الرابع والعشرون: قصة أهل القرية التي كانت حاضرة البحر:
قال الله تعالى: ﴿ وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ ۙ لَا تَأْتِيهِمْ ۚ كَذَٰلِكَ نَبْلُوهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ ﴿١٦٣﴾ ﴾[الأعراف: 163].
يقول الشيخ عبد الرحمن السعدي في تفسيره [تفسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان] لهذه الآية: ﴿ وَاسْأَلْهُمْ ﴾ أي: أسأل بني إسرائيل ﴿ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ ﴾ أي: على ساحله في حال تعديهم وعقاب الله إياهم، ﴿ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ ﴾، وكان الله تعالى قد أمرهم أن يعظموه ويحترموه ولا يصيدوا فيه صيدًا، فابتلاهم الله وامتحنهم، فكانت الحيتان تأتيهم ﴿ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا ﴾ أي: كثيرة طافية على وجه البحر، ﴿ وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ ۙ ﴾ أي: إذا ذهب يوم السبت ﴿ لَا تَأْتِيهِمْ ۚ ﴾، أي: تذهب في البحر فلا يرون منها شيئًا ﴿ كَذَٰلِكَ نَبْلُوهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ ﴿١٦٣﴾ ﴾ ففسقهم هو الذي أوجب أن يبتليهم الله، [قال المحقق الشيخ اللويحق، كذا في ب. وفي أ: يبليهم]. وأن تكون لهم هذه المحنة، وإلا فلو لم يفسقوا، لعافاهم الله، ولما عرضهم للبلاء والشر، فتحيلوا على الصيد، فكانوا يحفرون لها حفرًا، وينصبون لها الشباك، ثم يأخذوها في ذلك اليوم، فإذا جاء يوم الأحد أخذوها، وكثر فيهم ذلك، وانقسموا ثلاث فرق: [كما في الآية 164 من الأعراف] معظمهم اعتدوا وتجرؤوا وأعلنوا بذلك، وفرقة أعلنت بنهيهم والإنكار عليهم، وفرقة اكتفت بإنكار أولئك عليهم، ونهيهم لهم... [وجاء في خبر الفرقة الأولى الآية (166) من الأعراف]: ﴿ فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ مَا نُهُوا عَنْهُ ﴾ أي: قسوا فلم يلينوا ولا اتعظوا. ﴿ قُلْنَا لَهُمْ ﴾ قولًا قدريًا: ﴿ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ ﴾، فانقلبوا بإذن الله قردة، وأبعدهم الله من رحمته، ثم ذكر ضرب الذلة والصَغار على من بقي منهم، فقال: ﴿ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ ﴾ أي: أعلم إعلامًا صريحًا: ﴿ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ ۗ ﴾ أي: يهينهم ويذلهم.
وجاء ذكر هذا العذاب كذلك في سورة البقرة (166): ﴿ وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ ﴿٦٥﴾ ﴾، وجاء ذكر مثل هذا العذاب في سورة المائدة (60): ﴿ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ ۚ أُولَٰئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ ﴿٦٠﴾ ﴾.
قال محمد حسني يوسف [الإعجاز العلمي في القرآن والسنة النبوية (2/72)]: (هذه الآيات ستقطع بأن الله سبحانه وتعالى قد شاء فأمر، فتحول بعض العصاة لأمره, المخالفين لما قدره في حينهم، وفي زمانهم, إلى قردة، قردة فعلًا، وإلى خنازير فعلًا.
بالإضافة إلى المفاجأة الكبرى والقنبلة التي تفجرت، وهي: أنه تم اكتشاف موطن القرية التي كانت حاضرة البحر التي سكنها من القديم بعض صيادي اليهود الذين عصوا الله عز وجل، فمسخهم قردة وخنازير، وتم العثور على هذه الموميات في تاريخ (2/1/2002م)، حيث يقول الذين عثروا على الموميات في رسائل لهم للأستاذ محمد عيسى داود ما نصه: نحن مجموعة من الشباب، فينا عالم الآثار، وفينا عالم الجيولوجيا، وفينا عالم الأحياء، وبعض طلبة العلم في دراسات الآثار، وأصول الدين؛ مكن الله عز وجل لنا الأمر، ووفقنا للعثور على موطن القرية التي كانت حاضرة البحر، التي سكنها من القديم بعض صيادي اليهود الذين عصوا الله عز وجل، فمسخهم قردة وخنازير، ومرسل لمعالكيم مندوبنا عن طريق غزة، عمل لكم الشريط المصور لمومياتهم المحنطة تحنيطًا بدائيًا لتبعية بلاد الشام وقتئذ لمصر، وتأثر أهلها بعادات المصريين؛ وكذلك مرسل لكم الصور الفوتوغرافية. وقد تأكد لنا أنهم بشر أنبت الله لهم ذيولًا وأذنابًا، وأبقى أشكالهم البشرية لمزيد عذابهم النفسي، حيث يرى بعض علمائنا أنهم وإن حل عليهم العذاب هنا قرب طبرية وأماكن أخرى بجوارها, إلا أن بعضهم لم يتحمل هذا الوضع، فهرب إلى صحراء مصر وغيرها من بلاد الشام).
إن هذا الأثر التاريخي المادي من أوضح الأدلة على أن القرآن ليس من تأليف محمد ﷺ كما يزعم أعداء الإسلام، بل هو وحي من الله تعالى الموجود حقًا.