أحل الرسول ﷺ لخزاعة أن تثأر من بني بكر في اليوم الأول من الفتح حتى العصر، وذلك لما كان منهم بالوتير. وعندما دخل العصر أمر بكف السلاح عن بني بكر، وَبَيَّنَ حرمة مكة، وعندما قتلت خزاعة رجلًا من بني بكر في اليوم التالي بمزدلفة غضب رسول الله ﷺ غضبًا شديدًا، ودفع دية البكرى، وقال: إن من يقتل بعد ذلك قتيلًا فأهل القتيل بالخيار بين القصاص والدية. [أحمد، حسن؛ ابن إسحاق، حسن].
وذكر ابن إسحاق تفاصيل مقتل هذا البكري، واسمه ابن الأشوع الهذلي، وقتله خِراش بن أمية، ولقتله أحد فرسان خزاعة، واسمه أحمر.
وأعلن الرسول ﷺ العفو عن عامة أهل مكة، عندما اجتمعوا إليه قرب الكعبة ينتظرون حكمه فيهم، فقال لهم: «ما تظنون أني فاعل بكم؟» فقالوا: «خيرًا، أخ كريم وابن أخ كريم». فقال: «لا تثريب عليكم اليوم، يغفر الله لكم» [الأموال، مرسلًا حسنًا؛ ابن إسحاق، يتقوى بغيره]. وفي رواية، أنه قال لهم: «اذهبوا فأنتم الطلقاء» [ابن إسحاق]، ولذا عرفوا في التاريخ بـ(الطلقاء).
وكان هذا الموقف من الرسول ﷺ لما نزل من القرآن: ﴿ وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ ۖ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ ﴿١٢٦﴾ ﴾[النحل:126]، وقال: «نصبر ولا نعاقب»، مختارًا العفو والصبر، تَفَضُّلًا واحتسابًا. [أحمد، حسن؛ الترمذي، حسن صحيح؛ الحاكم، صحيح].
وبيّن الرسول ﷺ للناس حرمة مكة وأنها لا تُغْزَى بعد الفتح، وأعلى من مكانة قريش، وأمر ألا يقتل قرشي صبرًا بعد يوم الفتح إلى يوم القيامة. [مسلم؛ أحمد، حسن].
واستثنى الرسول ﷺ مكة من معاملة البلاد التي تفتح عَنْوَة، وذلك لقدسيتها، فحرم القتل أو السبي فيها، وأبقى الأموال الثابتة والمنقولة في أيدي أصحابها، ولم يفرض عليها خراجًا، ولهذا ذهب جمهور الأئمة من السلف والخلف إلى أنه لا يجوز بيع أراضي مكة ولا إجارة بيوتها، يسكن أهلها فيما يحتاجون إليه من دورها، وما زاد عن حاجتهم فهو لسكنى الحجاج والمعتمرين والقاصدين المسجد الحرام، وذهب آخرون إلى جواز بيع أراضيها وإجارة منازلها، واستدلوا في ذلك بآثار قوية، بينما أدلة المانعين لذلك آثار مرسلة وموقوفة. [الزاد].