المبحث الأول: سرية عبد الله بن عَتِيْك لقتل سَلاّم بن أبي الحُقَيْق (أبي رافع)
لقد قدمنا أن أبا رافع كان ممن ألب الأحزاب على رسول الله ﷺ وكان يؤذي رسول الله ﷺ ويعين عليه [البخاري]. فقد أعان غطفان وغيرهم من مشـركي العرب بالمال الكثير على رسول الله ﷺ. [ابن حجر: الفتح, عن أبي الأسود].
رغبت الخزرج في قتل أبي رافع مساواة للأوس في قتل كعب بن الأشرف, وذلك بعد الفراغ من بني قريظة. وكان الله سبحانه وتعالى قد جعل هذين الحيين يتصاولان بين يدي رسول الله ﷺ في الخيرات, فاستأذنوه في قتله, فأذن لهم, ونهاهم أن يقتلوا وليدًا أو امرأة. [ابن إسحاق, مرسلًا].[ووصية الرسول ﷺ في عدم قتل الأطفال والنساء والأجراء والرهبان وكبار السن وكل من ليس طرفًا في القتال فثابتة]
فخرج من المدينة خمسة من الخزرج إلى حصن أبي رافع بخيبر من أرض الحجاز للقضاء عليه. وقد أمر الرسول ﷺ عليهم عبد الله بن عتيك.
فلما دنوا, وقد غربت الشمس, وراح الناس بِسَـرْحِهِمْ, قال عبد الله لأصحابه: «اجلسوا مكانكم فإني منطلق فَمُتَلَطِّفٌ للبواب لعلي أدخل». «فأقبل حتى دنا من الباب, ثم تقنع بثوبه كأنه يقضي حاجته. وقد دخل الناس, فهتف به البواب: يا عبد الله إن كنت تريد أن تدخل فادخل لأغلق, فدخل, فكمن, فأغلق البواب الباب, وعلق الأَقَالِيد على وَتَد, فقام ابن عتيك ففتح الباب, ثم توجه إلى بيت أبي رافع, وأخذ في فتح الأبواب التي توصل إليه, وكلما فتح بابًا أغلقه من داخل حتى انتهى إليه, فإذا هو في بيت مظلم وسط عياله. فلم يمكنه تمييزه, فنادى: يا أبا رافع, فقال: من؟ فأهوى بالسيف نحو الصوت, فلم يغن شيئًا, فعاد عبد الله يناديه, وفي كل مرة يغير صوته, حتى استمكن منه وقتله دون أن يؤذي أحدًا من ولده أو زوجته.
ثم خرج من البيت, وكان بصره ضعيفًا, فوقع من فوق السلم, فانخلعت رجله, فعصبها بعمامته, وتحامل على نفسه حتى جاء إخوانه فأخبرهم, فعادوا إلى الرسول ﷺ, فلما رآهم قال: «أفلحت الوجوه», وحدثوه بما حدث, ثم قال لعبد الله: «أبسط رجلك», فمسحها ﷺ فكأنه لم يشتكها قط [البخاري].
وقد اختلف أهل السير في تاريخ هذه السرية: فعند الواقدي أنهم خرجوا ليلة الاثنين في السحر لأربع خلون من ذي الحجة, على رأس ستة وأربعين شهرًا من الهجرة وغابوا عشرة أيام, وعند ابن سعد أنها في رمضان سنة ست من الهجرة وعند الطبري أنها في النصف من جمادى الآخرة من السنة الثالثة الهجرية, وقيل في ذي الحجة سنة خمس, وقيل في سنة أربع, وقيل في رجب سنة ثلاث [ابن حجر: الفتح].
والراجح أنه بعد الخندق وقريظة, لأنه ممن ألب الأحزاب على المسلمين. فإذا كان الرسول ﷺ قد فرغ من بني قريظة في منتصف ذي القعدة فتكون هذه السرية بعد هذا التاريخ بقليل. وعمومًا فإن كل ذلك لم ترد فيه روايات صحيحة من الناحية الحديثية, حسب علمي المحدود.