وكذلك المسيحية؛ فبالإضافة إلى ما لحق بها من تحريف، فقد شابتها ألوان شتى من الوثنية والخرافات اليونانية والرومانية، اضمحلت في جانبها تعاليم المسيح الميسـرة، وأصبحت على تعاقب العصور ديانة وثنية تحول بين الإنسان والعلم والفكر والمنطق.
ومن الأدلة الواضحة على ذلك ما ذكره باكستر الأوروبي Rev.James Houstom Baxter: History of Chrisianity in the Light of Modern Knowledge Glasgo, 1926, p.407 [نقلًا عن د. الفرت في بحثه المشار إليه سابقا]، والذي ترجمته:
(لقد انتهت الوثنية، ولكنها لم تلق إبادة كاملة، بل إنها تغلغلت في النفوس واستمر كل شيء فيها باسم المسيحية وفي ستارها، فالذين تجردوا عن آلهتهم وأبطالهم وتخلوا عنهم أخذوا شهيدًا من شهدائهم ولقبوه بأوصاف الآلهة، ثم صنعوا له تمثالًا. وهكذا انتقل الشرك وعبادة الأوثان إلى هؤلاء الشهداء المحليين، ولم ينته هذا القرن حتى عمت فيه عبادة الشهداء والأولياء، وتكونت عقيدة جديدة وهي أن الأولياء يحملون صفات الألوهية، وصار هؤلاء الأولياء والقديسون خلقًا وسطًا بين الله والإنسان، ويحمل صفة الألوهية على أساس عقائد الأريسيين (يأتي شرحها في كتابه ﷺ إلى قيصر) وأصبحوا رمزًا لقداسة القرون الوسطى ووعيها وطهرها. وغيرت أسماء الأعياد الوثنية بأسماء جديدة، حتى تحول في عام 400 ميلادي عيد الشمس القديم إلى عيد ميلاد المسيح).
وما ذكره الدكتور أبو الغيط في كلامه عن الوثنية في المسيحية ختمه بقوله:
(.. وهكذا كانت عبادة الأوثان في عصور الاضطهاد هذه يرتفع سوقها وينخفض تبعًا لتأييد النصارى للحكام الرومانيين وإقبالهم على تلبية رغباتهم في الولاء لتمثال القيصر، ومن يتباطأ عن ذلك كان مصيره الحرق والهدم والتدمير كما يقول بذلك التاريخ المسيحي كله، حتى طأطأت المسيحية رأسها أخيرًا للوثنية وغطرستها بعد طول التجاذب والصراع بينهما، فحيثما دخلت المسيحية بلدًا ووجدت أهلها مقيمين على الوثنية أقروهم على عبادتهم بالإضافة إلى المعتقدات المسيحية).
وابتدع النصارى الرهبانية، وأدخلوا في أناجيلهم ما لا تستسيغه الأفهام. فابن حزم [الفصل] - أحد رواد علم مقارنة الأديان - انتهى إلى نتائج خطيرة عندما درس المصادر الأصلية للمسيحية. ومن مناقشاته للنصارى في عقيدتهم قوله:
(.. وقالت (اليعقوبية): إن المسيح هو الله تعالى نفسه، وإن الله - تعالى عن كفرهم - مات وصلب وقتل، وإن العالم بقي ثلاثة أيام بلا مدبر، والفلك بلا مدبر، ثم قام ورجع كما كان. وإن الله تعالى عاد محدثًا, وإن المحدث عاد قديمًا،وإنه سبحانه تعالى هو كان في بطن مريم محمولًا به..).
(ولولا أن الله تعالى وصف قولهم في كتابه العزيز إذ يقول: ﴿ لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ ۚ ﴾[المائدة:72] وإذ يقول تعالى حاكيًا عنهم: ﴿ إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ ۘ ﴾[المائدة:73]،وإذ يقول تعالى: ﴿ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَٰهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ ۖ ﴾ [المائدة:116].
لولا ذلك لما انطلق لسان مؤمن بحكاية هذا القول العظيم الشنيع السمج السخيف. وتالله لولا أننا شاهدنا النصارى ما صدقنا أن في العالم عقلًا يسع هذا الجنون. ونعوذ بالله من الخذلان...).
ويقول في دحض هذا القول:
(.. ويلزم هؤلاء القوم أن يعرفونا من دبر السماوات والأرض، وأدار الفلك هذه الثلاثة الأيام التي كان فيها ميتًا... ثم يقال للقائلين بأن البارئ تعالى ثلاثة أشياء أب وابن وروح القدس. أخبرونا إذ هذه الأشياء لم تزل كلها وأنها مع ذلك شيء واحد إن كان ذلك كما ذكرتم فبأي معنى استحق أن يكون أحدهما يسمى أبًا والثاني ابنًا وأنتم تقولون إن الثلاثة واحد, وإن كان منها هو الآخر فالأب هو الابن والابن هو الأب وهذا هو عين التخليط. وإنجيلهم يبطل هذا بقولهم فيه: (سأقعد عن يمين أبي)، وبقولهم: إن القيامة لا يعلمها إلا الأب وحده،وإن الابن لا يعلمها، فهذا يوجب أن الابن ليس هو الأب... وإن كانت الثلاثة متغايرة - وهم لا يقولون بهذا - فيلزمهم أن يكون في الابن معنى من الضعف أو من الحدوث أو من النقص، به وجب أن ينحط عن درجة الأب. والنقص ليس من صفة الذي لم يزل...).
وخلاصة قول ابن حزم في عقيدتهم التي جاءت في أناجيلهم: (فهذه سبعون فصلًا من أناجيلهم من كذب بحت ومناقضة لا حيلة فيها، ومنها فصول يجمع الفصل من ثلاث كذبات فأقل على قلة مقدار أناجيلهم.
وجملة أمرهم في المسيح عليه السلام أنه مرة بنص أناجيلهم ابن الله ومرة هو ابن يوسف وابن داود وابن الإنسان، ومرة هو إله يخلق ويرزق، ومرة هو خروف الله، ومرة هو في الله والله فيه، ومرة هو في تلاميذه وتلاميذه فيه، ومرة هو علم الله وقدرته، ومرة لا يحتكم على أحد ولا ينفذ إرادته، ومرة هو نبي وغلام الله، ومرة أسلمه الله إلى أعدائه، ومرة قد انعزل الله له عن الملك وتولاه هو وصار يولي أصحابه خطة التحريم والتحليل في السموات والأرض، ومرة يجوع ويطلب ما يأكل ويعطش ويشـرب ويعرق من الخوف ويلعن الشجرة إذا لم يجد فيها تينًا يأكله، ويفشل فيركب حماره ويأخذ ويلطم وجهه ويضرب رأسه بالقصبة، ويبزق في وجهه ويضرب ظهره بالسياط ويميته الشرط، ويتهكمون به ويسقى الخل في الحنظل ويصلب بين سارقين ويسمر يداه ومات الساعة ودفن ثم يحيا بعد الموت ولم يكن له هم إذا حيي بعد الموت واجتمع بأصحابه إلا طلب ما يأكل فأطعموه الخبز والحوت المشوي، وسقوه العسل، ثم انطلق إلى شغله..).
ثم أخذ ابن حزم في بيان الكذب والكفر والهوس الذي جاء في كتبهم غير الأناجيل.
إن هذا المآل الذي آلت إليه المسيحية واليهودية، اقتضـى أن يـرسل الله سبحانه وتعالى رسولًا آخر، هو محمد بن عبد الله عليه الصلاة والسلام، لإنقاذ البشـرية من هذا الضلال، ويكون الدين الخاتم لكل البشرية بعد أن أعدت لتلقيه.