حجم الخط:

[التجهُّز]

وأمر رسول الله أهله بالجهاز، ولم يسم لهم الجهة التي يقصدها، ثم أعلمهم بعد ذلك أنه سائر إلى مكة، وأمرهم بالجد والتهيؤ، وقال: «اللهم خذ العيون والأخبار عن قريش حتى نبغتها في بلادها»، فتجهز الناس، وقال حسان في ذلك شعرًا يحرض الناس ويذكر مصاب خزاعة. [ابن إسحاق، حسن].

واستنفر الرسول القبائل التي حول المدينة: سُلَيمًا وأشجع ومزينة وأسلم وغفارًا. فمنهم من جاءه وهو بالمدينة ومنهم من لحقه بالطريق إلى مكة، حتى بلغ جيش المسلمين عشـرة آلاف مقاتل [البخاري، ابن إسحاق حسن]، ولم يتخلف أحد من المهاجرين والأنصار. [ابن إسحاق، حسن].

وبلغ ما حشدته مزينة من رجالها ألف مقاتل، وسليم كذلك ألفًا أو سبعمائة [نفسه].

ولما تهيأ الرسول إلى الخروج، أرسل حاطب بن أبي بلتعة البدري كتابًا مع امرأة إلى ناس بمكة من المشركين يخبرهم ببعض أمر رسول الله . فبعث النبي عليًا والزبير والمقداد في أثرها، وقال لهم: «انطلقوا حتى تأتوا روضة خَاخ فإن بها ظَعِيْنَة معها كتاب فخذوه منها». وعندما أدركوها في المكان المشار إليه، طلبوا منها إخراج الكتاب فأنكرت وجوده معها، فقالوا لها: «لَتُخْرِجَنَّ الكتاب أو لنلقين بالثياب»، فأخرجته من عِقَاصِها [ضفائر شعرها]. فأرسل الرسول إلى حاطب، فقال له: يا حاطب، ما هذا؟»، قال: «يا رسول الله، لا تعجل عليَّ، إني كنت امرءًا مُلْصَقًا في قريش حليفًا، ولم أكن من أنفسها. وكان من معك من المهاجرين ممن لهم قرابات يحمون أهليهم، وأموالهم، فأحببت إذ فاتني ذلك من النسب فيهم أن أتخذ عندهم يدًا يحمون بها قَرَابتي، ولم أفعله ارتدادًا عن ديني ولا رضًا بالكفر بعد الإسلام». فقال رسول الله : «أما إنه قد صَدَقَكُم»، فقال عمر: «يا رسول الله، دعني أضرب عنق هذا المنافق»، فقال النبي : «إنه قد شهد بدرًا، وما يدريك لعل الله اطلع على من شهد بدرًا وقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم»، فأنزل الله الآيات: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ ۙ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَادًا فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي ۚ تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنْتُمْ ۚ وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ ﴿١﴾ [الممتحنة:1] [متفق عليه]، وفي رواية: فدمعت عينا عمر، وقال: «الله ورسوله أعلم». [البخاري].

خرج رسول الله وأصحابه من المدينة في طريقهم إلى مكة، في رمضان سنة ثمان من الهجرة، وكانوا صيامًا، حتى بلغوا كُدَيْدًا، فأفطر، وأفطر الناس. [متفق عليه].

والذي اتفق عليه أهل السير والمغازي أنه خرج في عاشر رمضان، ودخل مكة لتسع عشرة ليلة خلت منه [ابن إسحاق، حسن].

واختلفوا في تاريخ الفتح ما بين ثنتي عشرة وثلاث عشرة وست عشرة وسبع عشرة وثمان عشرة وتسع عشرة، من رمضان، واتفقوا على أنه في رمضان سنة ثمان، كما جاءت بذلك الروايات عند مسلم. [مسلم؛ ابن سعد].

واستخلف رسول الله على المدينة أبا رُهْم، كُلثوم بن حصين بن عتبة بن خلف الغفاري. [ابن إسحاق، حسن].

وقبل دخول الرسول مكة جاءه بعض زعماء قريش فأعلنوا إسلامهم، منهم ابن عمه أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب، أخو الرسول من الرضاعة، وقد جاءه بالأبواء، وعبد الله بن أبي أمية بن المغيرة، وقد جاءه بين السقيا والعَرْج. وكانا من ألد خصوم الإِسلام خاصة أبو سفيان الذي ظل على مدى عشرين سنة يهجو المسلمين ويقاتلهم في كافة الحروب، ولكنه عندما أسلم كانت له مواقف بطولية في الدفاع عن الرسول ، لا سيما موقفه يوم حنين، حين فر الناس، فصمد مع الرسول صمودًا مشهودًا [ابن إسحاق، حسن]، وسيأتي خبر ذلك في مكانه. أما عبد الله بن أمية، أخو أم المؤمنين أم سلمة رضي الله عنهما لأبيها، فقد دافع عن الإسلام بقوة واستشهد في حصار الطائف. [الاستيعاب].

ولقيه ببعض الطريق عمه العباس [ابن إسحاق، حسن]، وذكر ابن هشام أن ذلك كان بالجُحْفَة، وهو مهاجر بعياله إلى المدينة.

وقيل إن العباس أسلم قبل بدر [ابن سعد]، بل قيل قبل الهجرة إلى المدينة [نفسه]. قال ابن حجر [في الفتح]: (وكان إسلامه على المشهور قبل فتح مكة - يعني حين سار الرسول إلى مكة فاتحًا -، وقيل قبل ذلك، وليس ببعيد، فإن حديث أنس في قصة الحجاج بن علاط ما يؤيد ذلك). ففي القصة أن العباس عندما سمع برواية الحجاج عن انهزام المسلمين يوم خيبر واستباحتهم وأسر الرسول ، قعد ولم يستطع القيام من هول الخبر على نفسه، وأخذ ابنًا له يشبه الرسول يقال له قَثَم، فاستلقى ووضعه على صدره، وهو يقول: «حبي قثم شبيه ذي الأنف الأشم، نبي رب ذي النعم، برغم أنف من رغم». وأرسل غلامًا له إلى الحجاج بن علاط يستعلمه الخبر، فطمأن الحجاج الغلام. وعندما جاء الغلام وبشر العباس، وثب فرحًا، حتى قبل بين عينيه. وعندما أخبره بما قال الحجاج أعتقه، وعندما جاء المسلمون أخبرهم الخبر، وسروا بذلك سرورًا عظيمًا وزالت عنهم الكآبة [عبد الرزاق؛ أحمد؛ ابن حبان؛ البزار؛ النسائي، وأسانيدهم صحيحة].

وقد جزم ابن عبد البر [في الاستيعاب] بإسلامه قبل خيبر، استنادًا إلى حديث الحجاج بن علاط هذا.

ويقول ابن حجر [في الفتح] في ترجيحه إسلام العباس قبل فتح مكة (....وأما قول أبي رافع في قصة بدر: كان الإِسلام دخل علينا أهل البيت فلا يدل على إسلام العباس حينئذ، فإنه كان ممن أسر يوم بدر ففدى نفسه وعقيلًا ابن أخيه أبي طالب، ولأجل أنه لم يهاجر قبل الفتح لم يدخله عمر في أهل الشورى مع معرفته بفضله واستسقائه به...).

والذي أرجحه هو ما ذهب إليه ابن عبد البر أن العباس أسلم قبل فتح خيبر، وكان يكتم إسلامه بأمر الرسول لمصلحة الدعوة وخاصة تزويد الرسول بأخبار قريش.

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة