حجم الخط:

[النبي بمكة]

ونزل رسول الله بقبة ضربت له بِالحَجُون، في المكان الذي تعاقدت فيه قريش على مقاطعة بني هاشم والمسلمين، وهو خَيْف بني كِنَانَة، ويعرف بالمُحَصَّب، لأن داره قد أخذها عقيل بن أبي طالب، وهو لا يرثه لأنه كافر [متفق عليه]، ولم يرث علي وجعفر شيئًا من الدور، لأنهما مسلمان، وقد مات أبوهما كافرًا. إضافة إلى أن عقيلًا وطالبًا باعا كل الدور. [البخاري].

وأمر الرسول بتطهير البيت الحرام بإزالة الأصنام عنه، وشارك بيده في تكسيرها، وهو يقرأ: ﴿ قُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَمَا يُبْدِئُ الْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ ﴿٤٩﴾ [سبأ:49] و﴿ وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ ۚ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا ﴿٨١﴾ [الإسراء:81] [متفق عليه]، وكان عددها ستين وثلاثمئة [متفق عليه]. وكان بداخل الكعبة صُوَرٌ لإِبراهيم وإسماعيل وإسحاق، وهم يستقسمون بالأزلام، فلطخت بالزعفران، ولم يدخل الكعبة إلا بعد إخراجها منها وقال: «قاتلهم الله، ما كان إبراهيم يستقسم بالأزلام» [البخاري، أحمد، صحيح]، وفي رواية قال: «هذا إبراهيم مصور، فما له يستقسم؟ [البخاري]، وفي رواية أن صورة مريم أيضًا كانت داخل الكعبة [نفسه]. ووجد حمامة من عيدان فكسـرها، ورمى بها خارج الكعبة [ابن إسحاق، حسن]. وعندما طهرت الكعبة دخلها وصلى بها ركعتين [البخاري]، ثم خرج فأعطى مفتاح الكعبة لعثمان بن طلحة، وأبقى الحجابة في أيدي بني شيبة كما كانت في الجاهلية [عبد الرزاق، الفتح، والأسانيد تعتضد]. ثم استلم الحجر الأسود، وطاف بالبيت من غير إحرام، وكان على رأسه المغفر يوم دخل مكة، ثم لبس عمامة سوداء [متفق عليه]. وكان يستلم الركن بمحجنه [متفق عليه]، كراهة أن يزاحم الناس في طوافهم، وتعليمًا للأمة الإِسلامية.

وأمر بلالًا أن يؤذن، فعلا بلال على ظهر الكعبة فأذن عليها، فقال بعض بني سعيد ابن العاص: «لقد أكرم الله سعيدًا إذ قبضه قبل أن يرى هذا الأسود على ظهر الكعبة» [الذهبي: المغازي؛ البيهقي: الدلائل، صحيح]. وقال بعض زعماء قريش بنحو هذا. [الواقدي؛ ابن هشام].

وعندما تم تطهير البيت الحرام من الأصنام أرسل الرسول بعوثًا إلى مناطق مختلفة لإزالة أكبر الأصنام التي بها. فقد أرسل خالد بن الوليد في ثلاثين رجلًا إلى بطن نخلة من ديار ثقيف لهدم العزى، صنم مضـر وقريش وكنانة، فهدمها [ابن إسحاق، ابن سعد، الواقدي]. وكان ذلك لخمس ليال بقين من رمضان [ابن سعد، الواقدي]. وأرسل سعد بن زيد الأشهلي في عشرين فارسًا إلى صنم مناة بالمُشَلَّل من ناحية قديد - وهو القديدية الآن - وهو صنم يعظمه العرب وخاصة الأوس والخزرج قبل إسلامهم، فهدمها [ابن سعد]، وذلك لست بقين من رمضان [نفسه]. وأرسل عمرو ابن العاص إلى سُواَع، صنم هُذَيل، فهدمها [نفسه]. وهذه الأصنام هي التي أشار إليها القرآن الكريم في الآية: ﴿ أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّىٰ ﴿١٩﴾ وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَىٰ ﴿٢٠﴾ [النجم: 19-20].

واجتمع الناس لمبايعة الرسول على السمع والطاعة لله ورسوله، فلما فرغ من بيعة الرجال بايع النساء. واجتمع إليه نساء قريش فيهن هند بنت عتبة، زوج أبي سفيان، متنقبة متنكرة لما كان من صنيعها بحمزة رضي الله عنه يوم أحد، فلما دنون منه ليبايعنه، قال رسول الله : «تبايعنني على أن لا تشركن بالله شيئًا، فقالت هند: والله إنك لتأخذ علينا أمرًا ما أخذته على الرجال سنؤتيكه، قال: ولا تسرقن، قالت: والله إن كنت لأصيب من مال أبي سفيان الهنة والهنة، وما أدري أكان ذلك حلًّا لي أم لا؟ فقال أبو سفيان وكان شاهدًا لما تقول: أما ما أصبت فيما مضى فأنت منه في حل، فقال : وإنك لهند بنت عتبة؟، فقالت: أنا هند بنت عتبة، فاعف عما سلف عفا الله عنك. قال: ولا تزنين، قالت: وهل تزني الحرة؟ قال: ولا تقتلن أولادكن، قالت: قد ربيناهم صغارًا وقتلتهم يوم بدر كبارًا، فأنت وهم أعلم، فضحك عمر من قولها حتى اسْتَغْرَب [استلقى على قفاه - السبل]، قال: ولا تأتين ببهتان تفترينه بين أيديكن وأرجلكن، فقالت: والله إن إتيان البهتان لقبيح، ولبعض التجاوز أمثل. قال: ولا تعصينني في معروف، فقال رسول الله لعمر: بايعهن، واستغفر لهن رسول الله ، فبايعهن عمر. وكان رسول الله لا يصافح النساء ولا يمس امرأة ولا تمسه، إلا امرأة أحلها الله له». [الطبري: التاريخ من بلاغات قتادة السدوسي؛ ابن سعد، بسند صحيح من مرسل الشعبي وميمون بن مهران - كما قال ابن حجر في الإصابة، ترجمة هند بنت عتبة - وقالت بالمعنى أختها فاطمة بنت عتبة، كما روى ذلك الحاكم (2/ 486)، بسند صححه ووافقه الذهبي].

وقد ثبت في الصحيح أن الرسول كان يبايع النساء بالكلام، بالآية: ﴿ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا [الممتحنة:12]، وما مست يده يد امرأة أجنبية. [متفق عليه].

ذكرنا في فصل الشمائل، مبحث: (تواضعه ) حديث البخاري الذي فيه: «وكانت الأمة من إماء أهل المدينة لتأخذ بيد رسول الله فتنطلق به حيث شاءت»، قول ابن حجر في شرحه لهذا الحديث: (والتعبير بالأخذ باليد إشارة إلى غاية التصرف)، وقوله: (والمقصود من الأخذ باليد هو الرفق والانقياد).

وروي في غير الصحيحين قوله : «إني لا أصافح النساء، إنما قولي لمائة امرأة كقولي لامرأة واحدة أو مثل قولي لامرأة واحدة» [أحمد؛ الترمذي؛ النسائي؛ ابن ماجه، الموطأ، صحيح].

وكان من أبرز نتائج هذا الفتح أن أخذت قبائل العرب وأفرادها يبادرون بإسلامهم، لأنهم كانوا ينتظرون نتيجة الصـراع بين المسلمين وقريش. فقد روى البخاري، من حديث عمرو بن سَلَمَة الجَرْمي، قوله: «وكانت العرب تَلَوَّمُ بإسلامِهِمْ الفَتْحَ، فيقولون: اتركوه وَقَوْمَهُ فإنه إن ظهر عليهم فهو نبي صادق، فلما كانت وقعة الفتح بادر كل قوم بإسلامهم...». وكانت هذه النظرة لقريش لأنها كانت زعيمة العرب وحامية البيت وصريح ولد إسماعيل وناصبة الحرب لرسول فلما افتتحت مكة، ودانت قريش لرسول الله ودوخها الإِسلام عرفت العرب أنه لا طاقة لهم بحرب رسول الله وعداوته، فدخلوا في دين الله أفواجًا، كما قال عز وجل: ﴿ إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ ﴿١﴾ وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا ﴿٢﴾ فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ ۚ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا ﴿٣﴾ [النصر:1-3] [ابن إسحاق].

وخطب الرسول أثناء إقامته بمكة عدة خطب، بيّن فيها أمورًا وأحكامًا مختلفة، ففي الخطبة الأولى، التي كانت على باب الكعبة، بيّن دية الخطأ شبه العمد، وألغى مآثر الجاهلية وثاراتها، واستثنى من أمور الجاهلية سقاية الحاج وسدانة البيت. [أحمد، حسن؛ أبو داود، صحيح].

وأعلن في الخطبة الثانية: «ألا إنه لا حلف في الإِسلام، وما كان من حلف في الجاهلية فإن الإِسلام لا يزيده إلا شدة. والمؤمنون يد على من سواهم، يجير عليهم أدناهم، ويرد عليهم أقصاهم، يرد سراياهم على قعيدتهم. لا يقتل مؤمن بكافر. دية الكافر نصف دية المسلم. لا جلب ولا خبب ولا تؤخذ صدقاتهم إلا في دورهم» [مسلم؛ أحمد صحيح الترمذي، صحيح]. [والجلب: أن يأتي الرجل بمن يصيح على فرسه ويزجره حثًا له على الجري حتى يسبق، والخبب: أن يسابق الرجل على فرسين يركب الأول فإذا فتر تحول إلى الثاني].

وأعلن في الخطبة الثالثة تحريم مكة، وتحريم صيدها وخلاها وشجرها ولُقَطَتُها وتحريم القتال فيها، وقال إن الله تعالى أحلها له ساعة من نهار، وهو وقت الفتح [متفق عليه]. وقال: لا هجرة بعد الفتح، ويبقى الجهاد والنية، ولذلك بايع النبي المسلمين بعد الفتح على الإِسلام والإِيمان والجهاد، ولم يبايعهم على الهجرة. [متفق عليه].

وبين في الخطبة الرابعة أن من قتل له قتيل فهو بخير النظيرين، إما أن يودى وإما أن يقاد. [متفق عليه].

ومما يروى من أحداث الفتح أن أبا بكر جاء بأبيه إلى رسول الله ورأسه ولحيته كالثَّغَامة [شجرة بيضاء الثمر والزهر، ينبت غالبًا بالجبال] بياضًا، فقال رسول الله : «غيروهما وجنبوه السواد». [مسلم؛ أحمد، وغيرهما].

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة