حجم الخط:

أ- المرحلة الثانية: الجهر بالدعوة:

روى أحمد - في المسند، بسند حسن - عن علي رضي الله عنه قال: لما نزلت هذه الآية: ﴿ وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ ﴿٢١٤﴾ [الشعراء: 214] قال: جمع النبي أهل بيته، فاجتمع ثلاثون، فأكلوا وشربوا، فقال لهم: «من يضمن عني ديني ومواعيدي ويكون معي في الجنة ويكون خليفتي في أهلي؟»، فقال رجل: يا رسول الله، أنت كنت بحرًا، من يقوم بهذا؟... فعرض ذلك على أهل بيته، فقال علي: أنا.

وفي رواية ابن إسحاق [في السيرة، بسند يتقوى بغيره]: أن الرسول قال لهم في ذلك اللقاء: «يا بني عبد المطلب إني والله ما أعلم شابًا من العرب جاء قومه بأفضل مما جئتكم به، إني قد جئتكم بأمر الدنيا والآخرة».

ثم خطا الرسول خطوة أخرى لتنفيذ أمر الله تعالى. فقد روى البخاري ومسلم عن ابن عباس، قال: «لما نزلت: ﴿ وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ ﴿٢١٤﴾ [الشعراء: 214]، ورهطك منهم المخلصين، خرج رسول الله حتى صعد الصفا، فهتف: يا صباحاه، فقالوا: من هذا؟ فاجتمعوا إليه، فقال: أرأيتم إن أخبرتكم أن خيلًا تخرج من سفح هذا الجبل أكنتم مُصَدِّقِيَّ؟ قالوا: ما جربنا عليك كذبًا. قال: فإني نذير لكم بين يدي عذاب عظيم». قال أبو لهب: تبًا لك، ما جمعتنا إلا لهذا؟ ثم قام، فنزلت: ﴿ تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ [المسد: 1].

وروى الشيخان عن أبي هريرة، قال: لما أنزلت هذه الآية: ﴿ وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ دعا رسول الله قريشًا. فاجتمعوا فعمَّ وخص، فقال: «يا بني كعب بن لؤي! أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني مرة بن كعب! أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني عبد شمس! أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني عبد مناف! أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني هشام!... يا بني عبد المطلب!... يا فاطمة!... فإني لا أملك لكم من الله شيئًا، غير أن لكم رَحِمًا سَأَبُلُّهَا بِبِلالِهَا». [أي: سأصلها، شبهت قطيعةُ الرحم بالحرارة، ووصلها بإطفاء الحرارة ببرودة الماء].

كانت هذه الصيحة العالية هي غاية البلاغ. فقد فاصل الرسول قومه على دعوته، وأوضح لأقرب الناس إليه أن التصديق بهذه الرسالة هو حياة الصلة بينه وبينهم، وأن عصبية القرابة التي يقوم عليها العرب ذابت في حرارة هذا الإنذار الآتي من عند الله سبحانه وتعالى [البوطي].

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة