ولما انقطع الطلب عنهما، جاءهما الدليل - ابن أرقد - بعد ثلاث ليال من بقائهما في الغار ومعه الراحلتان. وكان معهما عامر بن فهيرة. انطلق الأربعة إلى المدينة، عن طريق الساحل [البخاري وابن إسحاق في السيرة].
بعد أن اتخذ الرسول ﷺ جميع الأسباب التي في مقدور البشر لينجو من الأعداء، كان مطمئنًا، ولسانه رطب بذكر الله، بالدعاء، بينما أبو بكر يكثر الالتفات؛ حرصًا منه على سلامة الرسول ﷺ. [البخاري].
وعندما حانت ساعة المقيل في يومهم ذاك، وخلا الطريق، رفع الله لهم صخرة طويلة لها ظل، لم تأت عليها الشمس، فنزلوا عندها، وسوى أبو بكر بيده مكانًا تحتها، وبسط عليها فروة، وطلب من الرسول ﷺ أن ينام، وخرج هو ليراقب المكان، فإذا هو براع مقبل بغنمه إلى الصخرة، يريد منها مثل ما أرادوا. وتكلم معه أبو بكر ليعرف أمره، فعرف أنه رجل من أهل مكة. ورضي أن يحلب لهم من شاة له. وطلب منه أبو بكر أن ينظف الضرع قبل الحليب، وكره أن يوقظ الرسول ﷺ للشـرب، فانتظره حتى استيقظ، فشرب حتى رضي أبو بكر، ثم أمر بالرحيل. [البخاري].
وكان الرسول ﷺ يردف أبا بكر معه على راحلته، وكان إذا سأل أحد أبا بكر في الطريق عن الرسول ﷺ، يقول: هذا الرجل يهديني السبيل، فيحسب السائل أنه يعني الطريق، وإنما كان يعني سبيل الخير. [البخاري].
وروى البخاري ومسلم من حديث سُرَاقَة بن مالك المدلجي أنهم مروا في طريقهم بحي بني مُدْلج، فرآهم رجل منهم، فجاء إلى مجلس من مجالس قومه وفيهم سراقة بن مالك، فقال: «يا سراقة، إني قد رأيت آنفًا أَسْوِدَة بالساحل، أراها محمدًا وأصحابه». قال سراقة: «فعرفت أنهم هم: فقلت له: إنهم ليسوا بهم، ولكنَّك رأيت فلانًا وفلانًا، انطلقوا بأعيننا»، ثم لبث في المجلس ساعة، ثم قام فدخل داره، وأمر جاريته أن تخرج بفرسه إلى ما وراء الأَكَمَةِ، ثم تجهز هو وتسلل إلى مكان فرسه، فركبها وانطلق بها. وعندما دنا من محمد ﷺ وأصحابه، عثرت به فرسه، فنزل عنها وأخرج الأزلام، فاستقسم بها ليعرف: هل يضرهم أم لا؟ فخرج السهم الذي يكره، وهو ألا يضرهم، ولكنه عصـى فركب فرسه، وعندما انطلق إلى أن وصل مكانًا يسمع منه دعاء الرسول ﷺ ساخت يدا فرسه في الأرض حتى بلغتا الركبتين. فنزل عنها ثم زجرها، فنهضت. وعندما انتزع الفرس يديه من الأرض، تبعهما دخان كالإعصار، فعرف حين رأى ذلك أن رسول الله ﷺ قد منع منه، وأن أمره سيظهر، فاستقسم بالأزلام، فخرج الذي يكره، فناداهم بالأمان، فوقفوا، فركب فرسه حتى جاءهم، ووقع في نفسه حين لقي ما لقي من الحبس عنهم أن سيظهر أمر رسول الله ﷺ، فأخبر الرسول ﷺ أن قومه قد جعلوا فيه الدية، وأخبرهم أخبار ما يريد الناس، وعرض عليهم الزاد و المتاع، ولكنهم لم يطلبوا منه شيئًا سوى أن الرسول ﷺ طلب منه أن يخفي عنهم. وسأل سراقة أن يكتب له كتاب أمان، فأمر عامر بن فهيرة، فكتب له ما أراد في رقعة من جلد، ثم مضوا.
روى البخاري بسنده إلى أبي بكر رضي الله عنه: «ارتحلنا والقوم يطلبوننا، فلم يدركنا منهم أحد غير سراقة بن مالك بن جُعْشُم على فرس له، فقلت هذا الطلب قد لحقنا يا رسول الله، فقال: لا تحزن، إن الله معنا».
وعندما رجع سراقة إلى قومه، جعل يقول لهم: «قد استبرأت لكم الخبر. قد كُفِيْتُم ما ههنا». [البخاري].
وهكذا كان أول النهار جاهدًا عليهما وآخره حارسًا لهما.[البخاري].
وكان كتاب الأمان مع سراقة إلى أن جاء به الرسول ﷺ، عندما فرغ من غزوتي حنين والطائف، فوفاه له رسول الله ﷺ،وقال: «يوم وفاء وبر».ويومها أسلم سراقة. [ابن إسحاق في السيرة بإسناد حسن].
روى ابن حجر [في الإصابة] وابن عبد البر [في الاستيعاب] وغيرهما أن رسول الله ﷺ قال لسراقة بن مالك: «كيف بك إذا لبست سواري كسـرى؟» قال: فلما أتي عمر بسواري كسرى ومنطقته وتاجه، دعا سراقة بن مالك فألبسه إياهما، وكان سراقة رجلًا أزب كثير شعر الساعدين، وقال له: ارفع يديك، فقال: الله أكبر، الحمد الله الذي سلبهما كسرى بن هرمز، الذي كان يقول: أنا رب الناس، وألبسهما سراقة بن مالك بن جُعْشُم، أعرابي من بني مدلج، ورفع بها عمر صوته».
وذكر ابن إسحاق [من رواية ابن بكير كما ذكر البيهقي في الدلائل] أبياتًا من الشعر يحرض فيها أبو جهل قوم سراقة على سراقة، ورد عليه سراقة أيضًا بأبيات من الشعر [ابن كثير: البداية].
ثم مر رسول الله ﷺ وصحبه في مسيره ذلك بخيمتي أم مَعْبَد الخُزَاعِيَّة، فسألوها إن كان عندها طعام، فاعتذرت بالجدب، فنظر رسول الله ﷺ إلى شاة قرب الخيمة، فسألها عنها، فقالت: شاة خلفها الجهد عن الغنم، فقال: «هل بها من لبن؟» قالت: «هي أجهد من ذلك». فاستأذنها في حلبها، فأذنت له قائلة: «إن رأيت بها حلبًا فاحلبها». فمسح رسول الله ﷺ بيده ضرعها، وسمى الله ودعا، فدرت، فدعا بإناء لها، فحلب فيه، فسقاها حتى رويت، وسقى أصحابه حتى رووا، ثم شرب وحلب فيه ثانيًا، حتى ملأ الإناء وتركه لها، ثم ارتحلوا.
وعندما جاء زوجها أبو معبد ورأى اللبن عجب من ذلك، فأخبرته بالذي حدث من محمد ﷺ، فقال: «والله إني لأراه صاحب قريش الذي تطلبه»، وطلب منها أن تصفه له، فوصفته له، وعندما سمع وصفها، قال: «والله هذا صاحب قريش الذي ذكروا من أمره ما ذكروا، لقد هممت أن أصحبه، ولأفعلن إنْ وجدت إلى ذلك سبيلًا»، وأصبح صوت بمكة عاليًا يسمعونه ولا يرون القائل:
| سلوا أختكم عن شاتها وإنائها |
| فإنكم إن تسألوا الشاء تشهد |
[الحاكم، بسند حسن لغيره]. [ويأتي نص وصفها للنبي ﷺ في فصل الشمائل].
ومرَّ الركب في طريقه بعبد يرعى غنمًا، فطلبوا منه طعامًا، فاعتذر لهم بأن لا لبن في شياهه، إلا شاة - أو عناقًا - جف لبنها قريبًا، فاستأذنه الرسول ﷺ، فمس ضرعها فحلبت، ورووا منها جميعًا، وعندما رأى الراعي ذلك أسلم، وطلب أن يتابع الرسول ﷺ، ولكن الرسول ﷺ طلب منه أن يأتي عندما يسمع بظهوره, يعني بعد التمكين [الحاكم؛ ابن كثير: البداية].
وروى أحمد [المسند، بسند حسن]، عن ابن مسعود رضي الله عنه والطيالسـي [منحة المعبود، بسند صحيح]، قال: كنت غلامًا يافعًا أرعى غنمًا لعقبة بن أبي معيط بمكة، فأتى عليَّ رسول الله ﷺ وأبو بكر، وقد فرا من المشركين، فقال: أو فقالا: «عندك يا غلام لبن تسقينا؟ قلت: إني مؤتمن، ولست بساقيكما، فقال: «هل عندك من جذعة لم يَنْزُ عليها الفحل بعد؟ قلت: نعم، فأتيتهما بها، فاعتقلها [أمسك بها]أبو بكر، وأخذ رسول الله ﷺ الضرع، ودعا، فحفل الضرع، وأتاه أبو بكر بصخرة متقعرة فحلب فيها، ثم شرب هو وأبو بكر، ثم سقياني،ثم قال للضرع: أقلص, فقلص. فلما كان بعد أتيت رسول الله ﷺ فقلت: علمني من هذا القول الطيب، يعني القرآن، فقال: «إنك غلام مُعَلَّم»، فأخذت من فيه سبعين سورة، ما ينازعني فيها أحد».[ابن كثير: السيرة].
ويذكر ابن كثير أن هذه القصة وقعت قبل الهجرة بمدة طويلة .
ولقوا في طريقهم ركبًا من المسلمين كانوا تجارًا قافلين من الشام، فيهم الزبير ابن العوام رضي الله عنه، فكسا الزبير رسول الله ﷺ وأبا بكر رضي الله عنه بثياب بيض. [البخاري].
وعندما وصلوا العرج، احتاجوا للاستفسار عن الطريق، فدلهم أحد القاطنين على الطريق وبين لهم أن الطريق القريب عليه لصان من قبيلة أسلم، يقال لهما: (المهانان)، ولم يبال الرسول ﷺ بهما، وعندما لقيهما عرض عليهما الإسلام، فأسلما، وسماهما (المكرمان)، وطلب منهما القدوم عليه في المدينة [عبد الله بن الإمام أحمد: الزوائد على المسند].
وروى البزار [كشف الأستار] وابن الأثير [أسد الغابة] يسنديهما إلى بُرَيْدَة بن الحُصَيْب الأَسْلَمِي، أن رسول الله ﷺ لما أقبل في مهاجره لقي ركبًا، فقال: «يا أبا بكر: سل القوم فممن هم؟» قالوا: من أسلم، قال: «سلمت يا أبا بكر، سلهم من أي أسلم؟» قالوا: من بني سهم، قال: «ارم بسهمك يا أبا بكر».
وروي أنهم عندما وصلوا الجحفة وجدوا إبلًا، فقال رسول الله ﷺ: «لمن هذه الإبل؟» فقالوا: «لرجل من أسلم»، فتفاءل ﷺ: وقال لأبي بكر: «سلمت إن شاء الله»، وسأل الراعي عن اسمه، فقال: «مسعود»، فتفاءل ﷺ وقال لأبي بكر: «سعدت إن شاء الله» [البداية والمعرفة لأبي نعيم].
وقيل: إن إحدى راحلتيهما تخلفت عنهما، فعندما جاء صاحب الإبل، وهو أوس ابن عبد الرحمن بن عبد الله بن حُجْر الأسلمي، فأعطاهما فحلًا، وطلب من غلامه مسعود أن يصحبهم إلى المكان الذي يريدونه، فوصل معهم إلى قباء.[الاستيعاب، بسند حسن].
وروي أن أوسًا بن عبد الله بن حجر الأسلمي مر برسول الله ﷺ ومعه أبو بكر «بحدوات»، بين الجحفة وهرشى، وهما على جمل واحد متوجهين إلى المدينة، فحملهما على فحل إبله «ابن الرداء»، وبعث معهما غلامه مسعود، وطلب منه أن يسلك بهما حيث يعلم من الطريق، ولا يفارقهما حتى يقضيا حاجتهما منه... فأوصلهما المدينة ثم عاد، وقد حمله وصية إلى سيده، وهي أن يسم إبله على أعناقها. [ابن هشام؛ ابن حجر: الإصابة؛ ابن عبد البر: الدرر، وحسنه].
ولقي ركب الهجرة عند الغميم بريدة بن الحصيب الأسلمي - زعيم قومه حينذاك - وكان قد خرج في طلب النبي ﷺ وأبي بكر، أملًا في الفوز بالجائزة المعلنة من قبل قريش. وعندما التقى برسول الله ﷺ، وحدثه الرسول ﷺ في أمر الإسلام، أسلم وأسلم معه زهاء ثمانين بيتًا من قومه، وقيل: سبعين [أهل التراجم]. وبات بريدة مع الرسول ﷺ، وفي الصباح قال بريدة: «يا رسول الله: لا تدخل المدينة إلا ومعك لواء». فحمل عمامته ثم شدها في رمح ثم مشى بين يديه حتى دخل المدينة. [الديار بكري].