أولًا: جوانب من الحياة الدينية:
لقد تعرضت الديانتان السماويتان اليهودية والنصرانية إلى تحريف وتبديل، ومن ثم فقدتا الروح، ولم تَعُودا تمثلان دورهما الأساس في إصلاح الناس الذين جاءتا من أجلهم.
فاليهودية، بالإضافة إلى التحريف الذي حدث في أصولها، كانت ديانة أراد الله أن تكون لبني إسرائيل خاصة. غير أنها أصيبت في عقيدة التوحيد التي فضل الله بها بني إسرائيل على أهل زمانهم، إذ اقتبس اليهود كثيرًا من العقائد والتقاليد الوثنية الجاهلية للأمم التي جاوروها أو سيطروا عليها أو عاشوا وسطها. وقد اعترف بهذه الحقيقة مؤرخو اليهود المنصفون. ومثال ذلك ما جاء في دائرة المعارف اليهودية ما معناه:
(إن سخط الأنبياء وغضبهم على عبادة الأوثان تدل على أن عبادة الأوثان والآلهة كانت قد تسربت إلى نفوس الإسرائيليين، ولم تستأصل شأفتها إلى أيام رجوعهم من الجلاء والنفي في بابل، وقد قبلوا معتقدات خرافية ومشركة، وإن التلمود أيضًا يشهد بأن الوثنية كانت فيها جاذبية خاصة اليهود...).
هذا بالإضافة إلى أن توراتهم وتلمودهم قد طفحا بأوصاف ونعوت لا تليق بذات الله ووحيه وأنبيائه ورسالاتهم.
فتراهم في توراتهم المحرفة وعهدهم القديم - مثلًا - يذكرون أن الله قد تعب في اليوم السادس وهو يخلق الكون، واستراح في اليوم السابع، وبارك اليوم السابع وقدسه لأنه استراح فيه من جميع أعماله. ولذلك كان تحريم اليهود للعمل يوم السبت.
وجاء في عهدهم القديم في قصة آدم وزوجه حواء عليهما السلام: (وسمعا صوت الرب الإله ماشيًا في الجنة، عند هبوب رياح النهار، فاختبأ آدم وامرأته من وجه الرب الإله في وسط شجر الجنة، فنادى الرب الإله آدم وقال له: أين أنت؟ فقال: سمعت صوتك في الجنة فخشيت لأني عريان فاختبأت. فقال: من أعلمك أنك عريان؟ هل أكلت من الشجرة التي أوصيتك أن لا تأكل منها؟..).
وهكذا يصورون الله وكأنه بشر لا يعرف ما يحدث في حديقة منزله.
وقد أعقب هذا قولهم: إن آدم عندما أكل من شجرة المعرفة ارتفع بهذا العصيان إلى مراتب الآلهة، وأدرك الخير والشر، على الرغم من أن الرب عندما خلقه كان حريصًا على بقائه جاهلًا بهما. وعندما خشي الرب على ازدياد تمرد آدم واستفحال أمره، أخرجه وزوجه من الجنة حتى لا تمتد أيديهما إلى شجرة الحياة فيكتب لهما الخلود. ولم ترضه أيضًا سيرة آدم وأبنائه في الأرض، لأنه فوجئ بهم يملؤونها بالشـرور والآثام، فحزن وتأسف على خلقهم.
والله في كتابهم المقدس يندم على إغراق الأرض بالطوفان. ويقبل ضيافة نبيه إبراهيم عليه السلام ويأتي إلى منزله بصحبة اثنين من ملائكته ويأكلون من مائدة إبراهيم عليه السلام الدسمة.
والله في توراتهم المحرفة يدخل في عراك ومصارعة مع عبده ونبيه يعقوب، دامت ليلة كاملة. وعندما أوشك يعقوب أن ينتصر عليه، لجأ إلى خدعة مكّنته من كسب الجولة والغلبة، وهي أنه ضرب حُقّ (النقرة التي فيهارأس الفخذ) فخذ يعقوب حتى انخلع. وعلى الرغم من ذلك لم يتركه يعقوب إلا بعد أن باركه ونال منه لقب إسرائيل.
والله عز وجل في توراتهم إله خاص بهم: لا يحب غيرهم، لأنهم شعبه المختار. وأمّا الأمم الأخرى فهي كالأغنام لا يأبه بها الإله. ويبنون كراهيتهم للأجناس الأخرى، وعلى رأسهم العرب، على أساس من دينهم المحرف. فتراهم يذكرون في توراتهم قصة يزعمون فيها أن نوحًا - نبي الله تعالى - سكر حتى استلقى وانكشفت سوأته، ولما رآه ابنه حام - أبو كنعان - ضحك منه وفضحه عند أخويه سام ويافث، اللذين ستراه دون النظر إلى عورته. وعندما أفاق نوح من سكرته، وعلم بما حدث من ابنه الأصغر حام، استنزل عليه لعنة الله قائلًا: (ملعون كنعان عبد العبيد يكون لإخوته. مبارك الرب إله سام، وليكن كنعان عبدًا لهم، ليفتح الله ليافث، فيسكن في مساكن سام، وليكن كنعان عبدًا لهم..). وظاهر في هذه القصة إرادة اليهود استعباد الكنعانيين أبناء حام - وهم لا ذنب لهم - وتزكية الإسرائيليين أبناء سام.
