حجم الخط:

أ- من إرهاصات النبوة عند أهل الكتاب وكهان العرب عندما قارب زمن بعثة الرسول ﷺ:

عقد ابن إسحاق [في السيرة] فصلًا عن أخبار الكهان من العرب والأحبار من اليهود والرهبان من النصارى بقرب مبعث النبي .

ومما روي في أمر كهان العرب بطرق صحيحة حديث ابن عباس - عند مسلم - في رمي الجن بالنجوم قطعًا لمصدر كهانة العرب في الجاهلية. وخبر سَوَاد بن قَارِب الأزدي السدوسي الكاهن مع عمر بن الخطاب رضي الله عنه، كما روى البخاري وابن إسحاق، حيث كان سواد يقول: «إن الشياطين قد سكتت ذليلة مغلوبة قبيل مبعث النبي »، وكان سبب إسلامه هو ما رواه من إرهاصات عن طريق ممارسته الكهانة والاستعانة بالجن في ذلك، كما جاء ذلك في خبره.

وفي القصة [عند أحمد في المسند والبيهقي في الدلائل]، أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان يحدث الناس: «والله إني لعند وثن من أوثان الجاهلية في نفر من قريش قد ذَبَحَ له رجل من العرب عجلًا، فنحن ننتظر قسمه ليقسم لنا منه إذ سَمِعْتُ من جوف العجل صوتًا ما سمعت صوتًا قَطُّ أَنْفَذَ مِنه، وذلك قُبَيلَ الإسلام بشهر أو شَيْعِهِ، يقول: يا ذُرَيْحُ، أَمْرُ بُجَيح، رجل يَصِيْحُ، يقول: لا إله إلا الله».

روى ابن إسحاق بسند حسن، في إخبار يهود برسول الله أن يهوديًا كان من جيران بني عبد الأشهل، حدثهم عن البعث والجزاء فاستنكروا ذلك وطالبوه بآية ذلك، فقال: نبي مبعوث من نحو هذه البلاد، وأشار بيده جهة مكة واليمن.

وروى ابن إسحاق أن من أسباب إسلام ثَعْلَبة بن سَعْيَة وأُسَيْد بن سَعْية وأسد ابن عُبَيْد من يهود بني هدل، إخوة بني قريظة، ما أخبرهم به يهودي يقال له ابن الهَيَّبَان، قدم من الشام إلى المدينة قبيل البعثة بسنين. قال لهم إن سبب قدومه المدينة توقع خروج نبي فيتبعه، ودعا اليهود إلى اتباعه وألا يسبقهم إليه أحد، وذكر لهم بعض صفاته. فعندما تأكدوا منها يوم حصار قريظة أسلموا.

وفي قصة سلمان الفارسي [عند البخاري وابن إسحاق]، وخروجه من بلاده بحثًا عن الدين الحق وتقلبه في الرق إلى أن جاء إلى المدينة، وقصة ورقة بن نوفل - عند البخاري وأحمد في المسند والحاكم - وزيد بن عمرو بن نفيل وخروجهما من مكة بحثًا عن الدين الحق حتى انتهيا إلى راهب بالموصل، قال الراهب لزيد: (إن الذي تلتمس يوشك أن يظهر في أرضهما). في هذه القصص وغيرها دليل على ما كان سائدًا عن اليهود والنصارى في ذلك الوقت، من اعتقاد بقرب ظهور النبي . وللصفات التي عرفت من الأحبار والرهبان عن الرسول أسلم سلمان الفارسي.

وجاء في صحيح الأخبار [مثل الذهبي في السيرة وابن حبان في الصحيح والطبراني والحاكم] أن الله تعالى لما أراد هدي زيد بن سعنة - الحبر اليهودي - قال: «إنه لم يبق من علامات النبوة إلا وقد عرفتها في وجه محمد حين نظرت إليه إلا اثنتين لم أَخبرهما منه: يسبق حلمه جهلة، ولا يزيده شدة الجهل عليه إلا حلمًا»، فخالط الرسول حتى تأكد من هاتين الخصلتين.[يأتي تفصيل هذا الخبرفي فصل الشمائل]

وجاء في الأخبار [كما عند ابن سعد وأبي نعيم في الدلائل، بسند مقبول عند ابن حجر] أن سبب إسلام عامر بن ربيعة العدوي هو ما كان يقوله زيد بن عمرو بن نفيل من أنه ينتظر نبيًا من ولد إسماعيل من بني عبد المطلب اسمه أحمد، ولا يرى أن يدركه، وكان ينعته للناس، لما عرفه عنه من أهل الكتاب.

وروى أبو نعيم [في دلائله، بإسناد حسن] أن قس بن ساعدة الإيادي كان يقول: «أقسمَ قس قسمًا برًا لا إثم فيه، ما لله على الأرض دين هو أحب إليه من دين أظلكم إبّانه وأدرككم أوانه، طوبى لمن أدركه فاتَّبعه، وويل لمن أدركه ففارقه...».

وقال المفسرون - مثل الطبري - وأهل السير - مثل ابن إسحاق - إن الآية: ﴿ وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ ۚ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ ﴿٨٩﴾ [البقرة:89] نزلت في اليهود الذين كانوا في صراع مع الأوس والخزرج. وإذا نال الأوس والخزرج منهم قالوا لهم إنه قد تقارب زمان نبي يبعث الآن نقتلكم معه قتل عاد وإرم، فلما ظهر اتبعه الأوس والخزرج وكفرت به اليهود.

وقصة هرقل مع أبي سفيان [في الصحيحين] تدل على ذلك، خاصة قول هرقل لأبي سفيان: «فإن كان ما تقول حقًا فسيملك موضع قدمي هاتين».

وجاءت الأحاديث النبوية مصرحة بأن محمدًا قد كتب نبيًا منذ القدم. فقد روى الإمام أحمد [في مسنده بسند صحيح]، والترمذي [في سننه بسند صحيح]، قول الرسول : إنه كان نبيًا «وآدم بين الروح والجسد». وعند أحمد من حديث العرباض بن سارية: «وإن آدم لَمُنْجَدِلٌ في طينته». وعند أبي نعيم [في الدلائل]، قال: قال رسول الله : «كنت أول النبيين في الخلق وآخرهم في البعث».

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة