حجم الخط:

أ- المقاطعة العامة:

لما رأت قريش أن عدد الداخلين في الإسلام قد ازداد، وأن وسائلها وأساليبها السابقة في محاربتهم وقمعهم لم تُجد شيئًا، خاصة بعد إسلام حمزة وعمر، أعادت النظر في تلك الأساليب والوسائل، ثم اتخذت أسلوبًا آخر، أقسى وأشمل من الأساليب السابقة، وهو أسلوب المقاطعة العامة.

قال ابن إسحاق [في السيرة والسير] وموسى بن عقبة [كما في دلائل البيهقي] وعروة ابن الزبير [في معازيه] وابن سعد وغيرهم من أصحاب المغازي إنه لما رأت قريش أن الصحابة قد نزلوا أرضًا أصابوا بها أمنًا وأن عمر وحمزة أسلما، وأن الإسلام فشا في القبائل، أجمعوا على أن يقتلوا رسول الله ، فبلغ ذلك أبا طالب، فجمع بني هاشم وبني المطلب، فأدخلوا رسول الله شعبهم ومنعوه ممن أراد قتله، فأجابوه إلى ذلك حتى كفارهم فعلوا ذلك حمية على عادة الجاهلية. فلما رأت قريش ذلك اجتمعوا وائتمروا بينهم أن يكتبوا كتابًا يتعاقدون فيه على بني هاشم وبني المطلب، على أن لا يعاملوهم ولا يناكحوهم حتى يسلموا إليهم رسول الله . ففعلوا ذلك وعلقوا الصحيفة في جوف الكعبة، وكان كاتبها منصور بن عكرمة، الذي دعا عليه الرسول فشلت بعض أصابعه، ويقال النضـر بن الحارث، وقيل طلحة بن أبي طلحة. فانحازت بنو هاشم وبنو المطلب إلى أبي طالب. فكانوا معه كلهم إلا أبا لهب، فكان مع قريش. وقيل كان ابتداء حصرهم في المحرم سنة سبع من المبعث. فأقاموا على ذلك سنتين أو ثلاثًا. وجزم موسى بن عقبة [كما نقله عنه الذهبي في السيرة وابن حجر في الفتح] بأنها كانت ثلاث سنين، حتى جهدوا، ولم يكن يأتيهم شيء من الأقوات إلا خفية، حتى كانوا يؤذون من اطلعوا على أنه أرسل إلى بعض أقاربه شيئًا من الصلات، إلى أن قام في نقض الصحيفة نفر من أشدهم في ذلك ضيقًا، وهم: هشام بن عمرو ابن الحارث، وزهير بن أبي أمية، والمُطْعِم بن عَدَي، وزَمْعَة بن الأسود, وأبو البَخْتَرِيّ ابن هشام بن الحارث. وكانت تربطهم ببني هاشم والمطلب صلات الأرحام.

روى ابن أبي شيبة [في مغازيه]: «نادى منادي رسول الله يوم بدر: ليس لأحد من القوم - يعني أمانًا - إلا أبا البختري، فمن كان أسره فليخل سبيله، فإن رسول الله قد أمَّنه، فوجدوه قد قتل». قلت: وذلك للمعروف الذي أداه إلى المسلمين حين سعى مع غيره لنقض صحيفة المقاطعة الجائرة.

وذكر ابن هشام أنهم وجدوا الأرَضة قد أكلت جميع ما فيها إلا اسم الله تعالى. وأما ابن إسحاق [في السيرة] وموسى بن عقبة [كما ذكر ابن حجر في الفتح] وعروة [في مغازيه] فذكروا عكس ذلك.

قالوا إن الأرضة لم تدع اسمًا لله إلا أكلته، وبقي ما بها من الظلم والقطيعة. والمعنى المقصود عندهم جميعًا واحد، وهو أنهم أرادوا أن يقولوا أن اسم الله تعالى لا يجتمع مع عبارات الظلم والقطيعة.

قال السهيلي: (وفي الصحيح: أنهم جهدوا حتى كانوا يأكلون الخَبَط وورق السَّمُرِ، حتى إن أحدهم ليضع كما تضع الشاة، وكان فيهم سعد بن أبي وقاص، الذي روي أنه قال: لقد جعت حتى أني وطئت ذات ليلة على شيء رطب فوضعته في فمي وما أدري ما هو إلى الآن).

وفي رواية يونس بن بكير [ابن إسحاق في السير] أن سعدًا قال: «لقد رأيتني مع رسول الله بمكة، فخرجت من الليل أبول، فإذا أنا أسمع قعقعة شيء تحت بولي، فنظرت فإذا قطعة جلد بعير، فأخذتها فغسلتها، ثم أحرقتها [أي: شواها]، فرضضتها [أي سحنها] بين حجرين، ثم استففتها، فشربت عليها الماء، فقويت عليها ثلاثًا».

وكانوا إذا قدمت العير مكة يأتي أحدهم السوق ليشتري شيئًا من الطعام لعياله، فيقوم أبو لهب - عدو الله - فيقول: «يا معشر التجار: غالوا على أصحاب محمد، حتى لا يدركوا معكم شيئًا، فقد علمتم مالي ووفاء ذمتي، فأنا ضامن أن لا خسار عليكم»، فيزيدون عليهم في السلعة أضعافًا حتى يرجع إلى أطفاله، وهم يتضاغون من الجوع، وليس في يديه شيء يطعمهم به، ويغدو التجار على أبي لهب فيربحهم فيما اشتروا من الطعام واللباس، حتى جهد المؤمنون، ومن معهم جوعًا وعريًا... وهلك من المحاصرين من هلك كما قال ابن عباس [أبو نعيم: الدلائل].

ومع هذه المقاطعة وما جرى للمسلمين وراءها من معاناة لم يتوقف الرسول عن الدعوة، فقد كان يخرج في المواسم، ويلتقي القادمين على مكة، ويعرض عليهم الإسلام، ويعرض ذلك على كل من يتصل به من قومه [ابن هشام].

ولما أفسد الله عز وجل الصحيفة، خرج رسول الله ورهطه وصحابته رضي الله عنه، وخالطوا الناس [عروة: والمغازي؛ الذهبي: السيرة، من حديث ابن عقبة].

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة