حجم الخط:

أحكام وحكم من غزوة بدر:

لقد تضمنت أحداث غزوة بدر أحكامًا وحِكَمًا كثيرة، من أهمها:

1- جواز النكاية بالعدو، بقتل رجالهم وأخذ أموالهم وإخافة طرقهم التي يسلكونها، لما في ذلك من إضعافهم معنويًا واقتصاديًا.

2- جواز استخدام العيون لكشف أحوال العدو وإفشال خططه.

3- تأكيد الرسول على مبدأ الشورى لأهل الحل والعقد وعامة المسلمين، وقد وردت أدلة على حجية الشورى في القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة وسنة الخلفاء الراشدين.

فالأدلة من القرآن، قول الله تعالى: ﴿ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ ۖ [آل عمران:159]، و﴿ وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ ﴿٣٨﴾ [الشورى:38]؛ ومن السنة استشارة الرسول لأصحابه في الخروج أو البقاء في المدينة يوم أحد، وفي مصالحة بعض الأحزاب يوم الخندق على ثلث ثمار المدينة، وغير ذلك كثير مما سنقف عليه في هذا الكتاب. وقد قال أبو هريرة رضي الله عنه: «ما رأيت أحدًا أكثر مشورة لأصحابه من رسول الله ». [الترمذي، ومعناه صحيح].

أما أدلة حجيتها من سنة الخلفاء الراشدين قول ابن الخطاب في الشورى عند اختيار الحاكم: «الإمارة شورى»، «من دعا إلى إمارة نفسه أو غيره من غير مشورة من المسلمين فلا يحل لكم إلا أن تقتلوه»، «فمن بايع أميرًا عن غير مشورة المسلمين فلا بيعة له ولا الذي بايعه». [البخاري؛ عبد الرزاق، بأسانيد صحيحة].

4- جواز المبارزة بإذن الأمير، وهذا قول عامة أهل العلم [ابن قدامة].

5- المساواة بين الجندي وقائده في السلم والحرب سواء، وقد اتضح ذلك من قصة سواد بن غزية مع الرسول ، إذ كشف الرسول عن بطنه ليقتاد منه سواد. وهو فعل الخلفاء من بعده: أبو بكر وعمر وعثمان رضي الله عنه.

6- جواز فداء الأسارى أو المن عليهم.

7- لا حرج من قتل الأسير قبل أن يصل إلى يد الإمام، كما فعل بلال ومن معه من الأنصار عندما قتلوا أمية بن خلف وهو في أسر عبد الرحمن بن عوف.

8- أحلت الغنيمة لهذه الأمة، وقسمتها على المقاتلين بعد تخميسها.

9- من قتل قتيلًا فله سلبه، على شرط: أن يكون المقتول من المقاتلة وليس ممن نهى الرسول عن قتلهم، وهم النساء والصبيان والشيوخ الفانون... إلخ، وأن يكون في المقتول منفعة وغير مثخن بالجراح، أن يقتله أو يثخنه بجراح تجعله في حكم المقتول، وأن يقرر بنفسه في قتله، فأما إن رماه بسهم من صف المسلمين فقتله فلا سلب له. [ابن قدامة: المغني].

10- دلت واقعة قضية الأسرى على أن الرسول كان له أن يجتهد، والذين ذهبوا إلى هذا - وهم جمهور علماء الأصول - استدلوا على ذلك بمسألة أسرى بدر. وإذا صح للرسول أن يجتهد، صح منه بناء على ذلك أن يخطئ في الاجتهاد ويصيب. غير أن الخطأ لا يستمر، بل لا بد من أن تنزل آية من القرآن تصحح له اجتهاده، فإذا لم تنزل آية فهو دليل على صحة اجتهاده .

11- الأصل أن يبذل المسلمون كافة جهودهم في الإعداد للمعركة وفي مجابهة العدو، قال تعالى: ﴿ وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ [الأنفال:60]، ومع ذلك فإن الله يؤيد جنده بخوارق لتعينهم على النصـر، إذا كانوا أهلًا له، كما حصل بإمداد الملائكة في بدر، وبأن غشى الله النعاس عيون المؤمنين، وأنزل عليهم المطر.

12- نبه الله المؤمنين إلى حقيقة هامة وهي أن لا يجعلوا حب المال يسيطر عليهم عند النظر في قضاياهم الكبرى التي قامت على أساس النظرة الدينية وحدها، مهما كانت الحال والظروف، ولذا عالج الله تجربة رؤية الغنائم مع الحاجة والفقر واختلافهم فيها، ومسألة الأسرى، بوسائل تربوية دقيقة، كما في قوله تعالى: ﴿ يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ ۖ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ ۖ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ ۖ [الأنفال:60] و﴿ مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَىٰ حَتَّىٰ [الأنفال:67]... ﴿ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ۗ [الأنفال:67][البوطي: السيرة].

13- إن أهل بدر مغفور لهم يوم القيامة، أما أحكام الدنيا فإنها تؤخذ منهم، ويعاقبون عليها إن أتوها كما وقع لقدامة بن مظعون، عندما حد في الخمر.

14- إن من سنة الرسول بعد انتهاء المعركة أن يقيم في العرصة - مكانها - ثلاثة أيام.

15- السنة في الشهداء أن يدفنوا في مضاجعهم، كما حدث لشهداء بدر وأحد، ولا يصلى عليهم كما ثبت بالنسبة لشهداء أحد، ولم يذكر أنه صلى على شهداء بدر. [انظر في هذا كله: مرويات بدر لباوزير].

16- لقد تجلت في بدر بطولات إيمانية كثيرة، على سبيل المثال: ما روي من أن أبا عبيدة عامر بن الجراح قتل والده الجراح يوم بدر. فقد جعل والد أبي عبيدة يتصدى لابنه أبي عبيدة يومذاك فيحيد عنه الابن، فلما أكثر قصده فقتله، فنزلت الآية: ﴿ لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ [المجادلة:22] [الطبراني، بسند جيد كما ذكر في الإصابة والحبير].

وروى ابن إسحاق من حديث أبي عزيز بن عمير قال: «مر بي أخي مصعب بن عمير ورجل من الأنصار يأسرني، فقال: شُدَّ يديك به فإن أمَّه ذاتُ متاع، لعلها تفديه منك!..».

Adobe Systemsوزاد ابن هشام على هذه الرواية فقال: «فلما قال أخوه مصعب بن عمير لأبي اليَسَـر - وهو الذي أسره - ما قال، قال له أبو عزيز: يا أخي، هذه وَصاتُك بي! فقال له مصعب: إنه أخي دونك..».

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة