حجم الخط:

أ- نزول الوحي:

روى الشيخان أن أمين الوحي فجأ الرسول لأول مرة في يوم الاثنين، الحادي والعشرين من شهر رمضان، من العام الأربعين لميلاده ، بينما كان يتحنَّث بغار حراء. وقال له: اقرأ، قال في الحديث: «فقلت: ما أنا بقارئ، فأخذني فغطني حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني فقال: اقرأ، فقلت ما أنا بقارئ، فأخذني الثانية فغطني حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني، فقال: اقرأ، فقلت: ما أنا بقارئ، فأخذني فغطني الثالثة حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني فقال: ﴿ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ ﴿١﴾ [العلق:1] حتى بلغ إلى قوله: ﴿ مَا لَمْ يَعْلَمْ ﴿٥﴾ [العلق:5]». قالت عائشة رضي الله عنها - راوية الحديث -: «فرجع بها تَرْجُفُ بَوَادِرُهُ حتى دخل على خديجة، فقال زَمِّلُوني، فزمَّلوه حتى ذهب عنه الرَّوْعُ، فقال: يا خديجة، ما لي! وأخبرها الخبر، وقال: قد خشيت على نفسي، فقالت له: كلا، فوالله لا يُخْزِيْكَ الله، إنك لَتِصِلُ الرَّحِمَ وتَصْدُقُ الحَديثَ وتَحْمِلُ الكَلَّ [الذي لا يستقل بأمره] وَتَكْسِبُ المعدوم، وتَقْرِي الضَّيْفَ وتُعِيْنُ على نَوَائِبِ الحَقِّ، ثم انطلقت به خديجة إلى ابن عمها ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العُزَّى، وكان امرأًتنصَّر في الجاهلية، وكان يكتب الكتاب العبراني، فيكتب من الإنجيل بالعبرانية ما شاء الله أن يكتب، وكان شيخًا كبيرًا قد عَمِيَ. فقالت: اسمع من ابن أخيك، فقال: يا ابن أخي ما ترى؟ فأخبره. فقال ورقة: هذا الناموس الذي أنزل على موسى، يا ليتني فيها جَذَعًا أكون حيًا حين يخرجك قومك، قال: أو مخرجِيّ هم؟ قال: نعم لم يأتي أحد بما جئت به إلا عُوْدِيَ أو أوذي، وإن يدركني يومك أنصرك نصرًا مؤزرًا. ثم لم يلبث ورقة أن توفي».

أما الخبر الذي أورده ابن إسحاق [في السيرة، بسند حسن] عن كيفية بدء الوحي، والذي قال فيه: «فجاءني جبريل وأنا نائم بِنَمَطٍ من دِيْبَاج فيه كتاب، فقال: اقرأ...» فهو يخالف في الظاهر حديث عائشة رضي الله عنها عند البخاري ومسلم الذي فيه التصريح بأن مجيء الوحي كان في حالة اليقظة, وأن الرؤيا الصادقة كانت قبل نزول الوحي، ولذا قال السهيلي: (وقد يمكن الجمع بين الحديثين بأن النبي جاءه جبريل في المنام قبل أن يأتيه في اليقظة، توطئة وتيسيرًا عليه ورفقًا به، لأن أمر النبوة عظيم، وعبؤها ثقيل، والبشر ضعيف).

وقال ابن كثير [في البداية] بما قاله السهيلي، ثم زاد: (... وقد جاء مصـرحًا بهذا في مغازي موسى بن عقبة عن الزهري، إنه رأى ذلك في المنام، ثم جاءه الملك في اليقظة»، وقال في مكان آخر: «ويحتمل أن هذا المنام كان بعدما رآه في اليقظة صبيحة ليلتئذ، ويحتمل أنه كان بعده بمدة، والله أعلم).

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة