الأحكام والدروس المستفادة من أحداث الهجرة إلى المدينة:
1- أوضح الرسول ﷺ في خطبة له أيام فتح مكة: أن لا هجرة بعد فتح مكة ولكن جهاد ونية.[متفق عليه]، فلم تعد الهجرة من مكة إلى المدينة واجبًا، وإن بقي حكمها من بلاد الكفر إلى بلاد الإسلام واجبًا إلى يوم القيامة. [ابن حجر: الفتح]. فقد شرعت الهجرة إلى المدينة ليعبد المسلمون ربهم بأمان ويقيموا كيان الدولة الإسلامية ويحموه، ثم يوسعوا رقعة هذه الدولة بالدعوة إلى الله؛ والهجرة بعد فتح مكة لم تعد ضرورة؛ لأن كيان الإسلام قد قوي وصارت للمسلمين دولة، فأصبح وجود المسلمين في ديارهم أجدى لإقامة شعائر الإسلام ونشر تعاليمه في سائر الأرجاء، أما الجهاد فماض إلى يوم القيامة. ولذلك بايع النبي ﷺ المسلمين بعد الفتح على الإسلام والإيمان والجهاد، ولم يبايعهم على الهجرة. [البخاري]. وقد بين ابن عمر رضي الله عنهما ذلك بقوله: «انقطعت الهجرة بعد الفتح إلى رسول الله ﷺ، ولا تنقطع الهجرة ما قوتل الكفار»، أي ما دام في الدنيا دار كفر، فالهجرة واجبة على من أسلم وخشي أن يفتن في دينه. [ابن حجر: الفتح].
ويستدل في ذلك بقوله تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ ۖ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ ۚ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا ۚ فَأُولَٰئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ ۖ وَسَاءَتْ مَصِيرًا ﴿٩٧﴾ إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا ﴾ [النساء:97-98] [الفتح].
وهكذا اقتضت ظروف قيام الدولة الإسلامية في المدينة، وحاجتها إلى جنود يحمونها؛ أن تكون الهجرة إلى المدينة واجبة على كل مسلم قادر. قال الخطابي: (كانت الهجرة إلى المدينة إلى حضرته للقتال معه وتعلم شرائع الدين).
وقد أكد الله تعالى هذا الأمر في عدة آيات حتى قطع الموالاة بين من هاجر ومن لم يهاجر، فقال تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّىٰ يُهَاجِرُوا ۚ ﴾[الأنفال:72] [الطبري: التفسير]، فلما فتحت مكة، ودخل الناس في الإسلام من جميع القبائل، سقطت الهجرة الواجبة وبقي الاستحباب [ابن حجر: الفتح].
وفي ضوء هذا يمكن القول بأنه إذا كان أي بلد من بلاد الكفر أعون للمسلم على ممارسة دينه والدعوة إليه، فهو أجدر بالإقامة فيه إذا تيسـر سبيل ذلك للمسلم، ولا تجب عليه الهجرة، لأن هذه البلاد أصبحت مثل دار الإسلام، فالإقامة فيها أفضل من الرحلة منها لما يترجى من دخول غيره في الإسلام. [ابن حجر: الفتح].
2- استخدم الرسول ﷺ كل الأسباب والوسائل المادية التي يهتدي بها العقل البشري في مثل هذا العمل. وليس ذلك بسبب خوف على نفسه، أو شكٍّ في إمكان وقوعه في قبضة المشركين؛ وإنما هو تشريع للأمة ليتأسى الناس به، فيأخذوا بالأسباب في كل أعمالهم، وأن سنة الله أن السبب إذا وجد، وجد معه المسبب ما لم يبطل الله ذلك كما فعل في جعل النار بردًا وسلامًا على إبراهيم ﷺ، فعندها تكون هذه معجزة للنبي، وإن كانت لغيره فهي كرامة للصالحين، واستدراج للطالحين من الناس؛ والدليل على ذلك أنه بعدما استنفد الأسباب المادية كلها كان مطمئنًا، وصاحبه أبو بكر كان خائفًا، وكان من مقتضى اعتماده على تلك الاحتياطات أن يشعر بشيء من الخوف والجزع؛ لقد كان كل ما فعله من الاحتياطات إذًا، وظيفة تشريعية قام بها، فلما انتهى من أدائها، عاد قلبه مرتبطًا بالله عز وجل، معتمدًا على حمايته وتوفيقه، ليعلم المسلمون أن الاعتماد في كل أمر لا ينبغي أن يكون إلا على الله عز وجل، وأن ذلك لا ينافي اتخاذ الأسباب والتدبير للوصول إلى الأهداف [البوطي: السيرة].
3- إن قبول علي بن أبي طالب النوم على فراش الرسول ﷺ ليلة الهجرة منقبة عظيمة لعلي، دلت على إيمانه وشجاعته، وهذا يدل على جواز خدع العدو والتمويه عليه عملًا بأسباب النجاة.
4- إن العمل الذي قام به الشباب في تنفيذ خطة الرسول ﷺ للهجرة، مثل دور علي وأبناء أبي بكر، يعد دورًا نموذجيًا رائدًا لشباب الإسلام.
5- إن المعجزات التي أجراها الله تعالى لحماية نبيه ﷺ في هذه الرحلة، جاءت كما جاء غيرها، كضرب من ضروب التكريم للرسول ﷺ وإشارة إلى أن الله عز وجل ناصره وممكن لدينه في أرضه، طال الزمن أم قصر.
6- إن العمل الذي قام به أبو بكر رضي الله عنه في الهجرة يعد منقبة كبرى له، ويكفيه تكريمًا أن يذكر في القرآن بمناسبة هذا الدور، ﴿ ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا ۖ ﴾[التوبة:40].
7- يفهم من إرداف الرسول ﷺ لأبي بكر رضي الله عنه على راحلته، حين دخولهما المدينة، على الرغم من وجود راحلة أخرى، أن الرسول ﷺ آثر عامر بن فهيرة وعبد الله ابن أرقد بركوب الراحلة الثانية، وذلك من كمال تواضعه.
8- إذا تأملنا في قصة تبرك أبي أيوب الأنصاري وزوجه بآثار الرسول ﷺ، وإقرار الرسول ﷺ لذلك، تبين لنا مشروعية التماس البركة من آثار النبي ﷺ، إن وُجِدَتْ، [الألباني: التوسل] وفي وجودها شك كبير جدًا.
9- دل تصرف أبي أيوب وأم أيوب على مدى محبة الصحابة رضي الله عنهم للرسول ﷺ وهي صورة متكررة في كل مقطع من مقاطع هذه السيرة.
10- إن في إعراض الرسول ﷺ عن أكل الثوم النيء دليل على أن ذلك من خصوصياته ﷺ، وقد أحله للمسلمين بشرط ألا يأكلوه ثم يرتادوا المساجد قبل أن تزول رائحته، وقد وجه الرسول ﷺ إلى من يريد أكل الثوم فليمته طبخًا. [مسلم وغيره].