الخالق المبدع قادر على إفناء خلقه وعلى إعادة بعثه، ولذلك أكدت السورة على حقيقة يوم البعث وأهواله وسمته باسم يوم الفصل؛ لأنه يوم قد وقته ربنا - سبحانه - للفصل بين العباد حيث سيجمع له كافة الخلق من الأولين والآخرين بعد فنائهم أجمعين، وفناء الكون كله من حولهم؛ وذلك لحسابهم على ما قد قدموا في حياتهم الدنيا، ولجزائهم الجزاء الأوفى على ذلك.
ثم تعرج بنا السورة على بعض صور العقاب الذي أعده ربنا - سبحانه - للطاغين من الكفار والمشركين والمتجبرين في الأرض من المنكرين لدين الله والمكذبين بآياته والغافلين عن حسابه، وذلك بإدخالهم إلى جهنم وبئس المصير التي تترصد بهم وتستعد لاستقبالهم، وفيها من صور العذاب المهين ما نسال الله تعالى أن يجيرنا منه.
وللمقارنة بين مصير هؤلاء الطاغين المكذبين ومصير عباد الله الصالحين تحدثت السورة عن شيء من جزاء المتقين الذي تضمن جنات ونعيم مقيم فضلًا ورحمة من رب العالمين. وختمت السورة الكريمة بتصوير شيء من أهوال يوم القيامة، وبدعوة الناس كافة إلى الاستعداد لهذا اليوم الذي سوف يعود الخلق فيه إلى الله؛ ليقفوا جميعًا بين يديه للحساب، وأن يأخذوا حذرهم حتى تحسن عودتهم ويهون حسابهم فينجوا من العذاب المهين ويتنعموا في جنات النعيم المقيم، وتضمن ختام سورة النبأ التحذير من عذاب يوم القيامة حيث ينظر كل إنسان صحيفة أعماله في هذه الحياة، وفيها كل ما قد قدمت يداه فيحمد المتقون الله لى حسن هدايته وتوفيقه، ويتمنى كل كافر لو يستحيل ترابا؛ أملا في تحاشي هول هذا اليوم وهول المصير الأسود من بعده، ولكن هيهات هيهات أن يفر أحد من حساب الله وجزائه العادل.
ومن الآيات الكونية التي قدمها ربنا بين يدي سورة النبأ شاهدة له - سبحانه - بطلاقة القدرة في إبداعه لخلقه ومؤكدة إمكانية البعث بل حتميته وحقيقته قوله تعالى: وهاتان الآيتان يمر عليهما الإنسان دون إدراك حقيقي لفضل الله تعالى في الإنعام بهما ولا بعمق الدلالة العلمية في كل منهما، لأن حقيقة ذلك لم يدركها العلماء المتخصصون إلا في العقود المتأخرة من القرن العشرين، وهذا السبق القرآني صورة من صور الإعجاز العلمي في كتاب الله، لكن سنبدأ أولا في شرح الدلالة اللغوية لألفاظ الآيتين الكريمتين، واستعراض سريع لأقوال المفسرين فيهما.الدلالة اللغوية:
أولًا: المهاد والمهد في اللغة العربية الممهد الموطأ من كل شيء، ويطلق على الفراش لبسطه وسهولة وطئه، يقال: م َ هـ َ د َ الفراش، ويقال: م َ هـ َّ د َ الفراش؛ أي بسطه ووطأه، وا لمهد ما يهيأ للصبي من فراش وثير، وتمهيد الأمور إصلاحها وتسويتها يقال: مهدت لك كذا؛ أي هيئته وسويته، وتمهيد العذر هو بسطه وقبوله، وقد جاء ذكر لفظ المهد بتصريفاتها في القرآن الكريم خمس مرات على النحو التالي:
1 - (آل عمران: 46).
2 - وقوله تعالى: (طه: 53).- قوله تعالى: (الروم: 44).
4 - وقوله تعالى: (المدثر: 14).
5 - وقوله تعالى: (الذاريات: 48).
ثانيًا: الجبال، والأجبال جمع جبل وهو المرتفع عما حوله من الأرض ارتفاعا ملحوظا يجعله يعظم ويطول، ودونه التل، ودون التل الربوة والأكنة، ودون الأكنة: النجد أو الهضبة، ودون الهضبة السهل، ويقال: أجبل القوم؛ أي صاروا إلى الجبال بمعنى وصلوا إليها أو دخلوها وسكنوا فيها، ويقال للحية: ابنة الجبل وأن الجبل مأواها، كما يقال لصدى الصوت: ابن الجبل؛ لأن الجبل يردده، ويقال للداهية: ابنة الجبل؛ لأنها تدخل على النفس كأنها الجبل، والجُبلة والجَبلة والجِب ْ لة والجِبِلة القوة البدنية أو صلابة الأرض، والجبال البدن يقال: فلان مجبول؛ أي خطير أو خطير الجبال؛ أي عظيم البُدن أو عظيم البدن تشبيها بالجبل، وتجبل ما عنده؛ أي استنظف، والجبل أيضا ساحة البيت، أو الكثير من كل شيء يقال: مال جبل وحي جبل؛ أي كثير، والجبل الجبلة الجماعة من الناس وفيها قراءات قر ئ بها قوله تعالى: (يس: 62) بكسر الجيم والباء وتشديد اللام كما قرئ بضم أو فتح الجيم أو تسكين الباء جبْلا جَبْلا وهكذا، والجبلة الخلقة أو الفطرة وأصله الوجه وما استقبلك منه.
والأوتاد جمع وَتَد أو وتِد والكسر أولى، وفعله وتد والأمر منه تد بالكسر، والأوتاد قطع من خشب أو حديد غليظة الرأس مدببة النهاية تثبت بها أركان الخيمة في الأرض بدكها حتى يدفن أغلبها في الأرض ويبقى أقلها ظاهرا فوق السطح، تشد بذلك العمق أركان الخيمة إلى الأرض فتثبتها وتجعلها قادرة على مقاومة فعل الرياح والعواصف الهوجاء. ويأتي التعبير بـ (الفجر: 10) استعارة مجازية بمعنى كثير الجنود والعساكر الذين يشدون الملك ويثبتونه، كما تشد الأوتاد أركان الخيام إلى الأرض فتثبتها نظرًا لكثرة خيامهم التي يضربون أوتادها في أرض معسكراتهم، كما قد تأتي في معنى صاحب الأبنية العظيمة الشاهقة التي تشبه في عمق أساساتها أوتاد الجبال وفي ارتفاعها علو الجبال؛ وذلك من مثل قول الحق: (الفجر: 10).أقوال المفسرين في هذه الآية:
ذكر ابن كثير - رحمه الله - في تفسير قول الحق: ؛ أي: ممهدة للخلائق ذلول ً الهم قارة ساكنة ثابتة، وفي قوله تعالى: ؛ أي: جعل لها أوتادا أرساها بها وثبتها وقررها حتى سكنت ولم تضطرب بمن عليها. وذكر صاحب ا (تفسير الجلالين) غفر الله له ما كلاما متشابها؛ إذ قال ا: " أي فراشا كالممهد صالح ً اللحياة عليها، ؛ أي تثبت بها الأرض كما تثبت الخيام بالأوتاد؛ لئلا تميد بكم، والاستفهام للتقرير ".قد ذكر صاحب (صفوة البيان لمعاني القرآن) -رحمه الله- ما نصه: مهادًا؛ أي: فراشا موط أكالمهد لتمكينكم من الاستقرار عليها، والتقلب في أنحائها والانتفاع بما أودعناه لكم فيها، والمهاد مصدر بمعنى ما يمهد، وجعلت به الأرض مهادا مبالغة في جعلها موطئ ًا للناس والدواب يقيمون عليها أو بتقدير مضاف؛ أي ذات مهاد.
قوله: (النبأ: 7)؛ أي كالأوتاد للأرض؛ أي أرسيناها بالجبال لئلا تميد وتضطرب كما يرسى البيت بالأوتاد لئلا تعصف به الرياح، والأوتاد جمع و َ ت َ د أو و َ ت ِ د ووفعله كوعد.
وذكر أصحاب (المنتخب في تفسير القرآن الكريم) ما نصه: ألم يروا من آيات قدرتنا أنا جعلنا الأرض ممهدة للاستقرار عليها والتقلب في أنحائها وجعلنا الجبال أوتادا للأرض تثبتها، وفي تعليق هامش أضافوا ما نصه: يبلغ سمك الجزء الصلب من القشرة الأرضية نحو 60 كيلو مترًا، وتكثر فيه التجاعيد فيرتفع حيث الجبال وينخفض ليكون بطون البحار وقيعان المحيطات، وهو في حالة من التوازن بسبب الضغوط الناتجة من الجبال، ولا يختل هذا التوازن إلا بعوامل التعرية فقشرة الأرض اليابسة ترسيها الجبال كما ترسي الأوتاد الخيمة.
وذكر صاحب (صفوة التفسير) - بارك الله فيه - ما نصه: ؛ أي ألم نجعل هذه الأرض التي تسكنونها ممهدة للاستقرار عليها والتقلب في أنحائها، وجعلناها لكم كالفراش والبساط لتستقروا على ظهرها وتستفيدوا من سهولها الواسعة بأنواع المزروعات، ؛ أي وجعلنا الجبال كالأوتاد للأرض تثبتها لئلا تميد بكم كما يثبت البيت بالأوتاد، فالله - سبحانه وتعالى - شبه الجبال بالأوتاد؛ لأنها تمسك الأرض أن تميد.
موسوعة الإعجاز العلمي (ص236)
من الدلالات العلمية للآيتين الكريمتين، وهما: قول الله تعالى: .
أولًا: في قول الحق - تبارك وتعالى -: استضاءة بمفهوم تحرك ألواح الغلاف الصخري للأرض، وصلت الدراسات الحديثة في هذا المجال إلى أن الأرض بدأت بمحيط غامر، ثم بتصدع قاع ذلك المحيط واندفاع ملايين الأطنان من الصهارة الصخرية عبر تلك الصدوع بدأ تحرك الألواح الصخرية المكونة لذلك القاع متباعدة عن بعضها البعض في أحد أطرافها، ومصطدمة في الأطراف المقابلة، ومنزلقة عبر بقية الأطراف، ونتج عن ذلك تكون أعداد من أقواس الجزر البركانية عند الأطراف المتصادمة، ثم نمت تلك الجزر البركانية بالتدريج إلى القارة الأم أو أم القارات التي تفتت بشبكة هائلة من الصدوع إلى القارات السبع التي نعرفها اليوم.
وظلت هذه القارات في الاندفاع متباعدة عن بعضها البعض حتى وصلت إلى أوضاعها الحالية التي لا تزال تتزحزح عنها إلى اليوم، وباستمرار هذه العملية تمايزت ألواح الغلاف الصخري للأرض إلى الألواح المحيطية وتلك القارية، وبتصادم ألواح قيعان المحيطات بكتل القارات تكونت سلاسل الجبال الشبيهة بجبال الأنديز على الحافة الغربية لأمريكا الجنوبية، وبتصادم ألواح القارات مع بعضها تكونت أعلى السلاسل الجبلية على سطح الأرض؛ من مثل: سلاسل جبال الهمالايا التي نتجت عن اصطدام كتلة الهند بكتلة قارتي آسيا وأوروبا.
ومع تكون الأطراف والمنظومات والسلاسل والأحزمة الجبلية ومجموعاتها المعقدة أصبح سطح الأرض على درجة من وعورة التضاريس لا تسمح بعمرانها، ثم بدأت عمليات التجوية والتحات والتعرية في بر ي تلك المجموعات الجبلية والأخذ من ارتفاعاتها باستمرار، وبنقل الفتات الصخري الناتج عن تلك العمليات إلى أحواض المحيطات والبحار، وبتحرك هذه العمليات بدأت دورة الصخور التي لا تزال تتكرر إلى يومنا الراهن لتكسو منخفضات الأرض بالتربة اللازمة للإنبات والزراعة، ول تركز العديد من الثروات المعدنية ولتزيد من ملوحة البحار والمحيطات بالتدريج حتى تجعلها صالحة لحياة البلايين من الكائنات الحية، ولتحفظ هذا الماء من الفساد ولتركز معادن المتبخرات في صخور الأرض.
ولما كانت عمليات التجوية والتحات والتعرية تزيل كميات كبيرة من الصخور المكونة لمرتفعات سطح الأرض كان من ضرورات الاتزان الأرضي أن تتحرك الصهارة الصخرية تحت الغلاف الصخري للأرض لتعوض فقدان الكتل التي تمت تعريتها، ولتحقق الاتزان الأرضي بتعديل الضغوط في داخل الأرض، ويؤدي ذلك إلى رفع الجبال بطريقة تدريجية، وباستمرار تفاعل تلك القوى المتصارعة من عمليات التجوية والتعرية المقترنة بعمليات تحرك الصهارة الصخرية تحت الغلاف الصخري للأرض وفي داخله، وعمليات رفع الجبال لتحقيق التوازن الأرضي لفترات زمنية طويلة؛ فإنها تنتهي بإنقاص سمك سلسلة الجبال إلى متوسط سمك لوح الغلاف الصخري الذي تتواجد عليه؛ وذلك بسحب جذور الجبال من نطاق الضعف الأرضي ورفعها حتى تظهر على سطح الأرض.وبخروج جذور الجبال من نطاق الضعف الأرضي الذي كانت طافية فيه كما تطفو جبال الجليد في مياه المحيطات؛ فإن الجبال تفقد القدرة على الارتفاع إلى أعلى، وتظل عوامل التعرية في بريها حتى تسويها بسطح الأرض تقريبًا، وحينئذ تنكشف جذور الجبال وبها من الثروات المعدنية ما لا يمكن أن يوجد إلا تحت مثل ظروف أوتاد الجبال التي تتميز بقدر هائل من الضغط والحرارة.
وعلى هذا النحو ف إن الجبال قد لعبت ولا تزال تلعب دورا مهما في بناء قارات الأرض، وفي الزيادة المستمرة لمساحة تلك القارات بإضافة الكتل الجبلية إلى حواف تلك القارات بطريقة مستمرة، ومعنى ذلك أن كل قارات الأرض بدأت بسلاسل من أقواس الجزر البركانية في وسط المحيط الغامر، وأنه باصطدام تلك الجزر كونت القارة الأم التي تفتت بشبكة هائلة من الصدوع إلى القارات السبع التي نعرفها اليوم، والتي ظلت تنزاح متباعدة عن بعضها البعض حتى وصلت إلى أماكنها الحالية، والتي لا تزال تتزحزح عنها وبقيت القارات على هيئة أطواف ومنظومات وسلاسل وأحزمة جبلية معقدة، وأن تلك المرتفعات جعلت سطح الأرض على درجة من وعورة التضاريس لا تسمح بعمرانها، ثم بدأت سلسلة من الصراع بين العمليات الأرضية الداخلية البانية للجبال والرافعة لها، والعمليات الهدمية الخارجية التي تعريها، وفي نهاية هذا الصراع تنتصر العوامل الهدمية الخارجية فتسوى الجبال وتخفض من ارتفاعاتها بالتدريج في محاولة للوصول بها إلى مستوى سطح البحر.
ولذلك فإن كل سهول ومنخفضات اليابسة الحالية كانت في يوم من الأيام جبالا شاهقة، ثم عرتها عوامل التجوية والتحات والتعرية حتى أوصلتها إلى مستوياتها الحالية، وأن الكتل الصخرية القديمة التي تعرف باسم الرواسخ أو المجن وهي كتل مستقرة نسبيا موجودة في أواسط القارات ما هي في الحقيقة إلا جذور السلاسل الجبلية القديمة التي تم تعريتها.
هذه العمليات المعقدة من الصراع بين القوى البانية في داخل الأرض والقوى الهدمية من خارجها؛ هي التي أدت بأمر من الخالق - سبحانه - إلى بناء القارات ورفعها فوق مستوى البحار والمحيطات على هيئة مجموعات من أطواف ومنظومات وسلاسل وأحزمة جبلية شاهقة ظلت تضاف إلى بعضها البعض بانتظام وبطء لتزيد من مساحة القارات التي كانت في بادئ الأمر جبلية وعرة لا تسمح وعورتها بعمرانها، ثم بدأت عوامل التعرية في الأخذ من تلك الجبال الشاهقة بالتدريج حتى حولتها إلى السهول الواسعة والهضاب والنجود المنخفضة والأودية المحفورة والرواسخ الثابتة التي تشكل أواسط القارات اليوم حتى وصلت الأرض إلى صورتها المناسبة للعمران، ولذلك يمن علينا ربنا - سبحانه - بتمهيد الأرض ويلوم المنكرين للبعث بتوجيه هذا اللوم من الاستفهام التقريري التوبيخي التقريعي الذي يقول فيه الحق: ؛ أي ألم نجعل لكم الأرض فراشًا موطأً كالمهد؛ لتمكينكم من الاستقرار عليها والتقلب في أنحائها، والانتفاع بما أودعناه لكم فيها؛ لأن الأرض لو بقيت جبالا شاهقة الارتفاع متشابكة التضاريس معدومة الممرات والمسالك لما أمكن العيش على سطحها، فسبحان الذي أنزل هذه اللفتة القرآنية المبهرة في محكم كتاب هـ من قبل ألف وأربعمائة من السنين، وهي حقيقة لم يدركها الإنسان إلا في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين.
ثانيًا: في قول الحق - تبارك وتعالى -: من الأمور المشاهدة أن سطح الأرض ليس تام الاستواء، وذلك بسبب اختلاف التركيب الكيمائي والمعدني للصخور المكونة له، وبالتالي اختلاف كثافة الصخور المكونة لمختلفأجزاء الغلاف الصخري للأرض؛ فهناك قمم عالية للسلاسل الجبلية، وتنخفض تلك القمم السامقة إلى التلال ثم الروابي أو الربى جمع ربوة أو رابية أو الآكا م جمع أكمة أوالنتوءات الأرضية، ثم الهضاب أو النجود، ثم السهول، ثم المنخفضات الأرضية والبحرية، ويختلف مع ذلك متوسط كثافة الصخور المكونة لكل شكل من هذه الأشكال الأرضية، ويبلغ ارتفاع أعلى قمة على سطح الأرض؛ وهي قمة جبل إفرست في سلسلة جبال الهمالايا 8840 مترًا تقريبًا فوق مستوى سطح البحر، بينما يقدر منسوب أخفض نقطة على سطح اليابسة، وهي حوض البحر الميت بحوالي 395 مترًا لمستوى مائة تحت مستوى سطح البحر، بينما يصل منسوب قاعه إلى 800 متر تحت المستوى العادي لسطح البحر، ويقدر متوسط منسوب سطح اليابسة بنحو 840 مترًا فوق مستوى سطح البحر، ويبلغ منسوب أكثر أغوار المحيطات عمقًا 11020 مترًا في قاع المحيط الهادي بالقرب من جزر الفلبين، بينما يبلغ متوسط أعماق المحيطات نحو أربعة كيلو مترات تحت مستوى سطح البحر، ويبلغ الفارق بين أعلى قمة على اليابسة وأخفض نقطة في قيعان المحيطات؛ أي أقل قليلا من 20 كيلو مترًا.
وهذا الفارق بين أعلى قمة على سطح اليابسة وأخفض نقطة في أغوار قيعان البحار العميقة والمحيطات إذا قورن بمتوسط نصف قطر الأرض والمقدر بنحو 6371 كيلو متر ً ا؛ فإن النسبة لا تكاد تتعدى 30%، وهذه النسبة الضئيلة تلعب دورا مهما في معاونة عوامل التعرية المختلفة على بر ي صخور مرتفعات الأرض، وإلقاء الفتات الناتج عنها في المنخفضات في دورات متعاقبة تعمل على تسوية سطح الأرض، وتكوين التربة، وتركيز الخامات المعدنية، وجعل الأرض صالحة للعمران.كذلك فإن الأدلة العلمية التي تراكمت على مدى القرنين التاسع عشر والعشرين تشير إلى أن الغلاف الصخري للأرض في حالة توازن تام، وإذا تعرض هذا التوازن إلى الاختلال في أية نقطة على سطح الأرض؛ ف إ ن تعديله يتم مباشرة بتحرك القدر المناسب من الصهارة في نقاط الضعف الأرضي تحت نقطة الاختلال مباشرة منها أو إليها، ومن هذه الأدلة أن القشرة الأرضية تنخفض إلى أسفل على هيئة منخفضات أرضية عند تعرضها لأحمال زائدة، وترتفع إلى أعلى على هيئة نتوءات أرضية عند إزالة تلك الأحمال عنها، ويتم ذلك بما يسمى التضاغط والارتداد التضاغطي المرتد الذي يتم من أجل المحافظة على الاتزان الأرضي؛ ومن أمثلة ذلك ما ينتج عن تجمع الجليد بسمك كبير على اليابسة، ثم انصهار هـ، أو عند تخزين الماء بملايين الأمتار المكعبة أمام السدود ثم تصريفه، أو بتراكم ملايين الأطنان من الترسيبات أمام السدود ثم إزالتها، أو بتساقط نواتج الثورات البركانية العنيفة حول عدد من فوهات البراكين ثم تعريتها.
ففي العهد الحديث من عمر الأرض بدأت في الانصهار تراكمات الجليد السميكة التي كانت قد تجمعت على بعض أجزاء اليابسة من نصف الكرة الشمالي منذ نحو مليوني سنة، ونتيجة لذلك بدأت الأرض بالارتفاع التدريجي في مناطق الانصهار التدريجي للجليد؛ لتحقيق التوازن التضاغطي المرن للأرض؛ وهو من سنن الله فيها، وقد بلغ ارتفاع الأرض بذلك 330 متر ً افي منطقة خليج هتسون في شمال أمريكا الشمالية، ونحو مائ ة من الأمطار حول بحر البلطيق حيث لا يزال ارتفاع الأرض مستمرا، وأمام كثير من السدود التي أقيمت على مجاري الأنهار تسببت بلايين الأمتار المكعبة من المياه وملايين الأطنان من الرسوبيات التي تجمعت أمام تلك السدود في حدوث انخفاضات عامة في مناسيب المنطقة وزيادة ملحوظة في نشاطها الزلزالي، ويؤيد ذلك بأن ألواح الغلاف الصخري المكونة للقارات والتي يتراوح سمك كل ٍّ منها بين المائة والمائة وخمسين كيلو مترا يغلب على تركيبها صخور ذات كثافة منخفضة نسبيا، بينما يغلب على تركيب ألواح الغلاف الصخري المكونة لقيعان البحار والمحيطات صخور ذات كثافة عالية نسبيا؛ ولذلك لا يتجاوز سمك الواحد منها سبعين كيلو مترا فقط.
وكل من ألواح الغلاف الصخري القارية والمحيطية يطفو فوق نقاط الضعف الأرضي الأعلى كثافة، وهو نطاق مرن شبه منصهر عالي اللزوجة؛ ولذلك فهو يتأثر بالضغوط فوقه ويتحرك استجابة لها.
وفي المقابل فإن قشرة الأرض المكونة لكتل القارات يتراوح سمكها بين 30 و40 كيلو مترا تقريبا، ويغلب على تركيبها الصخور الجرانيتية والتي تغطى أحيانا بتتابعات رقيقة ومتفاوتة السمك من الصخور الرسوبية، ومتوسط كثافة الصخور الجرانيتية يبلغ 2.7 جرام للسنتيمتر المكعب، بينما يتراوح سمك قشرة الأرض المكونة لقيعان البحار والمحيطات بين ثمانية وخمسة كيلو مترات فقط، ويغلب على تركيبها الصخور البازلتية التي قد تتبادل مع الصخور الرسوبية، أو تتغطى بطبقات رقيقة منها، ويبلغ متوسط كثافة الصخور البازلتية 2.9 جرام للسنتيمتر المكعب؛ ولذلك تطفو كتل القارات فوق قيعان البحار والمحيطات.
وبنفس هذا التصور يمكن تفسير الاختلاف في تضاريس سطح الأرض على أساس من التباين في كثافة الصخور المكونة لكل شكل من أشكال تلك التضاريس؛ فالمرتفعات على سطح اليابسة لا بد وأن يغلب على تكوينها صخور أقل كثافة من الصخور المحيطة بها، ومن ثم فلا بد وأن يكون لها امتدادات من صخورها الخفيفة نسبيا في داخل الصخور الأعلى كثافة المحيطة بها، ومن هنا كان الاستنتاج بأن الجبال لا بد وأن لها جذورا عميقة تخترق الغلاف الصخريللأرض بالكامل لتطفو في نطاق الضعف الأرضي، وهنا تحكمها قوانين الطفو كما تحكم جبال الجليد الطافية في مياه المحيطات، وقد أيدت قياسات عجلة الجاذبية الأرضية هذا الاستنتاج بإشارتها إلى ق م م أقل من المفرو ض نظري ًّ افي المناطق الجبلية، وإلى ق م م أعلى من المفروض في المنخفضات الأرضية وفوق قيعان البحار والمحيطات، وانكشاف جذور الجبال القديمة في أواسط القارات يعتبر من الشواهد المادية التي تثبت حدوث عمليات إعادة التعليل التضاغطي في الغلاف الصخري للأرض؛ وذلك لأنه مع بري عوامل التعرية لقمم تلك الجبال ظلت ترتفع إلى أعلى حتى ظهرت جذورها على سطح الأرض، وبفهم دورة حياة الجبال ثبت أن كل نتوء أرضي فوق مستوى سطح البحر له امتداد في داخل الغلاف الصخري للأرض يتراوح طوله بين 10 و15 ضعف ارتفاعه الخارجي.
وكلما كان الارتفاع فوق مستوى سطح البحر كبيرا تضاعف طول الجزء الغائر في الأرض امتدادا إ لى الداخل، وعلى ذلك فإن قم ة مثل: إفرست لا يكاد ارتفاعها فوق مستوى سطح البحر يصل إلى تسعة كيلو مترات لها امتداد في داخل الغلاف الصخري للأرض يزيد عن المائة والثلاثين كيلو مترًا، ويختلق هذا الامتداد الداخلي لتلك السلسلة الجبلية الغلاف الصخري للأرض بالكامل ليطفو في نطاق الضعف الأرضي، وهو نطاق شبه منصهر؛ أي مرن عالي الكثافة واللزوجة تحكمه في ذلك قوانين الطفو تمامًا كما تحكم جبال الجليد الطافية في مياه المحيطات، فكلما برت عوامل التعرية قمم الجبال ارتفعت تلك الجبال إلى أعلى، وتظل عملية الارتفاع تلك حتى يخرج جذر الجبل من نطاق الضعف الأرضي بالكامل؛ وحينئذ يتوقف الجبل عن الحركة، ويتم بريه حتى يصل سمكه إلى سمك اللوح الأرضي الذي يحمله؛ وبذلك يظهر جذر الجبل على سطح الأرض، وبه من الثروات الأرضية ما لا يمكن أن يتكون إلا تحت ظروف استثنائية من الضغط والحرارة لا تتوفر إلا تحت ظروف مشابهة للبيئة في جذور الجبال.
فسبحان الذي وصف الجبال من قبل ألف وأربعمائة سنة بالأوتاد، وهي لفظة واحدة تصف كلا من الشكل الخارجي للجبل وامتداده الداخلي ووظيفته؛ لأن الوتد أغلبه يدفن في الأرض وأقله يظهر على السطح، ووظيفته التثبيت، وقد جاءت علوم الأرض في العقود المتأخرة من القرن العشرين بالأدلة المادية التي تثبت أنه هكذا الجبال بعد أن ظل وصف الجبال إلى مشارف التسعينات من القرن العشرين قاصرًا على أنها مجرد نتوءات فوق سطح الأرض، واختلفوا في تحديد حد أدنى لارتفاع تلك النتوءات الأرضية اختلافا كبيرا بين 310 مترا و620 مترا، وبين اعتباره تعبيرا محددا أو نسبيا يعتمد على تضاريس المنطقة.
وفي السبق القرآني بوصف الجبال بأنها أوتاد تأكيد قاطع على أن القرآن الكريم هو كلام الله الخالق، وأن النبي الخاتم والرسول الخاتم الذي تلقاه كان موصولًا بالوحي، ومعلمًا من قِبل خالق السموات والأرض؛ حيث لم يكن لأحد من البشر أدنى إلمام بإمكانية وجود امتدادات داخلية للجبال، أو حتى مجرد التفكير في ذلك الأمر، ولا بدور الجبال في تثبيت الأرض إلا بعد نزول القران الكريم بأكثر من اثني عشر قرنًا، ولا يمكن لعاقل أن يتصور مصدرًا لهذا العلم غير الله الخالق -سبحانه- الذي أنزله على نبي أمي في أمة كانت غالبيتها الساحقة من الأميين من قبل ألف وأربعمائة سنة فصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.
موسوعة الإعجاز العلمي (ص246)
من الدلالات العلمية لقوله تعالى: فهم المفسرون السابقون من قول الحق -تبارك وتعالى-: أن الضمير في أرساها يعود على الجبال، ومن هنا قالوا: إن عملية الإرساء تتعلق بالجبال على أساس من أن الضمير في العربية يعود على أقرب اسم إليه، وانطلاقا من ذلك فقد فهموا من الآية الكريمة معنى تثبيت الجبال في الأرض وجعلها كالأوتاد لتستقر وتسكن بمن عليها فلا تميد ولا تضطرب.
وهذا الكلام يحمل في طياته أيضا تثبيت الأرض؛ لأن ضمير الغائب في الآيتين السابقتين، والذي جاء أربع مرات يعود على الأرض، ولا يستبعد أن يكون كذلك في آية الجبال؛ حيث يقول ربنا -سبحانه-: (النازعات: 30 - 33) والصياغة هنا تحتمل معنى وبالجبال أرساها؛ فيكون المعنى إرساء الأرض بواسطة الجبال، بينما المعنى الأول يتعلق بإرساء الجبال على سطح الأرض، والمعنيان صحيحان صحة كاملة حسب معطيات علوم الأرض الحديثة؛ فالجبال مثبتة في الغلاف الصخري للأرض، وهي أيضا مثبتة لهذا الغلاف الصخري.
وصلى الله على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.