وكما صور اليهود نوحًا سكيرًا ليصلوا إلى أهداف معينة، تراهم أيضًا يصورون لوطًا عليه السلام سكيرًا وعاهرًا يزني بابنتيه في حالة سكر، وتحبلان منه وتلدان. وزعموا أن ابن البنت البكر عرف بـ(مؤاب)، أبو المؤابيين إلى اليوم، ليصلوا بذلك إلى هدف واضح أيضًا وهو تجريح أعدائهم المؤابيين، وكل ذلك باسم الوحي.
وصدق الله العظيم الذي قال في القرآن الكريم:
﴿ وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ﴿٧٨﴾ ﴾[آل عمران:78]. ﴿ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَٰذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا ۖ فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ ﴿٧٩﴾ ﴾[البقرة:79].
وتدّعي توراتهم أن كل النساء غير اليهوديات مومسات. ويستحق القتل كل الجوييم - غير اليهود - أو العبيد أو الحمير حتى ذوو الفضل منهم. وأن من يقتل غير اليهودي يقدم قربانًا للرب [د. عويس: ثقافة المسلم...].
هل يمكن أن يكون هذا كتابًا إلهيًا مقدسًا لتعريف البشر بالله عز وجل وهدايتهم إلى طريقه؟!
إن هذا الاعتقاد الباطل هو الذي جعلهم لا يبالون بكل القيم في سبيل الوصول إلى أهدافهم كما هو واضح من بروتكولات حكماء صهيون. ولا يبالون في وصف أنبياء الله سبحانه وتعالى بأوصاف لا تليق بهم كما قلنا. فها هم مثلًا - يصورون إبراهيم عليه السلام ديوثًا في سبيل حرصه على الحياة والمنافع الدنيوية.
فيذكرون في توراتهم أنه أغرى زوجته سارة بالذهاب إلى بيت فرعون بصفتها أخت إبراهيم من أجل الحصول على حظيرة من الغنم والحمير، قال لها: «قولي إنك أختي ليكون لي خير بسببك وتحيا نفسي من أجلك..» [نفسه].
ويصورون يعقوب عليه السلام بأنه محتال، سرق النبوة من أخيه البكر بأسلوب قذر.
ويصورون ابنة يعقوب عليه السلام المسماة (دينة) بأنها زانية، زنا بها ابن رئيس المدينة المجاورة.
ويقولون في تلمودهم بأن عيسى بن مريم عليه السلام ابن غير شرعي، حملته أمه سفاحًا وهي حائض، من العسكري (باندارا)، وإنه كذاب ومجنون ومضلل وساحر ومشعوذ ووثني. ووصف تلمودهم المسيحيين بأنهم ليسوا أكثر من خرق حيض المرأة التي تُرمَى في القاذورات، وأنهم وثنيون وقتلة وفسقة وحيوانات قذرة وحمير وخنازير وكلاب.
ويصورون نبيهم داود عليه السلام يزني بامرأة أحد ضباطه، وتحبل منه، وذلك عندما رآها على السطوح فأعجبه جمالها، وأرسل زوجها الضابط إلى ميادين القتال ليهلك، ثم يتزوجها.
أي بشاعة هذه؟ إن هذا الكلام لا يمكن أو يعقل أن يكون من عند الله سبحانه وتعالى، وبالتالي لا يمكن أن يكون صالحًا لهداية البشرية.
لقد حكى القرآن الكريم عن جوانب كثيرة من تفكير اليهود الديني وموقفهم من كتابهم ورسلهم. ومن ذلك ما حكاه عن:
ميلهم إلى الوثنية على الرغم من وجود نبيهم موسى عليه السلام بينهم، فقد قالوا له: ﴿ اجْعَلْ لَنَا إِلَٰهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ ۚ ﴾[الأعراف:138].
وعندما عاد إليهم موسى بعد ملاقاة ربه، وجدهم عاكفين على عبادة عجل، قائلين: ﴿ لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّىٰ يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَىٰ ﴿٩١﴾ ﴾[طه:91].
وعدم تخليهم عن شغفهم بالوثنية بعد موسى عليه السلام كما قال الله تبارك وتعالى: ﴿ وَلَقَدْ جَاءَكُمْ مُوسَىٰ بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ ﴿٩٢﴾ وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ ۚ ﴾ [البقرة:92-93].
وذكر القرآن نوعًا من تعنتهم مع موسى عليه السلام ويتمثل ذلك في قولهم له: ﴿ أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً ﴾ [النساء:153]. وذكر نوعًا من سوء أدبهم مع الله، فقال: ﴿ وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ ۚ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ ﴾ [المائدة:64].
ونسبهم بنوة البشر لله تعالى، قال تعالى: ﴿ وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ ﴾[التوبة:30].
وألَّهو أحبارهم، كما قال تعالى: ﴿ اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ ﴾ [التوبة:31].
وعدم تورعهم في تحريف كلام الله عز وجل كما حكى عنهم القرآن الكريم في الآية: ﴿ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَٰذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا ۖ فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ ﴾[البقرة:79]، وفي الآية: ﴿ أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ﴾ [البقرة:75].
ومما حكاه القرآن الكريم عن موقفهم من رسلهم قوله تعالى: ﴿ أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَىٰ أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ ﴿٨٧﴾ ﴾[البقرة:87]، وقوله تعالى: ﴿ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ۗ ﴾[البقرة:61]، وقوله: ﴿ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴿٩١﴾ ﴾[البقرة:91].
ويتضح لك مما سقناه من أدلة من كتب اليهود ومن كتاب الله تعالى إلى أي درك وصلت هذه الديانة على أيدي هؤلاء البشر.