حجم الخط:

[المسلمون يفيئون]

كان الرسول ﷺ يمتطي بغلة له بيضاء - أو شهباء - تسمى دلدل، وهو يركضها وأبو سفيان بن الحارث آخذ بركاب رسول الله ﷺ وعمه العباس آخذ بلجام البغلة، يكفانها عن الإِسراع نحو العدو [مسلم]. وهذا في غاية ما يكون من الشجاعة التامة، أنه في مثل هذا اليوم في حومة الوغى وقد انكشف عنه جيشه، وهو على بغلة، وليست سريعة الجري، ولا تصلح للكرِّ ولا للفرِّ ولا للهرب، وهو مع هذا أيضًا يركضها إلى وجوههم وينوه باسمه ليعرفه من يعرفه، وما هذا إلا ثقة بالله وتوكلٌ عليه وعلم منه بأنه سينتصر ويظهر دينه على سائر الأديان. [تفسير ابن كثير].

وأمر الرسول ﷺ عمه العباس - وكان قوي الصوت - أن ينادي الناس بالثبات، وخص منهم أصحاب بيعة الرضوان، فأسرعوا إليه كما تسرع الأمهات إلى أولادها، ثم خص الأنصار بالنداء، ثم بني الحارث بن الخزرج، فطاروا إليه قائلين: لبيك لبيك، ودارت المعركة قوية ضد هوازن [مسلم؛ ابن إسحاق، حسن، عبد الرزاق، صحيح]، ونزل الرسول ﷺ عن بغلته وهو يدعو [أحمد، حسن] الله أن ينصـرهم، وقال: «أنا النبي لا كذب... أنا ابن عبد المطلب» [متفق عليه]، وأخذ يقاتل والصحابة يقاتلون معه ويتقون به لشجاعته وثباته كعادتهم في مثل هذه المواقف العصيبة [مسلم؛ ابن إسحاق، حسن]. وعندما رأى الفارون موقفه وثباته وسمعوا صوت العباس يناديهم جاؤوا مسـرعين ملبين الدعوة قائلين لبيك لبيك، حتى إن من لم يستطع أن يثني بعيره يتركه ويأخذ درعه وسيفه ورمحه حتى ينتهي إلى رسول الله ﷺ ويجالد الأعداء. قال الرسول ﷺ عندما رأى المعركة تشتد: «هذا حين حَمِيَ الوَطِيسُ» [مسلم؛ ابن إسحاق، حسن]، ثم أخذ حَصَيَات، أو ترابًا، فرمى به وجوه الكفار، وهو يقول: «شاهت الوجوه»، فما خلق الله منهم إنسانًا إلا ملأ عينه ترابًا بتلك القبضة، فولوا مدبرين، والرسول ﷺ يقول: «انْهَزَمُوا وَرَبِّ محمد»، وفي رواية أخرى: «انهزموا ورب الكعبة» مرتين. [مسلم].

وفي ضوء هذه الكيفية التي انهزم بها المشركون والمعجزة التي أجراها الله على يد نبيه محمد ﷺ يفهم قول الله تعالى: ﴿ ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا ۚ ﴾[التوبة:26][الطبري وابن كثير في التفسير]. فقد حكى أحد أفراد جيش هوازن أنهم عندما أرادوا الوصول إلى الرسول حال بينهم وبينه رجال حسان الوجوه، فقالوا: شاهت الوجوه، فارجعوا، فهزموا من ذلك الكلام. [الذهبي: المغازي، جيد].

وحكى شيبة بن عثمان أنه عندما أراد قتل الرسول ﷺ ثأرًا لأبيه وعمه اللذين قتلهما علي يوم بدر، رفع له شواظ من نار حال بينه وبين الرسول ﷺ، كأنه البرق، فخاف أن يحرقه، فوضع يده على بصره وتقهقر، والتفت إليه الرسول ﷺ وطلب منه أن يدنو منه، فدنا منه، فقال: اللهم أذهب عنه الشيطان، فقذف الله الإِيمان في قلبه، وطلب منه الرسول ﷺ أن يقاتل الكفار [مغازي الذهبي، له أصل]. وفي رواية أخرى: أن شيبة قال للرسول ﷺ: يا رسول الله، إني أرى خيلًا بُلْغًا، فقال له الرسول: «يا شيبة، إنه لا يراها إلا كافر»، فضرب على صدره ثم قال: «اللهم اهد شيبة - ثلاثًا، فانقلب بغض الرسول حبًا عظيمًا». [الذهبي: المغازي].

وروى ابن إسحاق من حديث جُبير بن مُطْعِم أنه رأى قبل هزيمة القوم والناس يقتلون مثل الكِسَاءِ الأسود، أقبل من السماء حتى سقط بينهم وبين القوم، فنظر فإذا نمل أسود مبثوث قد ملأ الوادي، لم يشك أنها الملائكة، ثم لم يكن إلا هزيمة القوم.

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة